مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

“الأيام الأخيرة في حياة الديكتاتوريين”

“الأيام الأخيرة في حياة الديكتاتوريين” كتاب في باريس
نهاية الطغاة غالباً ما تكون تراجيدية
 
كوليت مرشليان
“الأيام الأخيرة في حياة الديكتاتوريين” دراسة صدرت في كتاب عن مجموعة باحثين من إعداد ديان دوكريه وإيمانوييل هتش وتحكي سيرة عشرين شخصية تاريخية من بين الطغاة الذين حكموا في القرن العشرين. وتقوم الدراسة على نظرية أساسية أو فكرة تتكرر في “حكاية” كل طاغية وهي أن “لكل شيء نهاية” وأيضاً أن “نهاية الطغاة والديكتاتوريين المجرمين والظالمين غالباً ما تكون سيئة”.
وإذا كان لكل شيء نهاية، فللخير كما للشر نهاية وهذا ما يحاول كل ديكتاتور حيّ أن يغض الطرف عنه متناسياً العبرة التي يمكن أن يستخلصها من ميتات السابقين الذين غالباً ما انتهوا مقتولين بأبشع الأساليب.
والدراسة مشوقة وتكشف جوانب سرية في فصول النهايات من حياة حكام قضوا غالباً في غموض ومن دون أن تُعرف التفاصيل، وقد جنّدت ديان دوكرييه مع ايمانوييل هتش فريق عمل كبيراً مؤلفاً من مؤرخين وصحافيين متخصصين في موضوع الكتاب: فكل قصة طاغية في الكتاب مسرودة وكأنها في إطار التحقيق الدقيق حيث تقصّي التفاصيل سيّد الموقف: من موسوليني إلى كيم جونغ ايل مروراً بستالين وماو وأمين دادا..
لكن ثمة استثناءات، فليس كل ظالم ممن يُذكرون في الكتاب قد انتهى بمأساة بل ثمة مَن عرف منهم نهايات هادئة وهانئة: ستالين، وبعد أن أصيب بنزيف دماغي وكان يبلغ 73 عاماً، مات بهدوء على سريره ولكن اكتُشف موته بعد رحيله بيوم لأنه ما من أحد كان يجرؤ على أن يدق بابه في غرفته.
ماو توفي عن 83 عاماً في سريره في المستشفى بعد جملة نوبات قلبية أودت بحياته. كذلك الأمر مع فرانكو الذي تجمّع من حوله أكثر من 23 طبيباً لإنقاذه ونجحوا في إبقائه على قيد الحياة لأسابيع عديدة لكنه خسر وزنه بسرعة ومات عن 82 سنة.
كذلك الأمر بالنسبة إلى تيتو العجوز الذي حاول الأطباء في يوغوسلافيا إنقاذه من دون نتيجة وكان أيضاً قد تخطى الثمانين.
أما نهاية أمين دادا فكانت هادئة بعد أن عاش عشرين عاماً في المنفى “المريح” وقد قضى تلك السنوات مطمئناً قبل أن يموت في مستشفى في جدة.
اما رئيس الباراغواي الجنرال الفريدو ستروسنر فقد عاش طويلاً وبلغ 93 عاماً والتجأ إلى البرازيل حيث كان يملك فيللا فخمة يتمتع فيها باستقبال الأصحاب وبمشاهدة مباريات كرة القدم على التلفاز..
أما فرديناند ماركوس في الفيليبين، فقد حكم ثم عاش سنواته الأخيرة “سعيداً” في هاواي..
ولكن إذا كانت العدالة لم تطل هؤلاء الذين انتهوا “سعداء” فقد تمكنت من زعماء كبار، رصدتهم وتمكنت منهم، وأصدرت في حقهم إعدامات رهيبة وعنيفة: الرئيس العراقي صدام حسين وُجد مختبئاً في غرفة صغيرة مظلمة تحت الأرض وقد طالت لحيته، فتم إلقاء القبض عليه وأُعدم شنقاً. كذلك الزعيم الليبي معمر القذافي، فقد أصيب الموكب الذي كان يقوده بقذائف ولكنه لم يصل حياً ليحاكم إذ عمد عدد من الثوار إلى تعذيبه وضربه وقتله برصاصتين. ومن دون شك، إن مقتل الزعيم موسوليني كان من أكثر الميتات غرائبية، فقد تم شنقه مع عشيقته كلارا بيتاسي وعُلقا من رجليهما وعُرضت جثتاهما أمام الناس في ساحة ميلانو ليبصقوا عليهما طوال يوم كامل. والغريب في أمر الديكتاتوريين حسب الدراسة أنهم جميعهم كانوا يخافون الموت ولم تكن في حساباتهم فكرة الانتحار على الإطلاق باستثناء الزعيم الألماني أدولف هتلر الذي رفض فكرة أن يتم إعدامه أمام الآخرين، فحضّر لانتحاره في مراسم رسمية في ربيع 1945 في منزله.
كما تشير الدراسة الى تحليل دقيق لمواقف سياسية وعالمية مفاجئة منها مثلاً بعض المواقف من بعض الدول أمام هؤلاء الديكتاتوريين، ومن تفاصيل هذه النقطة بالذات أن فرنسا مثلاً ولدى ورود خبر موت ستالين في آذار 1953، قرر مجلس النواب الذي كان مجتمعاً الوقوف دقيقة صمت عن روحه. أما الرئيس الفرنسي فاليري جيسكار ديستان وحين علم بموت ماو في أيلول 1976 فقد صرّح بالتالي: “مع رحيل ماو تسي تونغ تنطفئ منارة من منارات الفكر العالمي!”.
نقتطف من هذه الدراسة بعض المقاطع وننقلها إلى العربية، والتي تصور كيفية انتقال بعض الديكتاتوريين من دار الفناء الى دار البقاء!
[ ستالين
ستالين: خمسة أيام من النزاع مع الموت على كنبة: (طاغية، ومجرم ومنحرف.. ذاك هو السوفياتي ستالين الذي سيموت تماماً كما عاش، في عزلة وهي ضريبة الإرهاب الذي مارسه…)
(…) وانتهت السهرة من دون شك في كونتزيفو البعيدة مدة نصف ساعة عن الكرملين. ومنذ بداية الحرب الوطنية الكبيرة، لم يتناول “الفودج” غذاءه أو لم ينم في مكان آخر، ما عدا فرصته السنوية في سوتشي. في وقت متأخر من الليل، وحين يكون ضيوفه في عودتهم إلى موسكو، يقرر بأن يأخذ قسطاً من الراحة مثلاً، وأحياناً في غرفة من غرفه العديدة أو ممدداً على كنبة في إحدى غرف الاستراحة والسهرة.
(…) كانت الشمس لا تزال عالية في ذلك اليوم وتحديداً في أول آذار وكانت “الراتشا” صافية. كان الحرس بانتظار أن يناديهم. ومرّت ساعات من دون أن يشعر أي كان منهم بالقلق. حوالى الساعة العاشرة مساء، وصلت سيارة من الكرملين حاملة البريد وبعض الملفات. كان قائد الحرس الخاص بالخدمات ويدعى لوزغاتشيف ما زال متردداً ثم قرر أن يدخل من ناحية غرفة الطعام الصغيرة. وما أن فتح الباب على مصراعيه وبحذر شديد (وكان “المعلم” يكره بشدة أن يراه أحد بثياب المنزل المريحة) فهم لماذا لم يسمع أي نداء من الداخل طوال النهار: كان ستالين واقعاً من دون حراك على السجادة وكان يرتدي قميصاً قطنياً من فوق وبنطالون البيجاما وكان مبللاً كلياً”. أسرع لوزغاتشيف ولاحظ أنه ما زال حياً ولكنه كان عاجزاً عن الكلام.
نادى بسرعة كلاً من الكولونيل ستاروستين والخادمة الأولى بوتوزافا للمساعدة، نقلوا جميعهم المريض الى الكنبة، ثم نقلوه الى كنبة أخرى في غرفة الطعام حيث الهواء أكثر توفراً. وحتى في هذه اللحظة الحاسمة، لم يكن أحد منهم ليجرؤ على أخذ المبادرة الشخصية، ولا حتى للقيام بأي عمل تقليدي صغير يمكن أن يقوم به أياً كان في حالة مشابهة. لذا، وعوضاً عن الاتصال بطبيب الأمر الذي كان قد يفسر بأنه مكيدة أو مصيدة للايقاع به من قِبَل “أصحاب القمصان البيضاء” (وهم مجموعة أطباء تؤلف جزءاً من “اللوبي اليهودي العالمي” تُديرهم الولايات المتحدة الأميركية) اتصل لوزغاتشيف أولاً بقائد أمن الدولة والذي يليه مباشرة في القرارات ويدعى اينياتييف. كذلك قرر هذا الأخير أن يتروّى ويأخذ وقته قبل أي تصرف: وفي هذا الوقت، كان الكولونيل ستاروتسين ينادي كل من بيريا ومالنكوف، كذلك خروتشوف، ثم اتصل كل من مالنكوف وخروتشوف ببولغانيني. ثم اتفق الثلاثة على التزام قرار بيريا. لكن كان يصعب الاتصال بهذا الأخير: ربما كان بصحبة إحدى عشيقاته. لذا لم يعطِ تعليماته سوى بعد ساعة من الاتصال طالباً منهم عدم القيام بأي عمل أو بأي تحرك قبل وصوله إلى كوتزيفو. وعند الساعة الثالثة فجراً، أي تقريباً بعد حوالى عشرين ساعة على مرض ستالين، وصل بيريا مع مالنكوف الى المكان. كان ستالين يبدو وكأنه يغط في نوم عميق وكانت الأصوات الصغيرة التي تصدر من فمه تبدو وكأنها شخير. فهم بيريا بسرعة أن قائد الاتحاد السوفياتي لن يخرج سالماً من هذا المرض من دون العناية القصوى. غير أنه كان مشغولاً بأمور كثيرة غير الانشغال بإنقاذه. فالسلطة السوفياتية ستكون في فراغ تام وعليه أن يهتم بالأمر. فراح هو وأعضاء بولتيبورو الثلاثة يتحركون ويجتمعون طوال الأيام الثلاثة اللاحقة ليتقاسموا وليدعّموا مكانتهم لجعل الأعداء خارج كل اللعبة.
وبما أنه كان يوجد أربعة تماسيح مجتمعة في خليج واحد، اتفق الجميع على أن يحافظ الخدم والموظفون في كونتزيفو على سرية المباحثات الجارية.. وعلى أن يبقوا “الرفيق” ستالين نائماً بهدوء. لوزغاتشيف ورجاله هم الذين بقوا وحدهم مع معلمهم في نزاعه مع الموت. أما فريق الأطباء فقد وصل الى المكان في 3 آذار عند الساعة السابعة صباحاً، أي بعد 48 ساعة على مرض ستالين. وكان تقرير الأطباء: نزيف حاد في الشريان الدماغي الأساسي ناحية الشمال. وفي صباح الخامس من آذار 1953، دخل ستالين تدريجياً في الليل الأبدي.
[ القذافي: الموكب المجنون لبدوي تائه..
في 20 تشرين الأول 2011، تعرّض موكب مؤلف من حوالى أربعين سيارة رباعية الدفع في “سرت” الى قذيفتين أطلقتهما طائرة ميراج فرنسية. أصيب القذافي في رأسه فهرب والتجأ الى شبكة قنوات لمياه الصرف تحت الأرض، وسرعان ما ألقى القبض عليه أحد الطلاب من مصراتة.
وماذا بعد ذلك؟ قصة طويلة سردتها أشرطة مصورة بواسطة الهواتف النقالة: وكانت ساعة الحق قد دقّت. محمد، قائد المجموعة حاول أن يحمي الأسير. مهمة مستحيلة. وراحت تتساقط الضربات بجنون عليه: “حسناً، حسناً، ماذا تريدون مني؟” سألهم القذافي، محاولاً أن يردّ بذراعه المصابة الضربات عن رأسه. صار رأسه غارقاً بالدم وشعره الأشعث الذي لطالما تغنّى به تنازعت خصلاته الأيدي الغاضبة. ثم تعرض لاعتداء جنسي بأداة حديدية حادة. فراح يستغيث: “يا أبنائي! يا أبنائي! ألا تعرفون التفريق بين الخير والشر؟” بلى، كانوا يعرفون كل المعرفة: هم الخير والعدالة، وهو كل الخطيئة. ضربة قوية على وجهه بأحذية “الرانجرز” الضخمة. جثا على ركبتيه، وراح يبصق الدم الأحمر. في هذه اللحظة، وضع أحدهم مسدساً مصوباً على وجهه الدامي. ثم لا شيء! في مشاهد أخرى من هاتف نقال آخر، نرى جسداً مسجّى على الأرض ورأساً ملقى إلى الوراء، ولا زالت العينان نصف مفتوحتين وكأنهما لا زالتا تريان ما يجري. أحدهم يلقي بالجثة على محمل حديدي تابع لسيارة إسعاف. إنها سيارة إسعاف أو سيارة الموتى. لأنّ السيارة لم تتوقف لا أمام مستوصف قريب ولا أمام مستشفى. فهي تقدمت الى الشارع العريض في مصراتة من الناحية الشرقية. وجاء تقرير الطبيب الشرعي بعد حين: رصاصتان في الرأس مع أن التصوير لم يبرز تلك الإصابات: واحدة فوق صدغه الشمالي وثانية بين صدره وبطنه. ومن ناحية ثانية، عديدون راحوا يتباهون وكل على حدة بإسداء الضربة القاضية للقذافي. وبعد يوم على مقتله، أي في 21 تشرين الأول وضعت جثته في غرفة مبردة من مستودع ضخم للحوم في سوق مصراتة. كان ممدداً على فرشة ملوثة بالدماء وعلى يمينه ابنه معتصم الذي تم توقيفه ومن ثم تصفيته برصاصة في رقبته، وعلى شماله جثة قائد حرسه المعروف باسم جابر. وقد أمّت المكان العائلات والمجموعات والوفود لمشاهدة جثة القائد على ضوء لمبات النيون وقد كان عارياً في مستوى صدره وتم تنظيف وجهه الى حد ما من الدماء. وعلى الرغم من ساعات الانتظار الطويلة، وعلى الرغم من الرائحة النتنة التي بدأت تتصاعد من المكان المبرد الى حد ما، بقيت صفوف الوافدين متراصة طوال خمسة أيام متتالية وقبل أن يأتي القرار بدفن الجثة بسرية تامة في الصحراء(…).
عن المستقبل اللبنانية
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: