مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الوحي في الأديان الكتابيّة

الوحي في الأديان الكتابيّة
 
بقلم: رمضان عيسى
في ميثولوجيا الشّعوب، هناك الكثير من الأفكار والقصص يجري التّسليم بها بوصفها جزء من المنظومة الفكريّة المقدّسة الموروثة عن الأجداد. ولأنّها جزء من الموروث المقدّس، فإنّها تصبح من المسلّمات التي لا يجب أن يفكّر فيها الشّخص بعقلانيّة، أو مجرّد التّساؤل عن عقلانيّتها. لهذا تُطرح جانبا خارج نطاق التّساؤل، والفلسفة وتاريخ دخولها للموروث المقدّس. ومن هذه المفاهيم التي ينطبق عليها هذا الفهم، فكرة ” الوحي ” في الأديان الكتابيّة.
إن التّفكير في مسألة الوحي تضع الانسان في حالة تساؤل، كيف؟ ولماذا؟ وكيف يمكن التّكرار؟
 ولا بدّ من النّظر إليها، ليس بالمنظور الميثولجي الذي يتطلّب منّا الحفظ فقط ، والتّسليم دون تساؤل، بل وعدم التّفكير، لماذا وكيف. بل يجب النّظر إلى هذه المسألة بالمنظور العقلي، الذي يرمي إلى إيجاد سبب معقول للحدث، وسبب معقول للنتيجة، وسبب معقول لإمكانيّة التّكرار. فمفهوم ” وحي ” يتطلّب وجود ثلاثة : المُرسِل “الله “، والمُرسَل إليه ” نبي “، ” انسان “، والواسطة ” وحي، ملاك مُشخص ” يتكلّم، يقول، ينقل، رسالة من المصدر الإلهي إلى التّابع ” النبي، ويكون المُتلقي في حالة عقليّة جاهزة جسديّا ونفسيّا لتلقي الرّسالة. فإذا وُجدت هذه العناصر الثلاثة وتكاملت، كانت النتيجة طبيعية، أما اذا حدث نقص، أو عدم تكامل أحد العناصر الثلاثة، فإن النتيجة لن تكتمل، ولن تصل الرسالة، أما إذا قرأنا قولا أن الرسالة وصلت، فقط، ودون كشف كيف وصلت ؟ أو أن الرسالة وصلت مرة في النوم عن طريق رؤيا أو حلم، ومرة يوصف فيها الواسطة على شكل خيال يهتز وينتقل هنا وهناك، أو شيء أبيض يقف في صحن البيت، أو صوت صادر من صخرة، أو نداء عن بُعد دون معرفة المصدر، أو على شكل طائر أو على شكل انسان له أجنحة، أو على شكل إنسان له نور يبهر العيون بحيث لا ترى حدوده الشكلية، أو تكون الواسطة هالة نورانية، مثل وميض يقترب، ثم يبتعد، ويترك المتلقي، المُستقبل، في حالة اندهاش وخوف. فمعنى هذا أننا دخلنا في الخيال والأسطورية والميثولوجيا واللامعقولية. وهنا يقف الانسان حائرا في تصديق هذا من عدمه .
لماذا يقع الانسان في حيرة في مثل هذه الأحداث ؟
 لأنّك لو سألت المُتلقي، أو المُستقبل أن يصف لك ما حدث معه وما شاهده، فانّه سيقدّم لك وصفا خياليّا، وبعد مدّة لو طرحت عليه نفس السّؤال، سيكون الجواب مختلفا، ولو كان السّائل فلاحا ولا يعرف القراءة، ومن طبعه التّسليم والتوكُل، فبمجرّد سماع الحدث، سينكب على المُستقبل، المتلقي، ويقبل يديه ورأسه، ربّما ناله من البركات شيئ، وسيعتبره من أولياء الرب الصالحين، ومن المقربين إلى الرّوح القدس. ويصبح وليّ أمره وموطئ مشورته، وكاتم أسراره. أمّا إذا كان السّائل يحمل بعض الأفكار العلميّة، ولديه فكرة عن أسباب الأحداث ونتائجها الواقعية، فسيكون له موقف آخر، أي سيفشل هذا المُستقبل في إقناعه بأن هناك تواصلا ما بينه وبين الله، الرب، الروح القدس، خصوصا إذا سمع وصفا للوحي بأشكال مختلفة. ونجد هذا الاضطراب عند الكثير من الأشخاص الذين يدّعون التواصل مع الغيب، وأنهم أولياء الله في الأرض. بالإضافة إلى هذا، فإنه تنسج الحكايات الأقرب إلى الأساطير منها إلى الواقع، وترتدي ثوب الميراث المقدس.
ولا بد من السّؤال : من أين جاءنا مفهوم ” الوحي ” ؟
 ورد في التّوراة على لسان الربّ يقول لهارون ومريم اللذان يرغبان أن يكلمهما الربّ كما يكلّم موسى، (فقال اسمعا كلامي، إن كان منكما نبيّ للربّ فبالرّؤيا أستعلن له، في الحلم أكلمه، وأما عبدي موسى، فليس هكذا، بل هو أمين في كل بيتي، فما إلى فم، وعيانا أتكلم معه، لا بالألغاز، وشبه الرب يعاين ). (سفر العدد _ الإصحاح الثاني عشر – 6،7 ،8 ). وورد أيضا : ” اذا قام في وسطك نبي أو حالم حلما وأعطاك آية أو أعجوبة، ولو حدثت الآية أو الأعجوبة التي كلمك عنها، …. فلا تسمع لكلام ذلك النبي أو الحالم ذلك الحلم ، لأن الرب إلهكم يمتحنكم ….وذلك النبي أو الحالم يقتل لأنه تكلم بالزيغ من وراء الرب إلهكم ” ( التثنية – الإصحاح الثاني عشر 1 ، 2 ، 3 ، 5 ) .
وورد في الانجيل على لسان المسيح : ” أنا إنسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله) (انجيل (يوحنا 8 :45 )
وورد أيضا : ” ثم إذ أُوحي اليهم في حُلم أن لا يرجعوا الى هيرودس، انصرفوا في طريق أخرى الى كورتهم ” ( انجيل متى – الإصحاح الثاني 12 ) .
ـــــــ يقول بولس الرسول في غلاطية (1: 11) : أريدكم أن تعرفوا أنّ البشارة التي بشّرتكم بها ليست من مصدر بشري. فأنا لم أخذها من انسان. ويقول بطرس في رسالته الثانية (1: 21): لأنه لم تعطَ نبوّة قطّ بمشيئة انسان، بل انقاد رجال الله بالرّوح القدس فنطقوا بكلام الله.
وورد في القرآن الكريم في سورة النجم ” وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (5) ذو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (6) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (7) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (8) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (9) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (10) .
وورد أيضا في سورة القصص : وأوحينا الى أم موسى أن ارضعيه. ( آية 7 ) .
وقال رسول الله صلعم : ” ان روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها … ” ، وهنا كيف يكون النفث في الروع ؟ أيكون على هيئة وشوشة، أم صوت من بعيد، أم خاطرة عقلية ؟
قال البخاري : حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضى الله عنها أنها قالت: أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحى ” الرؤيا ” الصادقة في النوم .
هذه هي الرّوايات والأقوال والآيات التي عرفنا منها مفهوم الوحي في الأديان الكتابيّة. فما هو العامل المشترك بين هذه الأقوال والآيات ؟
اذا كان الوحي في اللغة هو الاعلام السّريع الخفي
أو الوحي بوصفه رؤيا، أو حلم.
أو الوحي بوصفه تخاطر بين شخصين.
أو الوحي بوصفه حالة إبداع ذاتي عقلي، أي الانطلاق من الذات المبدعة الى المجهول. أو الوحي بوصفه مصدرا للمعرفة الروحية الصوفية .
أو أن الوحي هو حركة عموديّة من السّماء – مسكن الآلهة، الغيب، المجهول – الى الأرض – مسكن البشر – هو حلقة الوصل بين عالم الأرض وعالم السماء، ــ الفضاء اللانهائي. أو بالعكس .
فما هو الفرق بين الوحي وبين الرؤيا ؟
وهل الرّؤيا شكل من أشكال الوحي، حيث يقول عبيد بن عمر بأن رؤيا الأنبياء وحي .
واضح أنّ الوحي في التّوراة والإنجيل لا يعني غير الرّؤيا أو الحلم، وأنّ تواصل الرب مع بني البشر، مع ساكني الأرض يجري عن طريق الأحلام. أمّا موسى – فحسب التوراة أن الربّ كان يكلمه وجها لوجه. وفما بفم، أي مباشرة وبلا حلقة وصل أو حجاب، أي أن الرب يتشخص ويظهر على هيئة ضوء، أو شخص يتكلّم أو شيء يصدر عنه صوت مسموع .
أمّا في الاعتقاد الإسلامي فالوحي اتّخذ أشكالا مختلفة، فمرّة يصفه النبي بأنه رأى جبريل على كرسي بين السماء والأرض فسد الأفق، ومرة يأتيه ملاك يضمه بقوّة ضاق لها صدره وصعب عليه تنفسه، وأخرى يأتيه وهو نائما، أو يأتيه وهو ماشيا.
وكما جاء في صحيح البخاري : عن جابر بن عبدالله – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلعم- بينما أنا أمشي إذ سمعت صوتا في السماء فرفعت بصري فاذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه فرجعت، فقلت : زملوني.
وورد على لسان النبيّ أنّه حينما سأله ورقة بن نوفل قائلا : يا محمّد، كيف يأتيك الذي يأتيك ( يقصد الوحي ) ؟ =
= قال : يأتيني من السماء جناحاه لؤلؤ، وباطن قدميه أخضر.
وهذا يعني أن الوحي يظهر عيانا ومُشخصا وذات ألوان .
وأنّ الوحي حينما أتي النبيّ أصابه الرّعب والفزع وحتى بعد أن تعود عليه كان يتصبب عرقه ويتغير لون وجهه فيميل الى الاحمرار المختلط بالسواد، ويغط ويتسارع تنفسه ويتربد وجهه ويعبس .فهنا لا بد من التساؤل : ما معنى الوحي ؟ وهل الوحي ممكن أن يتشخص، أي يظهر بشكل مادي منظور ؟ وهل الوحي ممكن يتحول من شيء لا مادي الى مادي منظور، وبالعكس، أي ممكن يتحول الواسطة، الوحي، من شيء مادي منظور، يُرى ويُسمع صوته الى شيء لا مادي يجلس على كرسي، ثم يزول دون أثر ؟ وضمن هذا الفهم يتم إلغاء قانون بقاء المادة، وقانون بقاء الطاقة، اذا كان كذلك، فلماذا لا يراه غير النبي ؟ وما هي أشكال الإيحاء، حيث ورد في آ ية ” وأوحينا الى أمّ موسى ” ( القصص – 7 ) ، ما هو الفرق بين الإيحاء الى أم موسى، والإيحاء الى النبيّ محمّد ؟ كيف كان الوحي في سورة ” العلق ” ، وكيف كان في سورة ” التوبة “. والسّؤال : هل الوحي مقترن بالنبوّة ؟ فالنبوّة من التنبؤ، أي إعلان المخفيّ عن النّاس، والإتيان بحلول وكرامات وتفسيرات للمشاكل الحادثة في زمن معيّن.
مع اعتبار ان ” الوحي إعلام سريع خفي “، هذا يعني أن الإيحاء لا يستلزم التجسد والتشخص، بل تخاطر عقلي. واذا كان الوحي لا يتجسد، في شخص يتكلم ويصدر عنه صوتا مسموعا وبلغة مفهومة، بل بطريقة تخاطرية، على هذا تكون كل القصص والروايات التي كتبها كُتاب السيرة والتي تقول بتجسد وتشخص الوحي للنبي في غار حراء تتطلب المراجعة. والخطورة من هذا الفهم، أنه يجري اعتماد مثل هذا، وإدخاله ضمن المناهج الدراسية، وما تتركه من أثر على عقول الناشئة، ومدى فعاليتهم في البناء والتجديد والتطوير .
ومن جهة أخرى، انظر ما هو شكل الإيحاء في رواية أبي هريرة عن النبيّ اذ قال : “ بينما أنا نائم إذ أوتيت خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من ذهب فكبرا علي وأهماني، فأُوحي إلي أن انفخهما فنفختهما، فأوّلتهما الكذابين اللذين أنا بينهما صاحب صنعاء وصاحب اليمامة “.بهذا النصّ يخرج الوحي عن التّشخيص المادي المنظور،
وهل الوحي يأتي في النوم أم في الصّحو ؟ وما هو الفرق بين الوحي في هذه الحالة وبين الرّؤيا أو الحلم ؟ وما هو الوحي في النّوم، إن لم يكن حلما ؟ وما هي الأحلام غير نشاط الدّماغ أثناء النّوم في كل الاتجاهات الواقعيّة والخياليّة، والتي لا يمكن اعتمادها كمصدر يقيني للحقيقة ؟
وهل يكون الوحي عن طريق روح القدس الذي يقوم بإيصال المعلومة، أو الرّسالة عن طريق إدخالها في وعي المُرسل إليه ؟ وهنا كيف يكون النّفث في الروع ؟ أيكون على هيئة وشوشة، أم صوت من بعيد، أم خاطرة عقليّة ؟
ماذا قالوا عن الوحي ؟
قال “عالم الدّين” العراقي أحمد القبانجي، إنّ ما يقال أنّ الوحي هو نور الهي يغمر قلب الرسول، هو مجرد تعبير قد لا يخلو من غموض، عمّا يسمّيه الفارابي وابن سينا وصدر الدين الشيرازي وابن عربي وسبينوزا بالقوّة التخييلية للأنبياء والرّسل.
أي أنّ فرضيّة أنذ الوحي تخيّل يعكس المبتدأ والخبر، أي بدلا من أن يكون الوحي ساقطا من السّماء – الفضاء – على الأرض بما يحمله من أخبار وأوامر، تنقلب الآية ليصبح الانسان هو المبتدأ الذي ينطلق بخياله إلى السّماء الغيب. ومنهم من أطلق على الوحي بأنّه ضرب من الخيال الصّوفي، ومثل ذلك عناه محمد إقبال في وصفه للنبوّة بـ ” أنّها ضرب من الوعي الصّوفي”[1] (محمد إقبال، تجديد الفكر الدّيني في الإسلام، ترجمة عبّاس محمود، دار الهدايه للطباعة والنّشر والتوزيع، الطبعة الثالثة، 2006، ص : 148 )
كما أنّ هناك تخيلات قوية ينتج عنها آيات محكمات، وتخيلات ضعيفة ينتج عنها آيات ضعيفة ومتشابهة، كما ورد في الآية : (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخرٌ متشابهات) آل عمران، 7. والآية (ما ننسخ من آية أو نُنسِها نأت بخير منها أو مثلها) البقرة- 106. وهناك آيات أكثر وضوحا من آيات أخرى، بحسب ما تؤكّده الآية (واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربّكم) الزمر- 55. كما إنّ هناك آيات تدخل بها الشيطان، ممّا أخلف المعنى المطلوب، وهذا ما حدث عندما قرأ النبي سورة والنجم إذا هوى(فقرأها حتى بلغ أفرأيتم اللاّت والعزى ومناة الثالثة الأخرى ألقى الشّيطان على لسانه تلك الغرانيق العُلى إن شفاعتهن لترتجى. فلمّا سمعت قريش فرحوا، ومضى النبيّ في قراءته فقرأ السّورة كلّها، فسجد وسجد معه المسلمون والمشركون، وتفرَّقت قريش وقد سرَّهم ما سمعوه، وقالوا :”قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذِّكْر”. ولم ينتبه النبي لذلك الا بعد حين، أي بعدما جاءه الوحي بالآية : ( ما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنّى ألقى الشيطان في أمنيته فنسخ الله ما يلقي الشيطان ) الحج، 52 )
أخيرا، هل يخرج الوحي عن مستوى الزّمن والمفاهيم وأسلوب الحياة الموجود في حاضر أي نبي من الذين ورد ذكرهم في التاريخ ؟ فلم يأت أي وحي بذكر طريقة الحياة، ودرجة العمران البشري، والقدرة التدميريّة للأسلحة في هذا الزمن، والحروب الاقتصادية، أو ذكر أمراض هذا الزمن، أو ذكر أنظمة حكم برلمانية حديثة. فهذا لم يحدث، لماذا ؟ لأن لكل نبي زمانه، ولكل وحي زمانه. فمثلا حينما مرضت زوجته خديجة، أخذ النبي يطمئنها قائلا : ان بيتك في الجنة كوخ من لؤلؤ مُجتبى “، وفي رواية أُخرى : ” بيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب “.
ماذا يعني هذا ؟ أنّ أقصى درجات الأماني في ذلك الزّمن، هو أن ينال المرء كوخا من لؤلؤ، أو كوخا من قصب. ولو كان النبيّ في هذا الزّمن، لما كانت أُمنيته لأحبّ النّاس إلى قلبه، كوخا من قصب، أو لؤلؤ، بل لقال : فيلا بين نهرين، أو بيتا فاخرا فوق سفينة عائمة، أو فيلا خاصّة فوق جزيرة .
من هنا كان التفكير في أي زمن يتناسب مع مستوى حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية. فالوحي، لا بد وأن يتناسب مع مستوى تفكير الناس في عصرهم .
” إن الوحي مجموعة من الصور والعلامات والأصوات الغامضة والمتناثرة والفائضة عن الغيب، والتي قد تفلح مخيلة الرسول في التقاط بعضها، بعد جهد ذاتي جهيد وإصرار عنيد، قبل أن تحاول ترجمتها إلى لغة بشرية وهذا داخل سياق ثقافي وتاريخي مستنفر أصلا نحو أفق انتظار النبوة .
وإن كانت مدارج البيان تتفاوت تبعاً لتفاوت قوّة المخيلة بين لحظة وأخرى، فقد انعكس ذلك التّفاوت في الأخير على أسلوب القرآن نفسه والذي يظل في كلّ أحواله أسلوباً بشرياً وتراثياً، بل وقدامياً أيضاً إنّ القرآن هو في آخر التّحليل، كلام يعكس ثقافة الرّسول ومخيّلته ولغته وعصره “. ( من مقال : سعيد ناشيد – الأوان، أربع فرضيات حول الوحي : أنّ تعتيم وتمييع الفهم لمعنى مفهوم ” وحي “، يضع المتلقي للوحي في مصاف أعلى من البشر، لأنّ له قدرة على التّواصل مع الغيب، ووضعه في موضع التّقديس والتنزيه عن الخطأ، ويحاط بقصص تقترب من الأسطوريّة، والتي لا يستطيع البشر محاكاتها، وما على النّاس إلا تقبلها كما هي دون تفكير أو تمحيص، واعتمادها ضمن المسلمات المتوارثة، والتي تصنف ضمن التراث المقدس. ويستتبع هذا سن قوانين ضمن الدستور للدولة، والذي يشمل وضع قوانين توضح إيقاع الجزاء على كل من يقترب من الوحي وأشكاله باعتباره جزء من الميراث المقدس.
وإذا اعتبر البعض أنّ الوحي مصدر للمعرفة، فأيّ نوع من المعرفة هذه، هل هي من المعرفة المختلطة بالأساطير، بالخيال، أم بأضغاث الأحلام، والتي لا تعتمد على دليل ملموس، ومتعارف عليه. أم أن الوحي هو مصدر للمعرفة العلمية اليقينية، والتي يمكن التأكد من صحتها بالتجربة والنّشاط العملي الإنساني ؟
أم أنّ الوحي هو شكل من أشكال الإبداع والخلق والاختراع ؟ مثل تفاحة نيوتن، أو نهر هيراقليطس. ومشاهدات داروين، التي أوحت له بنظريته في النشوء والارتقاء. إذا كان كذلك، فان الكثير من النظريات تم اكتشافها من خلال هذا الفهم، أي من خلال التفكير في المشاهدات الواقعية التي تواجه الإنسان في اُثناء النشاط الإنتاجي الواقعي العملي .
من هنا فالحالة الايمانيّة التي نشأت بتأثير دعوة النبي محمد قد تعاصرت معها حالات رافضة، غير معتقدة بالدعوة، ليس اعتراضا على سمعة أو سلوك النبي الأخلاقي أو انتمائه القبلي، فقد كان أمينا ورصينا وهادئ الطبع، وينتسب إلى قريش ذات الشهرة العالية في شبه الجزيرة العربية، بل كان اعتراضهم وشكّهم ينبع من كيفية التواصل الإيحائي بين النبي والغيب، والذي حسب ما جاء على لسان خديجة منذ البداية بأنه بدأ بالرؤيا، أو ملاك يجلس على كرسي بين السماء والأرض فيسد الأفق، أو يأتيه وهو نائما أو ماشيا، أو على هيئة ملاك جناحاه لؤلؤ وباطن قدميه أخضر. وهذا الوصف للوحي لم يعهده عرب شبه الجزيرة في تاريخهم .
ورغم هذا فقد انتشرت دعوة النبي الحنيفية بقوة، لتوافقها مع ما نادى به الحنفاء من قبل، وتوسعت إلى أن وصلت إلى الشام والعراق. وهذه الدّعوة لم تكن مقطوعة الصّلة بمن سبقها أو زامنها، فقد كانت هناك العديد من حالات الكهانة القريبة الشبه بالنبوّة في شبه جزيرة العرب وأطرافها، مثل خالد بن سنان، وسطيح وشق، ومسلمة بن حبيب من بني حنيفة، وسجاح بنت الحارث بن سويد من بني تميم. وهذا يعكس التصور أن النبوة لست بالشيء الخارق، أو الحدث الذي لا يمكن أن يحدث مثله، بل هي دعوة إلى الاصلاح الاجتماعي والاعتقادي. فإذا كثر الأتباع حول داعيها الأول تكثر حوله القصص الأسطوريّة ويجري نعته بالصّفات الخارقة والكرامات من صغره وحتى بعد موته .
ففي تاريخ كلّ شعب من شعوب الأرض ظهر رجال ونساء ملكوا هذا الوصف، واقتربوا من أن يكونوا بشرا فوق العادة، وأن لهم صلات مع الغيب منحتهم قوّة وتميّزا سواء كان جسديا أو عقليا، أكسبهم أتباعا لا حصر لهم. كما أنّ الكثير من المعتقدات المنتشرة حاليا في العالم، ولها أتباع بالملايين ظهرت نادى بها أشخاص لهم سمعة أخلاقية ويتميزون بالبصيرة العقلية المؤثرة والتي بقيت آثار آراءهم ومبادئهم الى زماننا هذا، أمثال كونفوشيوس وبوذا .
فالإيمان الدّيني المنتشر في العالم اليوم لا يستند على العقلانية السببية العلمية، بل على الموروث. فالتسلسل الوراثي البشري، يتبعه تسلسل نقلي للعقائد والأساطير مما أكسب الموروث الفكري صفة الاعتقاد السائد، والسيادية الاعتقادية للموروث أكسبته صفة القداسة التي تلغي النقد، وتعطل ملكة التفكير العقلاني. ففكرة التّسليم بصحّة الموروث تلغي ملكة التّفكير أو التمرّد عليها .
فالشّخص المولود في المجتمع المسلم أو المسيحي أو اليهودي، أو البوذي، منذ منشأه تسيطر عليه مجموعة من المسلمات الاعتقادية حول وجود الكون ووجود الإنسان ومصيره في الحياة وما بعد الموت . وليس من السّهل الخروج أو الشك في هذا الموروث .
إنّ تنوع الموروث الاعتقادي المقدّس قد أورث تمايزا بينها في الأخلاق والموقف من الآخر، وخلق الكثير من الصّراعات والصّدامات والحروب. حيث نجد أن الشّعوب تسخر من الموروث المقدّس ومعتقدات الشّعوب الأخرى لاختلاطها بالأساطير، في حين أن معتقداتها وموروثها المقدس لديها لا يصمد أمام أيّ تفكير عقلاني.
إنّ الموروث المقدّس لدى أيّ شعب كان تصورهم عنه، بانغراسه في ثقافة المجتمع يصبح له قوة الوحي الذي كان في زمن حياة الأشخاص الذين ارتدوا ثوب الكهانة أو النبوة، وظل هذا التسليم وهذا التماهي معهم إلى زماننا هذا حيث يطغى بقوّة على عقليّة ووعي أفراد المجتمع ويجعلهم ضمن عباءته الضّاغطة .
إنّ الموروث المقدس عند المسلمين، هو الأرضيّة التي يقف عليها المسلم في موقفه ليس من الآخرين، بل من العلم أيضا، ففي الحياة العملية، هو برجماتي، كل شيء بفوائد، وتراه في المتع يغترف منها اغترافا، فهو يتزوج النساء سرّا وعلنا، ولو كان شيخا هرما، ويتعامل مع الحضارة بالدّرجة القصوى، فهو يحاول أن يملك الكثير من الماديات، ولكن في ثقافته وشعاراته، هو ديني، والحديث مع الناس ديني. إنّه متناقض دائما مع نفسه. فهو يقول إنّ الحياة معبر إلى الآخرة، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، وأن لديه قناعة بالقدر والمسلمات المقدّسة، وفي نفس الوقت تجده الأكثر تكالبا على النيل من متع الحياة .
إنّ الله لم يمت كما أعلن نيتشه، إنّ الله هو منظومة اعتقادية تتوارثه الأجيال، أو هو ميراث للشعوب الأقرب إلى البربريّة منها إلى روح العصر، هو ميراث مقدّس لشعوب تبحث عن السّعادة خارج هذه الأرض، السّعادة الأخروية، وذلك لفشلهم في تنظيم حياة سعيدة. إنّ هذا الفشل يجعلهم يغرقون في الاعتقاد بالحلول الميتافيزيقية لعذاباتهم .
مجلة الأوان  الإلكترونية
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: