مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

شعرية النص الفيسبوكي

شعرية النص الفيسبوكي
 
إبراهيم اليوسف
توطئة:
مع دخول الفيسبوك، مرحلة التداول العام، عمودياً وأفقياً، في حياتنا العامة، استطاع أن يحقق جذباًلافتاًعلى صعيدعلاقة أفراد عامة الناس به، على نحوعالمي، حيث أن تسمية”شبكة التواصل الاجتماعي” باتت حقيقة، وواقعاً،لأن الفيسبوك يعدُّ نقلة كبرى في تجربة الثورة المعلوماتية، لأنه استطاع أن يربط أفراد الأسرة، كاملة، عبرخيوطه العنكبوتية الفعلية، ليكونوا فاعلين، وكيف لا؟،
حيث من السهل أن تكون لكل فرد في الأسرة صفحة”بروفايل”، فيه تفاصيل سيرته الحياتية والوظيفية كاملة، كما أنه يمكنه أن يبدي رأيه،في كل ما يجري من أحداث، كيفما كان، يقول أحمد راشد ثاني:
لأن تنفسك طبيعي، لا تعرف أنك تتنفس، لا تحس بأنك تتنفس. تستيقظ في الصباح، تفتح عينيك على ما حواليك، تفتح حواسك على العالم، طعم سهرة البارحة ما زال على طرف لسانك، وتسمع من حولك الحياة وهي تصدر أصواتها اللامتناهية.1
ويقول أدونيس:
في الحجر التائه لونُ القلَق
لون خيالٍ سرى ،
مَن ، يا ترى ،
مر هنا و احترق .
يقول أنور الخطيب- شاعر -فلسطين
وزعت أشلائي على التلال
كي أطمئن
لا تنادي عليّ ولا تجمعيني
وسيري إلى حفلة النسيج
في قصر ( العزيز )
… لا تفصّليني، ولا تسرديني
قد قُدّ من دبر ومن صدر قميصي
فلا تفصلّيني ، ولا تسرديني
ولكن لأني أحبك أختفي
وأحتفي بيقيني
والكتابات الفيسبوكية، تتعدد، وتتلون، تبعاً لإمكانات وقدرات الناص الفيسبوكي، فمنها مايكون في صيغة المقال، أو الخاطرة، أوالرأي، أوالحدث اليومي، ومنها ما يكون عرضاً لإبداعات وأقوال الآخرين، كما أن في إمكان الأديب نشرنتاجه الإبداعي، القديم منه والجديد، في آن واحد. بيد أن خصيصة الاشتراك من قبل صاحب الصفحة الشخصية في هذا الفضاء، والتي تجعله متفاعلاً مع خمسة آلاف شخص، من الأصدقاء الافتراضيين، بل إن سقف التشاركية قد يظل مفتوحاً، ليكون في متناول أي شخص من مليارات المتشابكين في العالم، يجعل المتصفح غيرقادرعلى قراءة كل ما يرغب به، وهو يصل مليارات الصفحات اليومية، لذلك فإنه بات يضطرلاختصارما يكتب، حتى يتم تناوله من قبل أوسع دائرة من القراء الافتراضيين في العالم، يقول حبيب الصايغ-شاعر:
نجمة
تتناسل في ضوء عتمتها
أو تحاول
لكنها الآن تبهت أبعد
حتى تكاد تموتْ
وتومض ثانية
لتصارع أقدارها
نجمة العنكبوتْ
ويقول محمد البريكي-شاعر:
يا غيمة ً بجحيــم ِ الشـــحِّ تغسِلـُـني
أنا الغريبُ علـــــى كفـّيك ِ أنتقــــــلُ
أهيمُ دونـَــك ِ لا أهـــلٌ ولا وطــــــنٌ
وفي ذراعيك ِ يحلو النومُ والكســـلُ
ويقول عبداللطيف حسيني-شاعر:
(اليدُ التي تُنهضُكَ عندَ تعثّركَ أصدقُ من ألف يدٍ تصافحُك عندَ الوصول).
قولٌ هزّ أعماقي و كياني و ألقى بي إلى كل المتاهات , يوميّاً نصافحُ العشرات (تلك المصافحةُ العجولة و الخجولة و البائسة و الصفراء التي لا معنى لها , على أهميّتها
ويقول جميل داري:
من يؤجرني نصف بيت
لأسند روحي إليه
من يعيد إلي قليلاً من الشعر
يبكي علي
وأبكي عليه
في تعريف النص الفيسبوكي:
من هنا،فإن النص الفيسبوكي الذي تتناوله هذه القراءة، هونص محدَّد، يكتب بلغة مكثفة-غالباً- يترواح بين بضع مفردات أوبضعة أسطر، وإن كنا نجد هناك من سيترسل، ليكتب نصوصاً مطولة، وباللغة نفسها، بما يشبه النص المفتوح المعروف. إن النص الفيسبوكي، ضمن الزاوية التي نتناولها، هوتحديداً النص العفوي الذي يكون وليد لحظته، وغيرالمنشور-من قبل-في أوعية نشرمختلفة، من قبل صاحبه، لأن هناك من يكررما كتبه قبل الآن، في محاولة لإثبات حضوره، أولأن ما يقدمه يحمل رؤية لاتزال متواشجة مع مقومات استمراريتها، وتأثيرها، وجمالياتها،يقول الشاعرمردوك الشامي:
نتوحّـد أمام الفاجعة..
نتشابه..
الموتى لا يتجملـــــــــــون!…
يقول الشاعر سعيد القبيسي- الإمارات
كـ كسرة خبزٍ ..
تهيم مع الريح ِ تحمل لون الخريف..
وتبحث عن أملٍ كان يدعى رغيف..
رغيفٌ تهشّم حين قسى..
فصار شتات الصباح ِ
وحزن المسا..
ولعله من الضروري، أن نبين، أن هناك خلطاً يتم في مفهوم النص الفيسبوكي، وذلك لأننا قد نجد نصاً يكتبه الشاعر، كما نجد نصاً يكتبه الروائي،أو القاص، أوالفنان، أوغير”المصنف” إبداعياً، حيث هناك من يقدم كتابات تتوافرفيها شروط هذا النص،لذلك فإنه لابد من وضع بعض السمات العامة لشعرية النص الفيسبوكي:
1- التكثيف
2- اللغة المختلفة المتوترة
3- الإيقاع
4- الإدهاش
5- الرؤية وملامسة قضايا وجوانب يومية مهمة
6- الابتكار والإبداع
7- السموالجمالي
وحقيقة،إن هذه النقاط، جميعها، لايمكن أن تجزأ، بل إنها متشابكة،على نحو يجعل كلاً منها، امتداداً للآخر،وإن كان غياب أحدها يجعل النص أعرج، يشبه أية كتابة أخرى،عادية، ليس فيها مانتناوله،على طاولة التشريح النقدي، حيث أن تفاعل تلك الجوانب، مجتمعة، في مخيال الشاعر، يجعله يقدم نصاً يرتقي إلى مستوى اللحظة، متوجهاً إلى متلق افتراضي ذي ذائقة عالية، قادرعلى فرزالغث من السمين، بل إنه يسهم في خلق لحظة السمو الجمالي المتوخاة من النص الإبداعي،يقول نوزاد جعدان:
لمن كل هذا الطريق ؟!..
كانت تكفيني حارة وشرفة حبيبتي لأكون سعيداً
لمن كل هذا العالم الكبير ..
العالم المفرح جدا إلى درجة البكاء
أيها البائس كدمية بين يدي طفل
تقول صباح القلازين شاعرة- فلسطين
هذا الجالس في الصف الأول
ويرتب وردته العاشقة؟
تفترسه بطرفٍ خفي,تنخر حواسه, وتترك به فراشات عالقة.
-اصطدمتُ به في مواعيد شتى, لكنه لا يذكر شيئا,
هل الحب ألا تذكر شيئا؟
ويقول عمران عز الدين أحمد- قاص
يحزنك أن البيانو في تلك الزاوية ؟. أم يحزنك أنك لا تجيدين العزف عليه ؟.
ـ أناملكَ معزوفة متجدّدة . تقولين لي ، ثمّ ترتشفين قهوتك بعصبيّة ، وأنت لا تكفين عن الاستغراق في فك سطور أشبه بالطلاسم في كتيب موسوم بـ : ” كيف تتعلم العزف على البيانو في خمسة أيام ؟ “.
ـ خمسة أيام ؟!!
ثمة ـ كما تعلمين ـ أنامل غير تلك التي نحمل بها فنجان القهوة !.
بقي أن أقول لك أن الزاوية المنزوية لا تحسد البيانو ..
لكنها حزينة أيضاً
ويقول محمد عفيف الحسيني:
من عزف على النايات في مخمل الغريب؟
من قال: أيها الغريب
انظر إلى المرآة، ستجد فضةً وطاووساً مقتولاً!
التباس المفهوم:
تأسيساً على ماسبق، ينبغي معرفة مسألة في غاية الأهمية، وهي أن بنية النص الفيسبوكي، تكاد تذكرإلى حد بعيد بالقصيدة الشفاهية اليومية، أو تلك التي طالما سميناها قصيدة”الفلاش”أو” اللقطة”، أواللوحة”أو”الومضة”إلخ، التي كتبها جاك بريفير، وصارلهاأعلامها من المبدعين، في أنحاء العالم، كافة، بل إن هذاالنص ليقترب-كذلك-من القصة القصيرة جداً”ق. ق.ج”،لاسيما عندما يظهرفيها”وحدة الحدث”أو”الموضوع” بل و”الفكرة” لذلك، فإنه لمن الضروري أن يتوجه النقد الجديد إلى ضرورة وضع الحدود بين هذه النصوص، وإن كان معروفاً أن الفنون الإبداعية-كلها-باتت تتقارب، بل وتتداخل، وتتراسل، وتتواصل، إلى الدرجة التي يمكن اعتبارنصاً من “ق. ق. ج” على أنه نص شعري، وهذه نقطة مهمة.
شرط عصي على التأطير:
لامندوحة، في أن النص الذي يمتلك زمام لحظته الإبداعية، يهيء لنفسه عاماً،يضج بالحياة، وتكاد شروطه الداخلية لا تتقاطع مع شروط أي نص آخر، وإن كنا سنتحد-عادة- عن سمات عامة، لايمكن أن تصنع وحدهانصاً إبداعياً،لأن في النص الإبداعي-عادة-شرط عصي على التأطير، وهوليعد العلامة الفارقة فيه، بل إنه ربما إذا توافرت في أي نص السمات المشارإليها،أعلاه، كلها، وافتقرإلى هذا الشرط،فقد إبداعيته، لذلك فإن هذا العنصرغيرالمرئي يعد”العمود الفقري” في شعرية هذا النص، وإنها روح الشاعر،أو نبضه الإبداعي،أو”ضربته”الإبداعية،كما أن افتقاد هذا الشرط، يجعل النص كتابة عادية لاحياة فيها ولا روح، يقول واسيني الأعرج:
لا شيء أكثر قسوة مثل التفكير في مدن متهالكة ينخرها ثقل الصمت، كل شيء فيها ينتظر فراغا بلا اسم ولا هوية
و تقول غادة السمان-شاعرة وكاتبة
يوم وأنا أعي وأقتربُ من الموتِ أكثر،
أدرك أنني لا شيء،
سوى أنني،
كنتُ أحاول.
عودة المعرفي:
لوحظ، أن دعوات كثيرة، تمت، تحت غطاء أن الفن الإبداعي، لايمكن أن يحتمل ماهومعرفي، بل على المبدع أن يكتب لمجردالإبداع، بل راح بعضهم يزيد على ذلك، من خلال إدعاء أن في معرفية الإبداع مواته، مادفع إلى شيوع ظاهرة خطيرة، تم الغلو خلالها في التركيزعلى”فنية” ماهوإبداعي، كي يؤدي ذلك،في النهاية إلى إلغاء ماهوإبداعي من دون أن يدرك دعاة هذه الطروحات، إذ صرنا نجد اغتراباً عن الواقع، بل هيمنة الهذراللغوي في الشعروالقصة بل والرواية، تحت مثل هذه الدعاوى الخطيرة التي كان من شأنها أن تجهزعلى جزء جد مهم من الإبداع الإنساني، تقول بثينة زغلامي -شاعرة-المغرب
ما
ذنب الليل إذا أخذ معه عطرك
دون إذن منك
ومزجه مع نعاسي
فهل تْراني أحترق بالهواء !!
بيد أن مايلاحظ-الآن-بروز نوستالجيا شديدة إلى المعرفي، في النص الفيسبوكي،ما يجعله أكثرسلاسة، وعذوبة، بل وملامسة لماهويومي، سواء أكان معاناة شخصية، أو هماً وطنياً،أوإنسانياً، وغيرذلك، ولعل النص الفيسبوكي قادرعلى استقراء آراء المتلقين، على امتداد كوني، حيث يتفاعل المتلقون مع هذا النص، واضعين إشارات إعجابهم عليه،أو هناك من يترجم تفاعله، مع النص، من خلال كتابة نص مواز، قد لايرتقي إلى مستوى النص الأصلي، بيد أنه يبين مدى نجاعة الخطاب الإلكتروني الجديد، إلى الدرجة التي قد يعد بعضهم هذا التواصل عالي الدرجة، والحميمية، عل أنه يعد، ومعه النص الأصل”أدباً تفاعلياً” أو”نصاً تفاعلياً”، حيث يتم-وبأمان- نشرالنص والتعليقات التي كتبت على هامشه، نصاً واحداً، بمعنى أن هناك نصاً لعدد لامتناه من الناصين، وهوماقد سبقه إليه”حوارالمسنجر”أو غرف البالتوك”أو حتى النص المتبادل عبرالبريد الإلكتروني، يقول صلاح بن عياد شاعر-تونس
أيّها العالم أ لا تكفّ عن تمزيق خدودك؟
ويقول عبد الإله صحافي –شاعر-المغرب
في هذه اللحظة الشقراء..أفكر فيك/فيَّ
وأنا أنتظر في محطة الباصات..
قصيدة…….تحملني إلى مآثر الروح.
ويقول محمد نورحسيني-شاعر
رمح دون كيشوت
صاحب من لا صحب لهم
صاحب الرمح الناري
الذي كان يضيء الليل
لأجل الناس الذين أعشاهم الظلام
للمساكين
للنساء اللواتي يبتن تحت ظل الخوف
دون كيشوت
عار الانسان
لكنه طال ونحل
حتى أصبح ألم العالم
حتى أصبح ذهاناّ مختلطاً
حتى أصبح آمالاً خبط عشواء.
ربيع الفيسبوك:
ربط كثيرمن المتابعين، للتفاعل مع الخط البياني للتكنولوجيا والمعلوماتية، بشكل عام، ومع الفيسبوك، والتويتربشكل خاص، من منطلق أنه كان لهماالدورفي رصِّ الصفوف، و شحذ الهمم، واستنهاضها، في مواجهة آلة الفساد والاستبدادفي عدد من البلدان، حيث كتبت نصوص فيسبوكية كثيرة، تداولها الناس، بشكل لافت، أينماكانوا، بل أن هناك ممن استظهرها، وراح يهتف بها في”ساحات التحرير”، المتعدِّدة، وأياً يكن هذا الرأي، فإن الفيسبوك لايمكن النظرإليه،هنا، إلا اعتباراً من أنه جزء من ثورة التكنولوجيا،لاسيما وأن وسائل أكثرتأثيراً، كانت موجودة مثل” التلفزيون””الهاتف”، وإنه إضافة إلى تأثيرهماالكبيرهذا،عبرخطاب الصورة، والخبر، فإن بعض هذه النصوص القصيرة، الوامضة، لايزال يظهرعلى الشريط الإخباري المتحرِّك،في بعض الفضائيات التي راحت تركِّزعلى مبدأ النص التفاعلي، وهوما قد يكون خارج سياق الدراسة هنا.
يتبع
1-نصوص أحمد راشد ثاني نشرها بعض أصدقائه على صفحة تحمل اسمه
• عن ملحق الخليج الثقافي عددالاثنين16-7-2012
• * فصل من مخطوط بعنوان” جماليات النص الفيسبوكي
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: