مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

(الأمريكان في بيتي) لنزار عبد الستار أنموذجا‏ الواقعية الفائقة في الرواية

(الأمريكان في بيتي) لنزار عبد الستار أنموذجا‏ الواقعية الفائقة في الرواية
 
علي كاظم داود
 قد لا يكون مصطلح “الواقعية ‏الفائقة” “‏Super Realism‏” ‏شائعاً أو متداولاً، إلا أني أود ‏التعبير به هنا عن أعلى درجات ‏التمثيل للواقع، أي قدرة العمل ‏الروائي على صناعة واقع بديل لا ‏يختلف في إمكانيته عن الواقع ‏الحقيقي. ‏في رواية “الأمريكان في بيتي” ‏للقاص والروائي نزار عبد ‏الستار، لن تجد الكثير من ‏السحر، وبالتأكيد لن تصادف ‏مشاهد مفتعلة. كل الأمور تسير ‏بشكل طبيعي، بانسيابية وتلقائية، ‏كما هي في الواقع تماماً.
حيال ‏هذا قد يبرز تساؤل مفاده: أ يعد ‏ذلك نقطة قوة في الرواية أم ‏نقطة ضعف؟ وللاجابة نقول: ان ‏وصف الوقائع الحقيقية التي يمر ‏بها كاتب ما بهذه الطريقة، لا ‏يمكن أن يعد إبداعاً مهماً. لكن ‏صنع وقائع تخيلية ورسمها ‏بريشة واقعية، حتى لتبدو أنها ‏هي الواقع، فهذا مما يرفع رصيد ‏النص حتماً.‏
هذه الرواية الصادرة عام 2011 ‏عن المؤسسة العربية للدراسات ‏والنشر في بيروت، هي رواية ‏واقعية بامتياز، بكل ما يحمله ‏الواقع من غرابة وقسوة، لذا ‏يحق لنا اعتبارها تجسيداً ‏للواقعية الفائقة بمفهومها العام، ‏وليس بصيغتها العراقية ‏الخالصة، لسبب سيتضح لاحقاً . ‏لكن من منظور آخر، فان هذه ‏الرواية أقرب إلى الواقعية ‏الانحيازية، إلا أن انحيازيتها ‏شمولية للإنسان وإرثه المعرفي ‏والحضاري. ‏
إذا ما حاولنا استكناه خبايا ما ‏وراء لغة هذه الرواية، أو معنى ‏المعنى بتعبير تحليلي، نجد أنها، ‏ومن خلال إيحاءات شتى تكاد ‏تناهز التصريح، تدين بشكل حاد ‏كل أنواع التخريب الذي يستهدف ‏الإرث الحضاري والثقافي ‏للمجتمع، والعنف بكل أشكاله، ‏فضلاً عن تلك اللامبالاة القاتلة ‏التي يتحلى بها جنود قوات ‏الاحتلال. فالموروث، ممثلاً عنه ‏بمقبرة الملكة شمشو، التي ‏تعرضت للتخريب والتجريف من ‏قبل النظام الصدامي، لكي تشيد ‏فوقها قصور رئاسية، سيتعرض، ‏في تمثيلات أخرى،  للنهب من ‏قبل المحتل، وللتخريب أيضا من ‏قبل المتطرفين.‏
عبر فصول الرواية، التي بلغت ‏سبعة عشر فصلاً، وامتدت على ‏‏208 صفحات، ثمة أحداث كثيرة، ‏وتنويعات في المشاهد، وإثراء ‏في التفاصيل. ثمة حشد كبير من ‏الحركات السردية، وحوارات ‏منتجة في الفضاء الروائي، فضلاً ‏عن الوصف للشخصيات والأماكن ‏بشكل متقن. ليس هناك أحداث ‏ضامرة أو شخصيات ضبابية أو ‏أحاديث غير مجدية أو انثيالات لا ‏واعية.‏المؤلف منح فصوله عناوينها ‏الخاصة، كما لو كانت قصصاً ‏قصيرة في كتاب قصصي، وقد ‏كانت هذه العناوين عاملاً إيجابياً ‏في تهيئة ذهنية المتلقي إلى أن ‏السرد سينقطع لينتقل إلى ‏مستوى آخر.‏
شخصية الرواية المحورية ‏وبطلها اسمه “جلال”، أقرأ عنه ‏كما لو كنت أعرفه سابقاً، هكذا ‏ببساطة أقنعتني الرواية ‏بواقعيتها. “جلال” البريء ‏والكوميدي، كامل النقاء. وهو ‏السارد ـ غير العليم ـ لجميع ‏أحداثها، يروي ما يعيش ويشاهد ‏ويسمع أو يُنقل له، بلغةٍ مرحةٍ ‏خفيفة الوقع على القارئ. يمكن ‏تصنيفها على أنها مأساة بلغة ‏الملهاة، تغطي على سوداوية ‏الوقائع ومرارتها. هذه المرارة ‏التي ستبقى خفية، وعلى القارئ ‏أن يتحسسها؛ لأن الرواية تنشغل ‏بالظواهر فقط، ولا تغوص إلى ‏أعماق الشخصيات، أبداً. بينما قد ‏تلتقط وتسجل انعكاس بعض ‏المشاعر على حركات الوجه أو ‏الجسد أو تأثيرها في طريقة ‏الكلام. ‏
سيتضح أن جلال، الذي يعمل ‏صحفياً مراسلاً لجريدة بغدادية، ‏منتمٍ إلى منظمة سرية عريقة. ‏تعمل للحفاظ على الإرث الثقافي ‏والتاريخي لمدينة الموصل. ‏فأعضاؤها يقومون بكتابة تقارير ‏يومية تؤرخ لحياة المدينة، منذ ‏تأسيس المنظمة قبل قرون. وبعد ‏ذلك يتبين أن المنظمة ممتدة على ‏اتساع العراق.‏
‏ يجتهد “جلال” ومن خلفه ‏المؤلف، لإقناعنا ـ بواقعيتهما ‏المعهودة ـ أن وجود هذه المنظمة ‏السرية أمر طبيعي. لكن ما نراه ‏أن وجودها يبدو مقحماً على ‏الواقع العراقي، وقد أحدث شرخاً ‏في هوية الرواية وانتمائها، إن لم ‏يمثل طعنة في خاصرتها. والذي ‏يعزز ما نذهب إليه تسمية ‏المنظمة “الدومنيكوس” وهي ‏تسمية ليست عراقية كما هو ‏واضح، وكأننا ـ في هذا المفصل ـ ‏نقرأ رواية بوليسية أوروبية. ‏
الخيانة في هذه الرواية يجري ‏الحديث عنها بطريقة اعتيادية ‏جداً، بلا ضجيج أو إثارة ‏للمشاعر. فالبطل على امتداد ‏الرواية يخون زوجته مع زميلته، ‏شريكته في مشاريعه الجنونية، ‏دون أن يأسف لهذه الخيانة أبداً. ‏يعيش حياتين تبدوان طبيعيتين ‏جداً، في البيت هو زوج اعتيادي، ‏تشغله زيارات الأمريكان، ويجتهد ‏في الدفاع عن زوجته وأولاده ‏وأثاث منزله،  من دون أن يفقد ‏برودة أعصابه الغريبة. أما في ‏الخارج فهو الصحفي المغامر ‏الذي يريد إنقاذ مدينته، بصحبة ‏تلك المرأة. وهذه الظاهرة تشير ‏إلى ازدواجية الشخصية أو ‏فصاميتها، كما لو انه يمتلك ‏قلبين، فلا صراع داخلي ولا ‏تأنيب ضمير حيال تلك المرأة ‏القابعة مع أولاده. كما لو أنه ‏رجلٌ بقناعين، رب أسرة وديع ‏في البيت، “راسخ المتانة مثل ‏أثاث صالة الاستقبال”، ومفعم ‏بالمغامرات خارجه.‏
الرواية  بشكل عام انقسمت إلى ‏ثلاثة مستويات أو شرائح سردية ‏مهمة: ‏
‏1. حكاية الأمريكان، وغزواتهم ‏المتتابعة لبيت جلال، تحت ‏مبررات متعددة، مجهولة في ‏البداية، لكن يظهر في النهاية ‏أنها من أجل الاستيلاء على قلادة ‏الملكة “شمشو”، التي سرقها ‏‏”كمال” أخو “جلال” من مقبرة ‏عثر عليها أثناء العمل في القصر ‏الرئاسي، حيث كان يعمل كعنصر ‏أمني وخبير آثاري، وقد أعطاها ‏لجلال قبل مغادرته البلد إلى ‏أوروبا.‏
‏2. قصة القلادة الأثرية، العائدة ‏لإحدى ملكات نينوى القديمة ‏واسمها “شمشو” والمشكوك في ‏حقيقة تأريخها، حيث حيكت ‏حولها الكثير من الفرضيات. ‏
‏3. قصة المنظمة السرية ‏‏”الدومنيكوس” التي يتلقى ‏‏”جلال” من زعيمها الدعم لإعادة ‏الحياة وبث الروح في بعض ‏الرموز التي تمثل الحياة الثقافية ‏في مدينة مستباحة من قبل ‏الجماعات الإرهابية المتطرفة. ‏يعمل، بمعونة بعض أصدقائه ‏المجازفين والمجانين، على إحياء ‏وافتتاح سينما “الاندلس” ومكتبة ‏‏”بانيبال” وقصر “بني”، متحدياً ‏الموت الذي يخطئه ليطال عامل ‏المكتبة التي يتم حرقها بعد ‏افتتاحها، ويخطئ ايضاً عامل ‏السينما التي يجري إطلاق النار ‏عليها من الخارج. كما يجتهد ـ ‏جلال ـ في النبش عن مصير ‏وثائق نقلتها القوات الأمريكية ‏من مكتبة أوقاف الموصل إلى ‏جهة مجهولة، أعادت نصفها ‏واحتفظت بالنصف الأثمن منها، ‏الذي يخص التاريخ اليهودي في ‏المدينة، بحجة إكمال عمليات ‏الصيانة لها.‏
هذه المستويات الحكائية تلتقي ‏في ثيمة واحدة هي إنقاذ ‏الموروث من براثن الاحتلال ‏والإرهاب، لأن الواقع، الذي ‏سجلته الوثائق التي تضمنتها ‏التقارير خلال العقود الأخيرة، ‏وهي عمر المنظمة، لا يحمل إلا: ‏‏” الخيبة، لا شيء سوى الخيبة، ‏والسير في الفراغ الأعمى”. ‏فالرواية، إذن تدعو للهرب من ‏ظلامية الواقع والمعيش وفراغه ‏إلى ثراء التراث وغناه. ‏
ما يلفت، في سياق تمثيل الأفكار ‏روائياً، ما أسمته الرواية بـ ‏‏”أمراض الحروب” وهي تلك ‏الآثار النفسية والاجتماعية التي ‏تخلفها الحروب على المجتمعات. ‏وقد تجسدت في ما عرضته من ‏أوصاف عامة للحالة الاجتماعية ‏السائدة، وما أصاب الناس من ‏فقر معرفي ونكوص نحو أقبية ‏الجهل المظلمة. لكن الرواية ‏تنتظر تلك اللحظة التي يستفيق ‏فيها الناس ليدركوا أهمية إثراء ‏الجوانب الثقافية في حياتهم. تلك ‏اللحظة التي تنبثق فرحاً غامراً ‏في نفس البطل عندما يجتمع ‏مجموعة من الطلبة الجامعيين ‏أمام بوابة السينما مسهمين في ‏حمايتها من رصاصات المسلحين ‏الذين لا يريدون سماع جرسها ‏يقرع مرة أخرى. الفرحة بهؤلاء ‏الشباب، الذين سيتضح أنهم قد ‏أسسوا نادياً للسينما، ستنقلب إلى ‏ذهول بنبأ حرق منزل رئيس ‏المنظمة، المكان الذي يعمل فيه ‏على نشر الوثائق، من دون أن ‏نعرف على وجه اليقين هل نجت ‏الوثائق؟ رغم وجود تأكيد بأنها ‏نجت وطبعت.. كما لم نتبين ‏المصير الذي لقيه جلال ‏وأصدقاؤه فعلاً؟ إلا أن صدى ‏أحلامهم سيبقى يتردد في خاتمة ‏الرواية، كما هو في الحياة
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: