مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

لماذا فشل المجتمع المدني العربي؟

لماذا فشل المجتمع المدني العربي؟
 
حازم خالد
صالح السنوسي: ثقافة العجز والخوف كانت وراء فشل المبادرات التي قامت من أجل تكوين منظمات مجتمع مدني مستقلة عن السلطة.
‘المجتمع المدني لا ينشأ وسط فراغ سياسي’
يستعرض كتاب “إشكالية المجتمع المدني العربي” لصالح السنوسي مفهوم “المجتمع المدني” منذ ظهوره داخل المجتمع اليوناني وارتباطه بوجود المدنية، حيث التمييز بين ما هو فردي وما هو عمومي، وحديثاً في تحديد الدور والوظيفة في البناء السياسي والاقتصادي في الدولة القومية.
وهو بهذا المعنى يقدم التجربة الغربية في صناعة المؤسسات المدنية ومنها يعالج مجموعة من المفاهيم والقضايا الأكاديمية التي تزيح الستار عن معوقات نشأة المجتمع المدني في عالمنا العربي باستعراض البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية؛ التي تعمل في إطارها منظمات المجتمع المدني فتقع بين ثقافة العجز، واسترقاق السلطة للمجتمع واحتكار للحراك الاجتماعي وبين مقايضة القوى الخارجية.
ويتناول المؤلف صالح السنوسي في الفصل الأول من الكتاب نشأة وتطور مفهوم المجتمع المدني في الغرب وذلك من خلال الإشارة إلى المبررات السياسية والمبررات الاقتصادية لنشأة المجتمع المدني في الغرب.
ويقول المؤلف “كانت المدنية هي المرجعية العليا التي يدور حولها الفكر السياسي اليوناني، منها مصدر المواطنة والانتماء، انطلاقاً منها يتم تحديد معايير المصالح، بل إن الكثير من المصطلحات والمفاهيم مشتقة من اسمها مثل “Politic” (سياسة).
ويضيف “الانشغال بالسياسة يجري على ضوئه تصنيف المجتمع المدني، فالفرد الذي يشارك في إدارة المدنية وينصب كل اهتمامه على المصلحة العامة، هو عضو في المجتمع السياسي في المدينة، أما الأفراد الذين يهتمون بمصالحهم الخاصة فقط، وبالرغم من أن مردود نشاطهم داخل أمرهم وقراهم قد يصب بشكل أو بآخر في المصلحة العامة، إلا أنهم يعتبرون أعضاء في المجتمع السياسي، وانطلاقاً من هذا التصنيف يجري إطلاق أحكام قيمة على الفئتين”.
ويرى المؤلف أن تنظيم المجتمع المدني لا يقوم على المصالح الخاصة فقط ، لأن المصالح الفردية ليست ذات قيمة متساوية، “بينما تبدو منفعة الأفراد متساوية داخل دائرة المصلحة العامة التي تمثلها الدولة، ويعبر عنها النشاط داخل المجتمع السياسي، ولذا فإن المجتمع المدني لا يوجد بموازاة المصلحة العامة أو خارج الدولة ولا بمعزل عن المجتمع السياسي”.
وينتقل المؤلف إلى الحديث عن المبررات الاقتصادية لنشأة المجتمع المدني في الغرب، فيقول “مرّ حل المجتمع الغربي بمرحلتين شكلت خلالهما عدة مفاهيم كان من بينها : مفهوم الدولة والمجتمع المدني، ورغم أن المدة الزمنية التي تفصل بين المرحلتين كبيرة إلا أن التواصل والتراكم اللذين ميزا مسيرة الثقافة والمجتمع الغربي جعلا من الزمن عنصراً إيجابياً في عملية التطور وتتمثل أولى هاتين المرحلتين في اللحظة التي بدأت فيها بنيات مجتمع القرون الوسطى في أوروبا تتحلل لخلاء الطريق أمام تشكل واقع جديد، أفضى إلى قيام المرحلة الثانية التي شهدت ميلاد الثورات الاجتماعية الكبرى في القرن الثامن عشر، والتي تعتبر الثورة الفرنسية أكبر أمثلتها”.
ويضيف المؤلف “لقد اختلف تاريخ التطور الاجتماعي العربي عن نظيره في الغرب ، ولذا فإن الفرد العربي وجد نفسه تتجاذ به ثلاث دوائر هي: العصبية بمختلف أشكالها، الدولة، ثم المجتمع المدني”.
ويورد مثالا عن العلاقة بين نشأة الدولة والعصبة، حيث يقول “قامت الدولة القطرية – في معظم حالاتها – معتمدة على البعد القبلي أو الطائفي وجرى توظيف هذه الظواهر العضوية لتكون المبرر والقاعدة التي تستند عليها هذه المؤسسة الجديدة ، فالشرعية الوحيدة التي يمكن إضفاءها على الدولة القطرية أو الكيانية، والأمن الوحيد الذي يمكن توقعه هو الانحدار إلى مزيد من التفتت الكياني والمجتمعي، والبحث عن شرعية عصبية في هذه الطائفة أو ذلك المذهب”.
وفي الفصل الثالث يتناول المؤلف منظمات المجتمع المدني الغربية بين عجز المجتمع واستبدادية السلطة وذلك من خلال ثلاثة أقسام: ثقافة العجز واسترقاق السلطة للمجتمع واحتكار السلطة للحراك الاجتماعي.
وعن ثقافة العجز يقول “لعب الموروث الثقافي الدور الأكبر في تجذير ثقافة العجز الجماعي، وذلك عن طريق تنمية روح الخلاص الفردي التي تعتبر المصل المضاد لروح الفعل الجماعي، فمكونات الثقافة الشعبية من أمثال وأقوال مأثورة وعادات هى التي تلعب الدور الأكبر في تشكيل شخصية الفرد، بحيث يصبح الجهاز المفاهيمي وأدوات وآليات الوعي والإدراك لديه، مستمرة من هذه الثقافة”.
ويضيف “لقد أنتجت هذه الثقافة إنساناً انفصامياً، وبصرف النظر عن إدراكه ووعيه وذكائه، فهو تارة فرداني مذعور يبتعد عن الدخول والمشاركة في الفصل الجماعي، وذلك عملاً بالمثل الشعبي ‘اخطئ رأسي وقص’. أي: دعني أنا وأفعل ما شئت، وتارة اجتماعي يهرع إلى غيره من المذعورين فيساهم في تشكيل ظاهرة الجماعة الخائفة المستكينة أي الجماعة، وهي في حالة قطيع مردداً المثل التالي حسب القطر الذي يعيش فيه:
– حط رأسك بين الرؤوس وادعي عليها بالقطع (مصر).
– حط رأسك بين الرؤوس ونادي يا قطاع الرؤوس (سوريا).
ويرى أن التجربة في المنطقة العربية أثبتت بأن ثقافة العجز والخوف التي تولد عنها فقد روح الفعل الجماعي، كانت وراء فشل وعدم فاعلية المبادرات التي قامت من أجل تكوين منظمات مجتمع مدني مستقلة عن المؤسسات الرسمية للسلطة.
وينتقل إلى استرقاق السلطة للمجتمع، فيقول “لقد لعب الإرث السياسي المتعلق بالسلطة الدور الأكبر في تجذر ثقافة تهميش المجتمع ، وجعله يقبع متفرجاً على المتصارعين على السلطة أمام أبواب القصور والتلاع ومعسكرات الجند ، ولسان حالهم يردد أمثلة من ثقافتهم الشعبية التي تعبر عن قبولهم بالعجز والهاشية كقولهم ‘فخار يكسر فخار’ (مثل ليبي)، و’زي الحديد يقطع بعضه’ (مثل مصري).
أما عن احتكار السلطة للحراك الاجتماعية فيقول “تحتكر السلطة العربية الحياة السياسية والاجتماعية باسم الدولة، ولهذا فهي تقوم بعملية تمييع للحركة السياسية الاجتماعية عن طريق السيطرة على كل نشاطات المجتمع، فتعمل على تأسيس بعض المنظمات التي تبدو في ظاهرها وكأنها في خدمة المجتمع، بينما هي زوائد تابعة للسلطة تتعايش على التمويل الرسمي، ولاقت هذه المنظمات تشجيع من قبل السلطة، وذلك في حدود نشاطها غير السياسي، وكان ذلك من أجل حرف الاهتمام عن الحركة السياسية التي تجتاح المنطقة ولقد زاد من قدرة السلطة على تمييع الحركة السياسية والاجتماعية”.
ويشير إلى أنه في بعض البلدان العربية تدفقت الثروة البترولية، “حيث استطاعت السلطة في هذه الدولة الريعية أن توفر الحاجات والرفاهية للمواطن، كتعويض عن حقوقه السياسية، كما استطاعت أن تؤسس أجهزة أمنية فعالة عززت من قدرتها على الضبط والسيطرة”.
ويضيف المؤلف “تميزت مرحلة الثمانينيات والتسعينيات بظاهرتين جعلتها تتميز عما سبقها من مراحل تاريخ منظمات المجتمع المدني العربي، تمثلت هاتان الظاهراتان في ظهور منظمات حقوق الإنسان على المستوى القومي لأول مرة، فقد تأسست المنظمة العربية لحقوق الإنسان في مؤتمر ‘ليماسول’ وتلتها بعد ثلاث سنوات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، وارتفاع وتيرة نشاط بعض المنظمات ودخولها في جدل سياسي مع السلطة في بعض الأقطار العربية”.
ويرى المؤلف أن الموضوعية تقتضي منا التوقف عند حقيقتين، حينما نتحدث عن هذا التطور المتعلق بنوعية المنظمات أو بنشاطها إبان تلك المرحلة، الحقيقة الأولى أن أول منظمة لحقوق الإنسان ولدت قومية وذلك في إطار البحث عن أسباب المأزق العربي الذي كان أحد تجلياته احتلال إسرائيل لأول عاصمة عربية، وبصرف النظر عن مدى فاعلية هذه المنظمة، إلا أن كان الإعلان عن تأسيس هذه المنظمة هو أول تجرؤ على واحدة من أهم محرمات الأنظمة السياسية العربية. أما الحقيقة الثانية فتتعلق بازدياد نشاط ومنظمات المجتمع المعرفي في بعض الأقطار العربية.
وفي خاتمة الكتاب، خلص المؤلف إلى أن المجتمع المدني بمعناه الذي يتجاوز جمعيات البر والإحسان إلى منظمات فاعلة سياسياً واجتماعياً وثقافياً، لا يمكن أن ينشأ في الفراغ والخواء السياسي، بل يجب أن يسبقه مناخ سياسي تعددي يخلف حراك سياسي تعددي من خلال أحزاب وتنظيمات سياسية قوية قادرة على مواجهة السلطة، “فبدون هذا الحراك لا يمكن أن يقوم مجتمع مدني بتنظيماته الفعالة إلا في وجود مناخ سياسي ديمقراطي صنعته التنظيمات السياسية التي تصارع السلطة على رقعة الحريات والديمقراطية السياسية”.(وكالة الصحافة العربية)
ميدل ايست أونلاين
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: