مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

حوارمع الشاعر والكاتب الايراني أحمد رضا أحمدي

حوارمع الشاعر والكاتب الايراني أحمد رضا أحمدي
 
حاورته آزاده میرشکاك  
ولد الشاعر والكاتب الايراني أحمد رضا أحمدي في مدينة كرمان عام 1940م. وكان منجزه الشعري انطلاقة لأحد التيارات المهمة في الشعر الايراني الحر(النيمائي) أطلق عليه عنوان (الموجة الجديدة) وكانت السمة البنيوية البارزة لهذا التيار الشعري ميوله نحو النثر وتحرره من كل أشكال الوزن والموسيقى الشعرية.
أصدر أحمدي مجاميع شعرية كثيرة منها: المشروع، الصحيفة الزجاجية، وقت طيب للمصائب، لم أبكِ سوى بياض الفرس، بقيت ألف درجة حتى البحر، القافية تضيع في الرياح، بقعة من العمر كانت على الحائط، أترك حطام القلب للريح، من نظرتك تحت سماء اللازورد، و….
كما ألّف أحمدي العديد من الكتب للأطفال يمكن من بينها الاشارة الى : لدي كلام لا يصدقه إلا انتم الأطفال، كتبت: المطر ، هطل المطر، وجدت الأرنب الأبيض في الربيع، الحوض الصغير، السمكة الصغيرة أحلامنا وأحلام جدّنا، و….
وصدرت له مذكراته اليومية بعنوان: ” صفحات النثر اليومي”.
فيما يلي حوار مجلة شيراز مع هذا الشاعر المجدد المكثر تليها ترجمة لبعض قصائده.
الأستاذأحمد رضا أحمدي، أين ومتى التقيت بالشعر أول مرة؟
نشأت في عائلة مثقفة وتعرفت منذ الطفولة على مجلات وكتب مختلفة. أتذكر أن اليساريين كان لهم مجلة بعنوان” رسول السلام” تطبع باللونين الأحمر والأسود. ربما كنت في الحادية عشرة، أو الثانية عشرة حينما كنت أقرأ مواد هذه المجلة بشغف. ذات مرة قرأت في هذه المطبوعة قصيدة لآراغون عنوانها ” عيون اليزا ” تركت فيّ بالغ الأثر. وفي ثانوية دار الفنون درست الفرع الأدبي، طبعاً لم أكن مشدوداً للأدب القديم بقوة. أحد أساتذتي كان إسمه محمد شيرواني وكان له دور كبير في توجهي نحو الكتابة. كان شجاعاً جداً ويتحدث في الصف عن الوقائع التي تلت انقلاب 28 مرداد[1] ناقداً نظام الحكم. كان يشجعني على مواد الانشاء التي كنت أكتبها.
في سنة 1956م توفي العلامة دهخدا [2] وكنت حينها في الصف الثامن. طلب مني السيد شيرواني أن أكتب إنشاء عن دهخدا، فكتبت وأعجبته الكتابة وأخذني للصف الـ 12 الأدبي فقرأت إنشائي للطلاب هناك.
بيد أن حظي الأوفى كان في تعرفي على فريدون رهنما [3] الذي كان يعيش في باريس وكان قد عاد تواً الى ايران. فكان يتكلم الفرنسية بطلاقة وعلى اطلاع واسع بالأدب الغربي الى درجة أنه كان ينظم الشعر بالفرنسية. حتى إن مجموعته الشعرية الأولى التي أصدرها في باريس كانت بتقديم ” بول إلوار “. لم يكن قد أثر فيّ وحسب، بل وفي فروغ [4]، وشاملو[5] وغيرهما.
فإن شاملو كان قد قال في إحدى المناسبات إن منزل رهنما كان موطن الأمل، وخارجه كان مكان اليأس واستماع الإهانات.
إذن، إنك تعتبر اتجاهك للشعر نتيجة لتعرفك على فريدون رهنما ً؟
نعم، الجزء الأكبر من السبب يعود لتأثيراته عليّ، ربما صادفتم بعض الرسامين حين يسألونهم: منذ متى تفتحت ميولك للرسم؟ فيجيبون: منذ الطفولة حيث كنا نرسم بالفحم على الجدران وما الى ذلك. المسألة بالنسبة لي لم تكن من هذا القبيل. الواقع أنني خضت في عالم الشعر متأخراً جداً بالقياس الى كثير من الشعراء، حيث بدأت من نحو الثامنة عشرة، أو التاسعة عشرة من العمر، لكنني سرعان ما بادرت لنشر قصائدي، وكما تعلمون أصدرت مجموعتي الشعرية الأولى بعنوان ” المشروع ” ولي من العمر عشرون سنة.
الى أي درجة كنت على معرفة بالأدب الفارسي الكلاسيكي في تلك السن؟
قرأت الأدب الفارسي الكلاسيكي وأقرأه دائماً ولكن للاستمتاع وحسب، وليس من أجل أن يترك تأثيره فيّ.
أي الشعراء والكتاب القدماء استمتعت بأعماله أكثر؟
اعتبر سعدي الشيرازي النموذج البارز للشعراء الايرانيين، لأني اعتقد أن الشاعر المميز هو من يكون له نثر متين نافذ الى جانب شعره. لذلك أحببت سعدي الشيرازي من بين الشعراء الايرانيين أكثر، وأنا معجب بكتابيه ” بوستان” و ” كلستان”، وغزلياته المحيرة. كذلك أحبّ حافظ الشيرازي حباً جماً، وعمر الخيام أيضاً. ومن بين الكتاب القدامى أفضل البيهقي وقلمه. وكان نيما [6] شاعراً له نثر جميل جداً، وأنا أيضاً دون مجاملة أكتب نثراً جيداً. الشاعر الذي لا يستطيع كتابة نثر جيد يعاني من خلل ما على كل حال.
كيف بدأت مشوارك الشعري؟
ربما كان نتيجة حظيّ أو ذكائي أنني تركت الاوزان منذ البداية. تركي للأوزان وميلي المطلق للأوزنية في الشعر كان نقطة البداية في مشواري الشعري. الكثير من شعرائنا لم يستطيعوا التحرر من قيود الأوزان. وكان حظي هو أنني لم أرتدِ هذا الدرع منذ البداية، وتقدمت عرياناً منه.
في رسائلها اليك، توصيك فروغ فرخ زاد بترك الشعر غير الموزون، أليس كذلك؟
نعم، كانت فروغ توصيني دوماً بعدم ترك الأوزان. لكن الطريف أنها أيضاً اتجهت في أعمالها الأخيرة نحو اللاوزن، بل وانتهى سهراب سبهري أيضاً لهذه النتيجة. أنا طبعاً لم أكن يوماً صاحب السلطة على أحد، وحاولت في الوقت نفسه أن أكون مستقلاً حتى في ارتداء ثيابي. لا أدري هل كان سلوكي هذا صائباً، أم خاطئاً. لكنني اعتقد على كل حال أنه سبيل اخترته ولم يكن هذا بالعمل السهل. منذ البدء أحببتُ أن أنطلق في مسيرتي من طريق وعر. فكان طريق الشعر الفارسي الكلاسيكي طريقاً اسفلتياً مبلطاً ولم تكن بي رغبة للسير فيه. مارستُ الاكتشاف خطوة خطوة. ولا أزال وأنا في التاسعة والستين من العمر أمارس الحركة والاكتشاف.
حينما أصدرت مجموعتك الشعرية الأولى هل كنت تفكر في خلق تيار وأسلوب جديد؟
لم أفكر بإيجاد تيار جديد. كنت أركز على أن اكون مستقلاً ولا أقلد أحداً. والآن أيضاً، حيثما شعرتُ أن عملي يشبه عمل غيري أرميه جانباً وأهمله. لقد قلتُ دوماً إن الشئ الذي يتحول الى مدرسة في العالم هو ما يتحدث فيه مبدعه من نفسه وحسب، ويقلّد نفسه فقط.
لكن مشاريعك كانت على كل حال بداية تيار جديد في الشعر النيمائي عرف بإسم ” الموجة الجديدة ” من الذي اختار هذا العنوان لشعرك أول مرة؟
أظنه فريدون رهنما أو داريوش آشوري [7] ثم استخدم الآخرون هذا المصطلح بعد ذلك. على كل حال كان شعري مختلفاً عن الشعر الايراني الكلاسيكي، وأيضاً عن أعمال نيما يوشيج والشعراء المجددين، وكان يتطلب عنواناً جديداً  بطبيعة الحال.
اذكر لنا بعض مواطن الاختلاف هذه إن أمكن.
القضية الأهم كما ذكرت هي قضية الوزن، وحتى الموسيقى الداخلية، وكذلك القافية التي استبعدت تماماً في شعري وأشعار الذين انتهجوا هذا السبيل من بعدي. القضية الثانية هي ان شعري كان يحتوي في بداياته ضرباً من الغموض والتعقيد، لكنه اتجه بعد ذلك صوب البساطة، سواء من حيث اللغة، أو من حيث المضمون. بدأ شاملو عمله بلغة بسيطة وجديدة، ثم تعقدت لغته الشعرية أكثر، بمرور الزمن. لكنني كنت على العكس منه فقد شرعت من نوع من التصوير والغموض والتعقيد إلا أنني نزعت تدريجياً نحو البساطة. العنصر المهم الآخر هو نمط نظرتي للعالم من حولي. هذه النظرة كانت نظرتي أنا فقط . لم استعرها من أحد، وهي كوجهي لا يمكن تقليدها. لا أدري كيف أعبّر عن هذه الفكرة ” الزجاجة التي بين عيني والعالم صقلتها وصقلتها الى حد أنها تكاد أن تتحد بالعالم الخارجي، وهذه بالطبع عملية صعبة.
” الموجة الجديدة ” اذا أمكن اعتبارها موجة كانت في الواقع نتيجة جهدي أنا على صعيد عدم التقليد فحسب. والذين يحاولون تقليدي لم يدركوا في الحقيقة سوى ظاهر الأمر، لأن انعدام الوزن هو جانب واحد فقط من تجربتي الشعرية، أضف الى ذلك نظراتي الخاصة التي لا يمكن تقليدها.
لم أفكر بابتداع مدرسة شعرية، ولكن بعد صدور مجاميعي الشعرية راح البعض يصدرون بيانات ويضعون قواعد لهذا الشعر، ولم يحالفهم النجاح طبعاً. اعتقد أنه لا يمكن ولا يجب نحت شروط ونظريات للشعر. إذا كان لدى أحد ما يقوله فسيقوله من دون التفكير في نظريات وكليشات وأطر. لم أكن عضواً في أية جماعة بل إنني أتوجس من التجمعات أساساً، وأفضل دوماً العمل بنحو فردي. علمتني الحياة أن أضخّم توحدي أكثر فأكثر.
ما الذي يعتبر ميزة أهم في أعمالك؟
من العناصر المهمة جداً في أعمالي هو أنني لم أكذب أبداً. الكثير من شعرائنا القدماء نظموا قصائدهم لحبيبات خياليات مفترضات ، بل والكثير من أتباع نيما فعلوا الشيء نفسه. كل ما قلته في شعري كان نتيجة مباشرة لتجاربي الحياتية العينية والحقيقية. لم أخف أحداً ولا شيئاً. في عملي الأخير مثلاً، ذكرت امرأة كنت أحبها يوماً ما. امرأة اسمها ” مهشيد ” تعيش الآن في فرنسا.
في السادسة عشرة من عمري أغرمت لأول مرة بفتاة روسية. هناك بصمات للمرأة في كل أعمالي. في كتابي الأخير بعنوان ” قصائد وذكريات الدفاتر الغامقة ” ذكرت، بإذن من زوجتي طبعاً، أسماء جميع تجارب الحب القديمة، والنساء اللواتي كان لهن تأثير في حياتي بشكل أو بآخر. أعتقد أنه لو أيّد العالم كله رجلاً فلن يكون لذلك فائدة مالم تعشقه امرأة وتؤيده.
حينما تؤيد امرأة رجلاً، عندئذ سيكون ذلك الرجل موجوداً….
ولا أطلق كلاماً أسطورياً من قبيل : النساء أمهات الأرض و … الخ.
وفي الحقيقة، إنَّ النساء هنّ اللواتي حركنني في طريقي، وإنَّ وصولي الى ما أنا عليه ما هو إلا ثمرة وجودهن ودورهن في حياتي. من النساء اللاتي تركن أثراً عميقاً في حياتي هي أمي .. والآن زوجتي وابنتي هما اللتان يحضاني على العمل والانتاج.
هل تنقح وتشذّب قصائدك وكتاباتك بعد الفراغ منها؟
نعم، بالطبع، منحني الله صفة أستطيع بواسطتها تشخيص الجوانب المضحكة والتافهة في كل شئ أنظر اليه. وهذه الصفة ساعدتني كثيراً في أعمالي، حينما أنهي القصيدة وأعيد قراءتها استطيع بكل سهولة تشخيص الأجزاء التي قد يستضعفها الآخرون فأشطبها.
ما هي برأيك رسالة الشعر وتعريفه؟
أعتقد أنه لا يتسنى تعريف الشعر، وربما لا أمتلك أنا تعريفاً دقيقاً له. ربما استطيع القول إن الشعر اكتشاف أشياء غير مرئية يراها الشاعر ولا يراها الآخرون. والشاعر هنا طبعاً هو الشاعر الأصيل الخالص. الشعر ترجمته رؤيا بلغة دارجة يفهمها الجميع.
الشاعر أحمد رضا أحمدي لم تكن له يوما ما ميول إيدولوجية أو سياسية … لماذا؟
أعتقد أن الشعراء المتوسطين هم الذين يخوضون عادةً  في قضايا الايديولوجية والشعارات من أجل اختطاف اضواء اكثر. الذي يكون لديه ما يقوله لن يستعين بالسياسة. شاعر مثل أحمد شاملو حينما يتحدث عن حالة إنسانية كالحب يكون تأثيره وبقاءه أكبر مما لو تحدث عن السياسة. لماذا خلد شخص مثل شكسبير؟ لأنه تناول المشاعر والعواطف الانسانية المشتركة ولم يخض في موضوعات يومية لها تاريخ استهلاك. الأساس هو أن يكون للشاعر ألم يفصح عنه. ربما كانت هذه احدى رسالات الشعر، حيث ينبغي أن يكون الشعر أداة للتعبير عن الألم أيضاً.
أنت تعارض أدلجة الشعر وتتحدث من ناحية أخرى عن الشاعر صاحب الألم والهموم. الشعراء الإيديولوجيون أيضاً يدعون أنهم يطرحون آلاماً وهموماً في نتاجاتهم. ما هو الفرق بين الألم الذي تتحدث عنه وبين ما يتحدث عنه هؤلاء الشعراء؟
الألم قضية شخصية، بينما الايديولوجيا قضية تصنعها وتبلورها الجماعة. إنني لا أستسيغ حتى أعمال شاعر كبير مثل نيرودا. لا أستطيع تصديق كلامه. الذين يعيشون منتهى الترف والراحة ويتحدثون في قصائدهم عن الجوع والألم الانساني، يكذبون.
إنني أتحدث عن آلام وهموم شخصية يمكن لأي شخص مواجهتها. مثل هذا الألم مع أنه منبثق من داخل الشاعر لكنه ألم عام.
في الأعوام الأخيرة تضاعف الاقبال على شعري، وشعر سهراب، وشعر بيجن جلالي، والسبب هو أنه شعرنا نحن الثلاثة لم يكن مؤدلجاً طبعاً ولن يكون. يجب أن لا ننسى أن لكل إنسان تجربته وتصوراته الخاصة عن الآلام والعواطف الانسانية، وهذا ما يجعل أسلوب كل شاعر وفنان مختلفاً عن أساليب الآخرين.
يذكر الشاعر عنوان ألمه للمتلقين، وربما رشَّ بشعره الماء في وجوه الناس ليوقضهم من غفوتهم.
ليس بالضرورة أن يعلّم الشاعر الناس حمل البنادق ، إنما يستطيع أن يريهم الحب فيقول لهم: هذا هو الحب الذي يمرّ قربكم بهدوء وأنتم لا ترونه. الشعر دعوة وإعطاء عنوان… دعوة الى ما رآه الشاعر وأدركه، بينما رآه الآخرون ولم يدركوه، ومرّوا عليه مرّ الكرام.
مقدار الآثار المنشورة لك ملفت للنظر جداً . ما هو السبب الرئيس لإكثارك؟
لن أناقش هنا موضوع النوعية والجودة، لكنني من الناحية الكمية أصدرت لحد الآن نحو 4000 صفحة من الشعر ، وقرابة 30 كتاباً للأطفال. ولهذا أسباب عدة. الأول أنني لم أتعرض وخلافاً لأبناء جيلي لليأس والخيبة من انقلاب 28 مرداد الذي استمر لعقدين من الزمن، ولم أدخل مثل هذه الألاعيب أبداً. النقطة الأخرى تتعلق بانضباطي في العمل، الكثيرون يقولون لي أنني مكثر، لكنني أعتقد أن الآخرين كسالى وأعمالهم غير منظمة.
السبب المهم الآخر أنني منذ فترة زمنية معينة فيما بعد – تحديداً بعد صدور : بقى ألف درجة حتى البحر – لم أعد انتظر ملاك الإلهام، إنما أنهض من النوم صباحاً بكل جدّ وأتناول فطوري وأرتدي ثياباً نظيفة وأتعطّر بالقولونية وأبدأ الكتابة. ومردّ ذلك الى أن قصائد هذه المجموعة الشعرية هي في الواقع رسائل كتبتها لأمرأة. كنت أكتب الرسالة صباحاً وأعطيها لها عصرا، ، وأكتب رسالة أخرى صباح اليوم التالي. وأخيراً تلطفت تلك المرأة وأعادت لي النسخ الأصلية لما كتبته فأضفت لها قصيدة، أو اثنتين وأصدرت الرسائل تحت عنوان ” بقيت ألف درجة حتى البحر ” . والوجه في تسمية المجموعة نقطة طريفة أذكرها لكم. الواقع أنه من بعد هذه المجموعة أصبح إنشاء الشعر ممارسة إرادية بالنسبة لي.
كلامك هذا يذكرني بنزار قباني. حينما سألوه: كيف تنظم الشعر، قال في الجواب: أنهض من النوم في الصباح الباكر واستحم، وأرتدي ثياباً أنيقة وربطة عنق، وأجلس خلف المنضدة وأكتب شعراً بالحبر الملون على أوراق ملونة. كنتَ تتحدث عن وجه تسمية: بقيت ألف درجة حتى البحر.
نعم، نحو سنة 71 أو 72 م ذهبت مع أحد أصدقائي الى لبنان للنزهة والسياحة، الطريق بين مطار بيروت والفندق كان مغطى بالطفّال الأحمر وأشجار الصنوبر مما خلق منظراً رائعاً لا ينسى. رأيت المضادات الجوية لأول مرة في مطار بيروت. كانت الحرب الداخلية اللبنانية قد اشتعلت لتوها.
ذات ليلة خرجت من الفندق وأخذت أتمشى. دخلت زقاقاً مدرجاً فنزلت الدرجات ونزلت الى أن وصلت البحر وهكذا ولدت قصيدة: بقيت ألف درجة حتى البحر.
يُعد شعر الستينات أفضل حقب الشعر الحر النيمائي في ايران. بعد مضي اربعين عاما على ذلك العهد، ما نظرتك الآن لشعر الستينات وكيف تنظر لأعمال الشعراء الكبار بعد نيما مثل: شاملو وأخوان وسهراب وفروغ؟
هؤلاء الأربعة كانوا في سنّ واحدة تقريباً، باستثناء فروغ التي كانت أقل سناً من الآخرين. على كل حال، لأن هؤلاء من جيل واحد وبدأوا مشاويرهم سوية، فقد نموا وتطوروا سوية وبلغوا الذروة سوية رغم أن كل واحد منهم انتهى للغة شعرية خاصة. شخصيات نظير نيما وصادق هدايت [8] ثمار مباشرة لثورة الدستور [9] . لكن هؤلاء الأربعة ومنجزاتهم الشعرية ثمار مباشرة لحقبة ما بعد انقلاب 28 مرداد رغم كل مراراته وصعوباته التي أعقبته أفرز أشعاراً فذة مثل ” الشتاء” لأخوان ثالث:
لا يريدون الردّ على سلامك
الرؤوس في الياقات
لن يخرج أحد رأسه لردّ سؤالٍ أو زيارة أصدقاء
فالبرد لاذع جداً
حين تنبعث الأنفاس من أتون الصدور
تنقلب غيوماً سوداء
فتستقيم أمام عينيك وكأنها جدار
فإن كان النَفَس هكذا
فما الذي تنتظره إذن
من عيون أصدقائك البعيدين، أو القريبين ..؟
أو قصيدة (السنة الرديئة) لشاملو:
السنة الرديئة ..
سنة الريح ..
سنة الدموع ..
سنة الشكوك ..
سنة الأيام الطويلة والصبر القليل
السنة التي استجدى فيها الكبرياء..
بعد الحرب العالمية الثانية تشكلت تيارات وتكثفت في نفوس الفنانين عقد تحررت مع بداية الستينات وبلغ الشعر الحر النيمائي ذروته.
أعمال أيٍّ من شعراء الجيل الأول للشعر النيمائي تعتبرها خيراً وأبقى ؟
لا يمكن إصدار حكم صريح في هذا الشأن. هذه مسالة سيجيب عنها مضي الزمن. لكن ذوقي الشخصي يميل لشعر فروغ.
الرسائل التي كتبتها فروغ لك تحمل لهجة ودية جداً، وهي طبعاً ذات طابع  وعظي في بعض الأحيان. ما هو رأيك في فروغ وشعرها ؟
فروغ الانسان الأول الذي وقّع جواز سفري الأدبي. أوصتني إخوانياً توصياتٍ أكيدة بأن لا أترك الوزن . لم تكن حسودة ولا تافهة. لم تكن تخشى مباركة الأعمال الجديدة أبداً. لقد وضعت شعري وبكل شجاعة وأنا شاب مبتدئ الى جانب شعر أدباء مثل نيما وشاملو. ربما لو لم تعاجلها المنية لشهدنا لها أعمالاً متألقة كثيرة. فضلاً عن شعرها، فقد تركت تأثيراً عميقاً على السينما الايرانية بإخراجها فيلم ” البيت أسود” [10]. عاشت فروغ كثيراً بالقياس لعمرها القصير. كانت حياتها لافتة للنظر وهذه الحياة اللافتة للنظر جعلت شعرها مقبولاً ومهماً لدى الآخرين.
باستثناء فروغ، لا يستسيغ أبناء جيلك شعركَ، والواقع أن شعرك اشتهر بنحو ملموس بعد الثورة. ما سبب ذلك؟
تدخلت في هذه القضية عدة أمور. منها أن شعري لم يكن سياسياً كما ذكرت، وربما لم يكن المتلقي ليرتاح لمثل هذا الشعر في المناخ السياسي المتوتر ما قبل الثورة, ولا يراه مما يعبّر عن زمانه. والسبب الثاني هو انعدام الوزن في شعري مطلقاً وخلوه حتى من الموسيقى الداخلية مما أثار نقود الجيل الأول من الشعراء النيمائيين. هذا رغم ما أشرت اليه من أن الكثير من هؤلاء الشعراء جنحوا بعد ذلك للشعر الخالي من الأوزان. كان مهدي أخوان ثالث يعتقد أن الشعر الحر في ايران كان يقترب لتوه من الانسجام والتبلور واذا بي أغيّر مساره بشعري المنثور.
وفي الحقيقة أن الشباب هم الذين تواصلوا مع شعري، وهم ينتمون لما لا يقل عن جيلين بعد جيلي. شعري لم يكن إيدولوجيا وجيل الشباب لا يميل هو الآخر للشعر الايدولوجي. وكان توفيقهم الكبير أنهم تحرروا من كارثة اسمها الماركسية. جيل الشباب ذو نظرة واقعية جداً ويستطيع تشخيص كل شئ بدقة. أنا مدين لجيل الشباب لأنه اكتشف شعري.
ربما كنت سابقاً لعصرك بنحو ما، وجيل الشباب الآن وبعد مضي عدة عقود يجد لسان حاله في منجزك الشعري.
بالصدقة أن هذا ما قاله لي أيضاً أحد أعضاء هيئة كتب الأطفال. كان من المقرر أن تمنحني هذه الهيئة جائزة لأجل أعمالي للأطفال. قلت لهم: ما الذي ذكركم بي الآن؟ فقال لي أحد الأعضاء بكل ود: أعمالك كانت سابقة لأعمالنا، وقد فهمنا أعمالك لتونا.
كيف هي علاقتك بباقي الفنون كالموسيقى والسينما و…؟
الموسيقى جزء من حياتي. أبدأ عملي كل يوم بالموسيقى. وحول السينما يجب أن أقول إنني أتحسر كثيراً علی الماضين الذين رحلوا قبل أن يشهدوا فن السينما . أعتقد أن حياة الانسانية وتاريخها تنقسمان الى فترتين: ما قبل السينما ومابعدها. الشاعر يجب أن لا يفصل نفسه عن باقي الفنون. وهو لايستطيع ذلك أساساً.
حدثنا عن كتب الأطفال. كيف تستطيع الكتابة للمتلقين الكبار وكذلك للصغار؟
هلاّ لاحظتم أنّ للعازفين المحترفين آلة رئيسة وآلة ثانية، ربما كانت الكتابة للأطفال آلتي الموسيقية الثانية.
وربما الأولى، لأن قدراً ملحوظاً من أعمالك يختص بأدب الأطفال.
 [ضاحكاً]: ربما كان هذا فعلي على كل حال فإن الشخص الذي أخذ بيدي الى درب أدب الأطفال هو نادر ابراهيمي [11] .
ما الأثر الذي تركته الثورة الاسلامية والحرب المفروضة على شعرك؟
اعتقد أن الثورة الاسلامية غربلت الشعر، فبقيت الاجسام الكبيرة المميزة وسقطت الحبات الصغيرة. الفن عندنا كان فناً رمزياً قبل الثورة، خصوصاً الشعر والمسرح. والثورة حررت الفن من الرمزية التي كان يرسف في أغلالها. تركت الثورة والحرب تأثيراً عجيباً على أعمالي. كان بوسع هذين الحدثين أن يدفعاني نحو الخمود لكنهما بدل ذلك منحاني وعياً جعلني أحدق وأنظر وأرى. كثيراً ما قلت مازحاً إننا شباب ذلك الزمن حينما نسمع صوت بوق سيارة نقفز من مكاننا مذعورين، لكن الثورة أيقظتنا من غفوتنا. ربما كانت الثورة والحرب من العوامل المهمة التي أخذت شعري صوب البساطة. إشاراتي للموت تضاعفت كثيراً في شعري بعد الثورة وأخال أن الحرب من الاسباب المهمة لذلك. في سنوات الحرب أدركت كم أنا أحب وطني.
ما هو رأيك في شعر العقود الثلاثة الأخيرة ؟
يروقني شعر سلمان هراتي [12] كثيراً، للأسف اختطفه منا الموت مبكراً جداً. ثمة غليان عجيب في شعره. كما تعجبني أعمال قيصر أمين بور[13] . لقد جمع بين الشاعرية والثقافة الأدبية الواسعة. على كل حال لا يتوقف الشعر على أعمالي وأعمال ابناء جيلي. التاريخ يسير والشعر يسير تبعاً له. الشباب يواصلون أعمالهم من بعدنا،  وكل ما أتمناه أن ينقلوا تجاربهم هم على الورق، ولا تجاربي أنا، أو الآخرين. قراءة الكتب لوحدها لا تعينهم بشئ. عليهم التجريب بأنفسهم ؛ يجب أن يسقطوا وينهضوا مرة أخرى، ويجب أن لا يفقدوا أبداً استغرابهم وحيرتهم حيال العالم. أنا شخصياً حاولت دوماً أن أصقل روحي ولا أسمح لغبار الحقارة والحماقة أن تربض عليها. من أجل الكينونة والكينونة المتواصلة لابد من التجديد والتجدد.
زيادة إشاراتك للموت بعد الحرب هل كانت بتأثير من الحرب وحسب ؟ ما هو تعريفك للموت؟ هل تخافه ؟
بالاضافة للحرب كان هناك سبب آخر هو الامراض التي عانيتها فغيّرت نظرتي للدنيا الى حدٍ ما . مع أني إنسان دقيق في مواعيدي جداً إلا أنني تخلفت عن موعدي مع الموت مرتين لحد الآن.
هل رأيتم رجال الشرطة الذين يقيدون معاصمهم بمعاصم المجرمين ويأخذونهم معهم أينما ذهبوا ؟ الموت أشبه بهذا الشرطي وأنا أشعر بقيده على معصمي دوماً. أحياناً يصير لا مرئياً للغاية. وتارة مرئياً جداً. على كل حال، لستُ خائفاً من الموت. المرة الاولى التي أصبت فيها بسكتة قلبية بقيت 48 ساعة في حالة الإغماء. وحينما عدتُ الى وعيي استنتجتُ على أساس تجربتي الناقصة للموت أن الموت نفسه يمكن أن لا يكون شيئاً سيئاً مخيفاً.
حدثنا عن أعمالك الجديدة .. عن كتبك رهن التأليف.
لا أفكر أبداً بحقوق التأليف. أرغب دوماً أن يطبع كتابي ويصدر بأسرع ما يمكن، وحينما أنهي تصحيح كتاب من كتبي أنتقل للعمل اللاحق. والآن بعد ” القصائد والدفاتر الغامقة ” بدأت عملاً جديداً بعنوان ” الضيف ” . وأنفق جزءاً من طاقتي في العمل للأطفال. لدي حالياً عشرة كتب للأطفال تحت الطبع، وفي الشهر الذي انقضى أعددتُ ستة كتب للأطفال. أنا أكتب دوماً، وإذا لم يكن لدي موضوع للكتابة، أكتب الرسائل. لا أريد لعادة الكتابة أن تفارقني !
[1] الانقلاب الذي قام به محمد رضا بهلوي بمساعدة أميركية في 28 مرداد 1332 (1953م) ضد رئيس وزراء ايران آنذاك الدكتور محمد مصدق وحكومته الوطنية.
[2] العلامة علي أكبر دهخدا المولود سنة 1297هـ، ومؤلف أضخم قاموس فارسي- فارسي بإسم [لغتنامه دهخدا]. كان شاعراً وصحفياً وكاتباً ساخراً، توفي سنة 1955م.
[3] فريدون رهنما، شاعر ايراني (1930- 1975م).
[4] فروغ فرخ زاد، شاعرة ايرانية (1934- 1966م).
[5] أحمد شاملو، شاعر ومترجم وباحث أدبي ايراني ( 1925- 2000م).
[6] نيما يوشيج (علي اسفندياري)، رائد الشعر الحر في ايران.
[7] داريوش آشوري، كاتب ومترجم وعالم لغة ولد سنة 1938م.
[8] صادق هدايت، كاتب ومترجم وباحث ومن أكثر القصصين الايرانيين تأثيراً. عمله الأشهر (البوم العمياء).
[9] ثورة الدستور مجموعة جهود وأحداث وقعت خلال عهد مظفرالدين شاه القاجاري ثم في عهد محمد علي شاه القاجاري من أجل تغيير الحكومة الملكية الاستبدادية الى حكومة دستورية، وقد أفضت لتشكيل أول مجلس شورى وطني في اكتوبر عام 1906م. والمصادقة على أول دستور ايراني.
[10] ” البيت أسود ” فيلم وثائقي عن دار المصابين بالجذام أخرجته الشاعرة الايرانية فروغ فرخ زاد.
[11] نادر ابراهيمي، كاتب وقاص ومترجم ايراني (1936- 2008م).
[12] سلمان هراتي، شاعر (1959- 1986م).
[13] قيصر أمين بور، شاعر واستاذ للأدب الفارسي، (1959- 2007م).
قصائد لأحمد رضا أحمدي
شتاء
الشتاءات التي جففتها
ونشرتها على الجدار
وظهور البحر والحزن والصوت
الغيمة والضائقة والأغصان في الريح
الشكسته (= المكسورة) منها و النستعليق
تلعب بالروح وتحزنها
في إختلاف حرارة الصيف والقمح
التجأ الى الغرفة
أترك جبيني لتنور دافئ
الخبز الساخن
يصبح ضحية سلامنا مع الشتاء
نحن
نشيب في رؤية الخبز الساخن
والحديقة تصنع من حزننا وروداً
قرب الحديقة
ننظر
ولكن لا حول لنا
أن نقطف الورود
من أغصانها
ونضعها في المزهريات
لأن جبيننا شفيف
ويغرق على سطح الماء
والأرض
تعرف مدى إرتفاع المياه
وتلتزم الصمت
ونحن كذلك.
من
أخرج من الخزانة غيمةً
أسألها عن اسمها
لا تجيب
فالطيور خسرت أرواحها
في ضوء الخريف
لكنها لا تدري.
حبيبتي
إستيقظي من سباتك
فعلينا أن نحيي الليل كله
معطوباً وبطيئاً
أسأل عن عكازي
يالها من أيام
كنتُ أركض في مزارع القمح
الأكثر جمالاً
أجمل عبارة لك
أنكِ لن تعودين أبداً
وأنا وليد عبارتك
في الغبار.
أعرفُ
أن العناء في البيت
ليكن في نهاية الأدراج
ووحدتي
هي الوحيدة التي تشكرني
في المطر
لأنني سأبقى الى الصباح حياً
لم
بقيت طوال الاسبوع
ملازماً بيتي
مع مجذافٍ مكسور
كان البيت صغيراً
وفي خلواته
من بين كل العادات
والقسم بالبينات
ناديتك أنتِ
أجمل عبارة لك
هي أنكِ
لن تعودين أبداً.
من ذلك
آتٍ أنا
من ذلك الكوكب
حيث حقيقة الحبِّ
كان صقيعاً وذاب
أخبروني
هل يتسنى لي
أن أتلفظ الزرع
ثانيةً وثالثةً
تحت ضوء الشمس؟
في العشية
حيث كنت أكنس الشمس
من سطح داري
وأحمل الأوراق الصيفية
الى الشتاء
أتناول عقار قلبي
في الساعة المقررة
وأترك قبلاتٍ لا تحصى
في البيت
كنت أخرج للشارع
وأسأل العابرين
عن ساعة العيش
لكنهم كانوا يلتزمون الصمت.
عن موقع شيراز 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: