مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

رواية )الحجاب( والارتهان لبنية الفضاء المركب

رواية )الحجاب(  والارتهان لبنية الفضاء المركب 
 
عبد العزيزكوكاس
خاص بالموقع
“لا يرتكز الفن على تقديم بدائل، بل على المقاومة، أن يقاوم عن طريق الشكل، ولا شيء غيره، مجرى العالم الذي يستمر في تهديد الناس، وكأنه مُسَدَّس مُصَوَّب نحو صدورهم” George Balandier «Notes sur la littérature» Flammarion. Edit 1984- Paris (P.285-286)  
البعد الإبسْتِيمُولوجي لتجنيس النص يعتبر تجنيس العمل الأدبي عتبة أساسية في مجال المقاربة النصية، إذ المسألة تتعدَّى البعد التصنيفي الذي يتقصَّده النقد
، على مستوى ربط النصوص الإبداعية بخانات أجناسية متنوعة، إلى التأثير في الشروط المصاحبة للتَّلقي، فالتَّسمية هي تجنيس للنص ضمن خانة محددة، رغم نسبيتها باعتبار حدود التداخل والتقاطع بين الأجناس التي تخلق المجال الأدبي والمعرفي للتداول، حيث تحضر مرجعيات المتلقي وفق هذا التعاقد/الميثاق الذي يرسم العلاقة بين النص وقارئه وأفق القراءة، من هنا تتمايز استراتيجيات التصنيف الأجناسي حسب المنطلقات النظرية للنقاد، في ارتباط بالوعي الجمالي والفلسفي الذي يُهيمن في لحظة تاريخية معينة. تأسيسا على هذا الوعي النظري فإن تجنيس نص “الحجاب” باعتباره “رواية”، يخلق تَشْويشا لدى الملتقي الذي يقرأ النص في أفق المكونات البنيوية لهذا الجنس السردي (ترسيم الفضاء، بناء الشخصية، زاوية النظر، منطق الحِبْكة..)، وإذا كان تجنيس النص، كما يُلفت نظرنا إلى ذلك جان ماري شايفر، يجب أن يَسْتند إلى منطق النص وأبعاد تلقِّيه، لأن ذلك يساهم في خلق شروط تداول العمل وترسيم أفق قراءته، فإن التَّنْصيص على كون نص “الحجاب” “رواية”، من شأنه أن يَخْلق التباسا لدى المتلقي، على مستوى بناء الشخصيات ولغة الحكي وأسلوبه والخطابات المتداخلة وتراكم النصوص والحكايات.. وهو ما ينعكس على القراءة النقدية التي تضطرب مقاييسها وأدواتها الإبستيمولوجية المُسْتَجلبة من الجنس الروائي لتوظيفها في حقل تجريبي مفتوح! ففي “التقديم الضروري” الذي افتتح به الكاتب نص “الحجاب”، لا نعثر على ما يُحيل على التَّجنيس الموضوع على ظهر الغلاف، إذ هناك إشارة إلى “العمل” أو “النص” فقط، ونلمس حيرته تجاه التحديد الجنسي، حين يقول السارد: “لا أعرف كيف آل إليَّ هذا النص؟ كيف أُجنسه الآن؟!”ص (71). من هنا “فالحجاب” يقترب مما نجده في الآداب الأجنبية تحت مفهوم “محكي” “récit”، كتحديد عام ذي أفق مفتوح على التجريب والتداخل والتقاطع بين أجناس متنوعة، كتابة شذرية، يوميات، رسائل ومذكرات.. فليس هناك خط سردي تُعتبر فيه الحكاية مركز الخطاب، بل إن الحكاية في “الحجاب” تبدو مجرد حلم متقطع حيث تتداخل الصور والمقاطع السردية واللَّوحات، لأن كل شيء “أُعِيدَ بناؤه في النفس والوجدان والذاكرة” (ص24)، ما هو مركزي هو الكتابة التي تصبح موضوعا للتأمل وأداة لمساءلة العالم وأساساته، ليس الكتابة الصحفية فقط، “هذا التكرار والملل والمجاراة(…) هذه الكتابة العارية بلا أسرار”، بل أيضا الكتابة الإبداعية في علاقتها بالحلم والذاكرة والإنسان والعالم. يقوم نص “الحجاب” على فكرة الرحيل، علي فهمي الصحفي يتوَرَّط في مُهمة صحفية، يقوم بسفر إلى الباطنية للبحث عن سالم العروسي الذي لم يكن مجرد صديق “كان نسيخا لي”، يقول علي فهمي: “اتكأت على نافذة البيت واستسلمت لإغراء الرحيل، وفي الحقيقة كانت حركتي قرارا للفكر، كانت حركة زمن” (ص46). الرحلة هنا تتم في الزمان وليس في المكان، رغم البعد الإيهامي للأحداث (الحافلة، الناس، البنايات..)، لذلك تأتي أحداث هذا الرحيل متقطعة كشذارات حلم، حيث المصير الحتمي: تَفَتُّت الهوية، لعنة التَّشظي، الواحد يصبح متعددا والمؤتلف يصبح مختلفا، إن “المرء يُضيع هويته وسط ازدحام الأسئلة” (ص129)، فيتحوَّل الغياب إلى الحدث الوحيد المرشح للإجابة عن أسئلة، تبحث الشخوص عن إعادة تشكيلها بعيدا عن القناعات الجاهزة، لهَتْك الحجاب بين الفُروق الوَهْمية بين المنام واليقظة، الحقيقة والخيال، بين الشيء ونقيضه، تصبح هوية الذات ليست في واحديتها، بل في تعددها الانْشِطاري.. فالبحث عن سالم العروسي ليس سوى بحث عن علي فهمي، أي البحث في الذات التي أضاعتها دروب المتاهات: “بدا لي كما لو كنت رجلا دخل متاهة بشخصية، يحاول أن يجد لهذه المتاهة” معنى “بشخصية أخرى” (ص118). إن شخصيات “الحجاب” غير مكتملة التَّشَكل، فهي بدون ملامح فِيزْيولوجية محددة، ليس لغياب الكفاءة المعجمية للسارد في ترسيم الشخصية، بل لأنها مجرد مخلوقات حلم، حالات تجمع قضية ورؤى تسائل بهما أساسات العالم، لذلك فهي بدون محتوى نفسي محدد، ولا مظهر فيزيقي.. حيث ينتفي المرجع الواقعي ويبقى النص كما في “المحكي الشعري”، هو الذي يملأ فراغ الشخصية السِّيميائي، كما أن فراغها النفسي يُملأ بتلاقي الأفكار والصور”* (* «Le récit poétique» J.Y Tadié. Coll PUF édit 1978 (p.20 تقول السيدة التي صادفها علي فهمي في الباطنية: “لم أكن أعرف أني قادمة من حلم” (ص63)، ويقول علي فهمي متذكرا سالم العروسي: “كيف أحتفظ بهذا الوجه الذي من ماء ومن حلم” (ص68). وتبدو كل الشخصيات الأخرى مخلوقات حلم يستدعيها البطل السارد لِيُمارس عليها سلطته، ويحقق من خلالها التوحد. (المرأة التي كانت تحلم به، زوجة وكيل الدولة وملُّوسة صديقة سالم العروسي): “ونِمْنا، جسدان في جسد واحد” (ص65).   بنية الفضاء المركب في نص “الحجاب” ما يُلفت نظر القارئ، هو هذا الفضاء المؤثث للنص، والذي يحاول أن يخلق معمارا مركبا يجمع بين ميزة الفضاء النصي المنظم للُعْبة الكتابة والفضاء التَّخْييلي الذي يضبط منطق الحكاية ومجالها الحيوي، أي الفضاء الذي تتوَزَّع فيه العلامات التي تُنْتج عوالم الحكاية، ثم الفضاء الفني، وهو ما يسميه جان ايف تادييه بالفضاء كمكان للصور الحسية والتمثيلية، حيث يتحول الفضاء الواقعي عن طريق الوصف اللغوي إلى عامل تخييل يساهم في إنتاج دلالة النص. إن الاهتمام بالشعر وبالفنون التشكيلية، والارتكاز على مرجعيات نظرية تدخل في صلب اهتمام الكاتب حسن نجمي بمسألة الفضاء في بُعده الفني والتَّخييلي والنصي، سيدفع به إلى الارتهان إلى مرجعية جديدة في ترسيم المحكي.. مرجعية تسعى إلى التحرر من البعد الزمني الصارم للغة، لخلق ما يمكن أن نسميه “بالفضاء المركب”. فالكاتب يعاني من مشكلة أساسية ترتبط بمحاولة إقامة موازنة صعبة بين البعد المرجعي الواقعي والبعد التخييلي، حينما تختزن ذاكرته وحواسه مجموعة من الأصوات والروائح والأفعال والصور والعلامات والرموز.. ويريد تبليغها عبر النص دفعة واحدة، إلا أن “منطق” اللغة يقضي بالتدرج والخطية، ليس على مستوى المشاهد والصور فقط، بل حتى على مستوى الكتابة السَّطرية، حيث تتوالى الجمل على الصفحة خطيا وزمنيا والقارئ لديه حدس تعليمي بأن الأول هو الأهم، لأن الترتيب يعكس زاوية للرؤية! لكن كيف يمكن أن ننقل الأشياء كما ترتسم في ذاكرتنا دفعة واحدة عبر اللغة، خاصة إذا كانت كلها متساوية الدلالة، بل لا تكتمل دلالتها إلا بتجسيدها على شكل لوحة فنية أو لقطة سينمائية كبرى تتضمن كل الأبعاد المنقولة (المادة، الضوء، الشكل، الصوت، اللون، الرائحة، الحركة والحجم..)؟ إن الرهان الأساسي الذي يَنْبني عليه نص “الحجاب” هو التأسيس لفضاء اللغة قصد التخفيف من بعدها الزمني الخطي، أي كيف تستطيع اللغة أن تُحاكي المرئي أو المتخيل، من خلال التقاط الأحداث والمشاهد عبر فضاءات مختلفة وإثباتها لحظة واحدة، لتتواصل مشاهد النص وعوالمه التخيلية كما في الصفحات (36 .37 .42…) من رواية “الحجاب”، حيث نلاحظ تعدد الفضاءات وتداخلها من خلال وصف الحافلة والركاب والأصوات والروائح… وتداخل زمن الخطاب السردي الذي يمتزج بالوصف في محاولة لانفتاح النص على عوالم متعددة، وفي الصفحتين 18 و19 نلاحظ تداخل الفضاء النصي، أي لعبة البياض والسواد والفضاء التخييلي، المدينة من خلال اللوحة كإطار وكأيقونة لافتتاح وصف الفضاء، أي الباطنية من خلال المباني، الأزقة، الشوارع والألوان.. ثم المدينة كفضاء فني يُستعاد من خلال ذاكرة السارد، أي الباطنية كمكان مُوَقِّع للصور: “المدينة تُشْبه منزلا فارغا.. مثل أي نقطة منفلتة”. إن الأشياء في النص والأفعال والأحداث تتداخل بشكل مُلفت للانتباه في نص “الحجاب”، مما يجعل المتلقي يتمثل بسرعة الدلالة البصرية للأشياء المنقولة، باعتبار أن دلالة الجمل المسرودة لا تكتمل إلا داخل النسيج النصي، الذي خلق ما سميناه بمعْمار الفضاء المركب، لذلك تطغى الكتابة الشذرية على النص، لأن الأحداث مُعادة من خلال الذاكرة في مسيرة حلم: “أنا الآن أحاول أن أَسْتَجمع طيَّات الذاكرة وأُرتب شذراتي”. (ص24) حسن نجمي: رواية “الحجاب” منشورات الرابطة ط I البيضاء 1996.
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: