مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

غولشيفته فراهاني: الرياح تحملني الى أماكن لا أعرف عنها شيئاً

غولشيفته فراهاني: الرياح تحملني الى أماكن لا أعرف عنها شيئاً
 
حاورتها هوفيك حبشيان 
لم تتوقع غولشيفته فراهاني أن يرصد ضباط محكمة الثورة في الجمهورية الاسلامية تحركاتها ونشاطها على النت، عندما قررت ان تظهر ثديها الأيمن في اعلان جوائز الـ”سيزار” الفرنسية التي ترشحت اليها. ولم يخطر في بالها ايضاً أن ثمة وقاحة على هذه الأرض تدفع بمسؤول أمني الى ان يتصل بوالدها ويقول له إنه سيقطع ثديي ابنته ويقدمهما إليه على طبق، ثمناً لما فعلته.
كانت هذه الحادثة في مطلع السنة الحالية. اليوم، في زيارتها الأخيرة لمهرجان ابو ظبي حيث نالت جائزة أفضل ممثلة عن دورها في “حجر الصبر” لعتيق رحيمي (“غونكور” 2008)، تبدو أكثر تصالحاً مع معاناتها، وأشدّ تمسكاً بمفهومها للحرية، وإن كانت لا تعبر عن ذلك بكلمات كثيرة، كتلك الكلمات التي تخرج من فمها بفرنسية جميلة تعلمتها في الشارع الباريسي، منفاها القسري الجديد، الذي من المحتمل أن يطول.  
على الرغم من كل المضايقات التي تعرضت لها مذ اختيرت لتمثل في “كتلة اكاذيب” لريدلي سكوت (أول ممثلة تشارك في فيلم هوليوودي منذ الثورة)، فإن فراهاني مصممة على إطاحة المحرّمات وعدم الاذعان لابتزاز نظام الملالي. فـ”السينما هي الهواء التي تتنشقها”، كما قالت في مقابلتها الآتية مع “النهار”، وهي أيضاً المهنة التي تزاولها مذ كانت في الرابعة عشرة، عندما اضطلعت بدور في “شجرة الكمثرى” (1994) لداريوس مهروجي. مهنة تخلّت من أجلها عن شغفها الأول: الموسيقى. فيلم مهروجي جلب اليها التقدير الجماهيري، مما يفسر “خوف” السلطات عليها، ورغبة وطاويط الليل في التحكم بخياراتها. فراهاني، البالغة التاسعة والعشرين اليوم، ليست بالممثلة المغمورة في بلادها، علماً بأن الأفلام الثمانية عشرة التي ستشترك فيها بعد وقوفها أمام كاميرا صاحب “البقرة” (مهروجي)، اقتُرحت عليها بعدما تم الانتباه الى موهبتها الخارقة، التي تجسدت تجسيداً شفافاً في “عن إيلي” لأصغر فرهادي، عام 2009. الفيلم كاد يُمنع في طهران، بسبب مشاركة فراهاني فيه، لولا تدخل الرئيس محمود احمدي نجاد الشخصي في القضية، واعتباره أن من “الظلم معاقبة عمل لخطأ ارتكبته ممثلة”.
بجمالها الشرقي الآسر وعينيها الطفوليتين، استطاعت فراهاني سحق قلوب المخرجين والمشاهدين معاً، منذ اطلالاتها الاولى. عملت مع كل من: بهمان قبادي، اصغر فرهادي، ريدلي سكوت، عباس كيارستمي، هينر سليم، وقريباً نراها في “كامرأة” لرشيد بوشارب. مارجان ساترابي، مخرجة “بيرسيبوليس” و”دجاج بالبرقوق” قارنتها باليزابيت تايلور. آخرون رأوا فيها خليطاً من غريتا غاربو وجان مورو. هي، في الواقع، مزيجٌ متناغم من هذا كله.
يجب الاعتراف بأننا أمام موهبة واضحة: اداء داخلي لا يوفر طاقات، مظهر خارجي في مستوى ساحرات الشاشة، خفة دمّ وقدرة استثنائية في التعبير عن الذات، اختزال مدهش للأفكار والثقافات. على رغم هذا كله، هي الآن مستبعدة من بلادها، والمسؤولون في المراكز العليا لا يريدون عودتها. لا يريدون ممثلة ظهرت على السجادة الحمراء مكشوفة الرأس. ولا يرحبون بمواطنة ايرانية عبرت عن رأيها في الثورة الخضراء، من مأواها الجديد في القارة القديمة. لكن فراهاني تعلم جيداً ان لا نبي في بلاده، لذلك تمثل في كل فيلم جديد لها، كما لو انه الأخير!
¶ تتحدرين من عائلة فنانين. كيف أثّر هذا الشي في تكوينك الفكري والاخلاقي؟
– كان تأثيره بالغاً. الفن، كان أقصى ما أطمح اليه. أن يكون المرء فناناً، كان يعني انه يرتفع الى مصاف الأنبياء. هكذا كان مفهوم الفن في عائلتنا، خلافاً لعائلات أخرى حيث السلطة والمال هما الدافعان الأساسيان للدخول الى الوسط الفني. كان الفن مرتبطاً بشيء من القداسة، مع انني لا أحب هذه الكلمة. أو لنقل بشيء من الطهارة. (بعد لحظة تفكير): هذه كلمة أخرى قذرة. كان أبي اشتراكياً، وكان يردد دائماً ان الفنان هو بمثابة عبد عند الناس وفي خدمتهم. كان ابي ينظر الى الفن كواجب.
¶ لكن، كيف تعلمتِ الفرنسية بهذه السرعة؟
ـــ أنا مقيمة في فرنسا منذ أكثر من سنتين. أنكليزيتي أفضل. المشكلة أنني لا أستطيع البقاء في باريس على مدار السنة بسبب تنقلاتي لأجل التصوير. بعد مغادرتي ايران، لم تبق لي جذور. الرياح الآن تحملني الى أماكن لا أعرف عنها شيئاً. كأنني أبحث عن شيء لا أجده. هذا البحث يمنعني من الاقامة الدائمة في مكان واحد. عليّ أن أذهب وأبحث. الفرنسية تعلمتها في الشارع، ولم آخذ دروساًَ خصوصية. لديَّ أذن موسيقية جراء دراستي للموسيقى في صغري.
¶ هل تلقيتِ دعم العائلة عندما قررتِ خوض التمثيل؟
ـــ في البداية، لم يكن والدي موافقاً على خياري. كنتُ أتعلم البيانو في الكونسرفتوار، وكان هذا الشيء بالنسبة إلى عائلتي نوعاً من استثمار. ثم، عندما بلغتُ الرابعة عشرة، اختارني داريوس مهروجي لأضطلع بدور في فيلم ذي طابع ذهني. لم أقل شيئاً لوالدَيّ، ثم عندما علما بالأمر، عارضا فكرة أن اتوقف عن العزف على البيانو والتفرغ للتمثيل. خلال عملية التقاط المشاهد التي استغرقت شهرين، لم يتوجه والدي اليَّ بكلمة واحدة قط. بعد فترة، تقبل الفكرة. أما أنا، فتابعتُ دروسي وصرتُ ملمة ايضاً بالهارد روك والميتال، لأنني أدركتُ في مرحلة من المراحل أن الموسيقى الكلاسيكية لا تستطيع ان تؤثر في وعي الناس، خصوصاً الشباب منهم.
¶ وهل باتا مساندين لك عندما أثبتِِّ جدارتك في التمثيل وبدأتِِ تنالين الشهرة؟
– نعم، نعم. طبعاً، مرت هذه المساندة بحالات عدة. في مستهل تجربتي، كان كل شيء على ما يرام، ولكن حين اضطررت إلى ترك ايران، تعقدت الأمور كثيراً. مع كل خطوة جديدة، وكل معطى جديد، كنت انتظر منهم رد فعل جديداً.
¶ ما الذي جعلك تتركين ايران؟
– تعرضتُ للمضايقات على خلفية اضطلاعي بدور الممرضة الى جانب ليوناردو دي كابريو في “كتلة أكاذيب” لريدلي سكوت. مجرد أنني اظهر في فيلم أميركي، كان هذا شيئاً لا يجوز بالنسبة إلى الحكومة الايرانية. عندما انطلقت الحملة عليَّ، لم يكن الفيلم قد عُرض بعد في أيّ مكان من العالم، ولا احد من الحكومة كان شاهده. قالوا لي إنني ساذجة ولا بدّ انهم غيّروا السيناريو للايقاع بي في فخ ايديولوجيتهم. ريدلي سكوت اختارني، لكن كان عليه أن يناضل كي يفرضني على الجهة المنتجة [توضيح من المحرر: “وارنر بروس”]. من سوء حظي ان الولايات المتحدة أعلنت فرض عقوبات على ايران في اليوم الذي كان عليَّ فيه توقيع العقد، فجعلني هذا في وضع أشبه بأن يُحشر المرء بين المطرقة والسندان: في ايران وُضعتُ على اللائحة السوداء لـ”تعاملي مع العدو واستخباراته”، اما في أميركا فمُنعتُ من العمل لأنني احمل جواز سفر ايرانياً. عندما انتهيتُ من تصوير الفيلم، احتجزت السلطات الايرانية جوازي وخضعتُ لاستجواب استغرق سبعة اشهر، حيناً لدى الاستخبارات وحيناً آخر لدى محكمة الثورة، واتفق الكل على اتهامي بأنني عميلة للغرب الامبريالي واشكل خطراً على الامن القومي!
ثم منعوني من أن أمثل في “أمير بلاد الفرس”، فتألمتُ كثيراً. وهذا ما دفعني الى أن أختار معسكري. أضف الى أنه في ايران لدينا مشكلة الحجاب. ربما، لو كنتُ رجلاً لما كنت واجهت تلك المشكلة. كنت ملزمة ارتداء الحجاب في الأفلام، لكن سرعان ما أدركتُ انه لا يمكن أن أستمر في التمثيل وأنا اضع الحجاب. المشكلة الأساسية عندي كانت مع الحجاب.
¶ زميلتك ليلى هاتمي تقول انه لم يسبق لها ان شعرت بالنسيم العليل في شعرها مثلما شعرت به عندما نزعت الحجاب عن رأسها في أوروبا…
– يجب القول انني اتجول سافرة في اماكن عدة خلال وجودي في ايران. لا أضع الحجاب الا في الشارع. ننزع الحجاب في البيت، او عندما نذهب الى الجبال حيث لا حضور للشرطة. ليس الأمر كبعض البلدان الاسلامية حيث على المرأة ارتداء الحجاب بشكل متواصل. اقول هذا، لأنني أعتبر ايران بلداً تقليدياً أكثر منه مسلماً. الحجاب في ايران شيء شكلي. أنا شخصياً أكره الحجاب. في الاسلام، فُرض الحجاب للحد من الشهوة الرجالية. لكن، انا لا اريد أن يتعلق مصيري بتلك الشهوة. مشكلتنا، نحن الممثلات الايرانيات، ليست السلطة التي فوق رؤوسنا، انما اعتقاد الناس أننا خرجنا من بطن أمهاتنا مغلفات بقطعة قماشة.
¶ اللافت انك نلت جوائز، لكن ليس داخل ايران…
– (تبدو غير مبالية). في المهرجانات الايرانية، لم انل جوائز لأنني كنتُ اضطلع دوماً بأدوار سيدات قويات. في مرة من المرات، تم توقيف فيلم من الأفلام التي كنتُ فيه لأنهم اعترضوا على فكرة انه يقدّم امرأة تتخذ قرارات. ويبدو ان الجوائز في ايران لا تُمنح للنساء اللواتي يملكن حرية القرار، بل تُمنح لسيدات يخضعن لرغبات ازواجهن. أحياناً، يكون الكذب والنفاق الطريقة الوحيدة للصمود والعيش. نعيش حيوات عدة: حياة في المنزل، وحياة في المدرسة، وحياة في الشارع. الضغوط الاجتماعية التي نجد انفسنا تحتها، تجعلنا نضطر الى استعمال الكذب سلاحاً يومياً.
¶ أنت ناشطة ايضاً في مجالات اخرى كالمشاركة في حملات حماية البيئة.
– كان هذا عندما كنتُ في ايران. كنتُ اسعى للحصول على بعض النفوذ من خلال الفنّ، لاستثمارها في قضايا انسانية. لكن شاءت الظروف ان اترك ايران.
¶ الا يزعجك انه عليك دائماً الاجابة عن نوعية مشابهة من الأسئلة، وانه يُنتظر منك دائماً، خصوصاً في الغرب، أن تستجيبي فكرة معينة عن المرأة الايرانية الباحثة عن الحرية؟
– احاول دائماً أن اتهرب من الأسئلة السياسية. لستُ ديبلوماسية بل ممثلة؛ مهنتي الفنّ. اتجنب ان اكون “جان دارك” الممثلات، ضحية مضطهدة. يحب الغرب أن يراك في صورة الضحية، ويدفعك كي تعزز في داخلك ذلك الميل، لأن هذا يجعله مطمئناً الى حاله. لهذا السبب، ترى بلداناً كفرنسا تهتم بما يحصل في سوريا مثلاً: انه نوع من بورنوغرافيا تغفر ذنوبهم. يقولون لك “تعال الينا وسنساعدك”، وعندما تذهب لا يكترثون بك.
¶ هل السينما انقذتك أم زجت بك في المزيد من المشكلات؟
– السينما بالنسبة إليَّ مثل الاوكسيجين الذي اتنفسه. اذا اردنا مجتمعاً سوياً، فيجب أن نعمل على ان تثبت جذوره في مكان ما. والسينما تساعدنا في تحديد تلك الجذور.
¶ هل تجدين ذاتك في فرنسا؟
– عندما تكون لاجئاً قادماً من بلد كالصين او ايران او الجزائر حيث تمارس عليك الكثير من الضغوط، تعطيك الحياة قدرة فائقة على التأقلم. أنا متفاهمة مع الثقافة الفرنسية، لكن في البدء كانت صعبة، أما الآن فوجدتُ صلة بها، علماً أنني لن اتحول أبداً الى فرنسية. في باريس، شعرتُ باعتزاز ان يكون الانسان ولد امرأة. باريس حررتني من ذنوب اعتقدتُ أنني اقترفتها.
¶ هل تشعرين بالامان في منفاك الجديد؟
– الامان شيء اعتقد انه يأتي من الداخل. يمكن المرء أن يكون في ايران أو في كوريا الشمالية ويشعر بالامان والطمأنينة. ثم، اعتقد انه لا شيء يحمي الممثل. يعاملونك معاملة كلاب، لكن هذا يشعرني باللذة أحياناً.
¶ قلتِ لجريدة الـ”غارديان” إن النفي خارج ايران أشبه بالموت بالنسبة اليك…
– (ممم)… بعض العناوين تبالغ في نقل الكلام. عنوان مثل هذا هدفه جذب القراء. قلت حرفياً: تجربة النفي أشبه بتجربة الموت. بمعنى آخر، ما دمت حياً ولم تمت، فلن تفهم ماذا يعني أن تموت. هكذا هو المنفى.
عن النهار اللبنانية

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: