مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الخبز الحافي قراءة في بعض الصّور من أرشيف الثّورة التّونسيّة

الخبز الحافي قراءة في بعض الصّور من أرشيف الثّورة التّونسيّة
 

بقلم العادل خضر
يا شهــــــــــــــــيد
غنّيها يا شعبي الباسل للبحر إلّي ما ينسى
غنّي قول دمك يا فاضل فاح خميرة في الخبزة
يا شهيد………يا شهيد
يا شهيد الخبزة رِجْعِتْ يا شهيد الخبزة ثورْ
طالْعة من قبرك وردة تنادي الشّعب يجيك يْزُورْ
من أغنية للأزهر الضّاوي
“الصّورة في عيني، وأنا في الصّورة”

 
إن كان يوجد شيء مّا في صور الثّورة التّونسيّة يجذب الانتباه إليه فهو خلوّها التّامّ من وجوه السّياسة المشهورين، ورؤساء الأحزاب، والنّجوم من الحكّام القدامى والجدد. 
 

 فقد خلا الفضاء السّياسيّ فجأة من كلّ رموزه الّتي كانت تحتلّه، وكنست صور البقيّة الباقية منهم في مزابل التّاريخ ومحرقته، وسدّت مسدّه الجماعات المتظاهرة، والجماهير الغاضبة. فاحتلّ الشّعب بجموعه الغفيرة قلب “الأغورا Agora”، فكان لأجل ذلك في قلب الصّورة وقطبها. 
لم تلتقط هذه الصّور أجساد الجموع المتراصّة أو المتفرّقة فحسب، وإنّما التقطت في بعض الأحيان “زاوية نظر الجموع le point de vue des masses ” ومن “زاوية نظر الجمهور”. وهي زاوية نظر مختلفة عن “زاوية نظر الدّولة” ذاتها، ومختلفة عن “زاوية نظر طبقة معيّنة”، أو زاوية نظر حكومة “شعبيّة” أو “ديمقراطيّة” أو “زاوية نظر حزبيّة”. هذه الصّور قد التقطت من “زاوية نظر الشّعب” فحسب، (1) ومن ثمّة كانت جدّتها وطرافتها. 
ولكن ما الّذي يحملنا على اعتبار هذه الصّور قد التقطت من “زاوية نظر الشّعب”؟
 

 

 

 
لا تعني عبارة “زاوية نظر الشّعب” في هذا السّياق الفوتغرافيّ أنّ الشّعب قد التقط هذه الصّور بنفسه عن نفسه، فكان الذّات والموضوع معا، وإنّما نعني بالتّحديد أنّ أولئك الّذين التقطوا هذه الصّور المختلفة قد أعادوا توزيع المشهد المرئيّ وتشكيله على نحو مختلف لبناء “ذات” مرئيّة جديدة تسمّى الشّعب. ولكن بأيّ معنى يمكننا اعتبار هذه الجموع الّتي توحّدت في الصّورة هي “ذات” الشّعب؟ فالشّعب بأسره لا يمكنه أن يعتصر في ذات فرديّة، لأنّه ليس ذاتاn’est pas un sujet ، وليس له ذاتn’a pas (2)de sujet ، فهو “جسم بلا أعضاء un corps sans organes” على حدّ عبارة دولوزDeleuze ، بدون “أنا” عميق، ولا انسجام فكريّ، ولا ذاكرة مشتركة تؤسّس هويّة واحدة وموحّدة. وإذا سلّمنا بأنّ الشّعب مجرّد من كلّ ذات فإنّ ما تحاول بناءه الصّور الملتقطة هو هذه الذّاتيّة الجديدة الّتي تذوب فيها كلّ ذات في جموع الذّوات. ومن ثمّة غاب عنها كلّ النّجوم والأبطال والمشاهير، فلا شيء تظهره هذه الصّور سوى جسم الشّعب الّذي صار يملأ فضاء المدينة ويحتلّه.
 
لنذكّر في هذا المقام بأنّ الصّورة لم تلتقط واقعا أو جزءا ضئيلا منه، وإنّما اقتنصت نظرة قد احتفظت بصورة من الواقع، وشيّدت في الآن نفسه موضع نظرة أخرى، هي نظرة من يشاهد الصّورة. ولأجل ذلك هيّأت لمن يشاهدها ثلاثة مواضع:
1 ما تستحضره الصّورة، وهو موضع الواقعيّ le réel.
2 ما تمثّله الصّورة، وهو موضع الرّمزيّ le symbolique. 
3 النّظرة الّتي تبنيها الصّورة وتُبنى بها، وهي موضع الخياليّ (l’imaginaire. (3  

ما تستحضره هذه الصّور هو حضور présence الجموع الطّاغي، وهو حضور يستحيل تمثيله irreprésentable بما أنّه لا يمكن تمثيل حدث تدفّق الجموع وقد انتشرت في كامل الفضاء العموميّ. فما لا يمكن تمثيله بالصّورة في هذا الموضع (موضع الواقعيّ) هو الشّعب بطمّ طميمه. فهو موضوع للكبت، أي الموضوع الّذي كبتته الصّور لأنّه لا يمكن أن يستحضر، ولا أن يمثّل. بيد أنّ ما مثّلته الصّور في حقيقة الأمر لا علاقة له بالشّعب بوصفه “جسما بلا أعضاء”، فهذا الجسم بطبعه موضوع مستحيل التّمثيل. فالصّور من هذا المنظور تكبت لأنّها لا تنتقي من جسم الشّعب إلاّ ما كان بانيا لـ”زاوية نظر الشّعب” ومبنيّا بها في الوقت نفسه. فما يبني “زاوية نظر الشّعب” هو فحسب ما يعاد تمثيله بالصّورة، أمّا ما لا يبني زاوية النّظر تلك، فيكبت من الصّورة فلا يلتقط. ولكنّها تبني بالعناصر الّتي التقطت نظرة من أخذ تلك الصّور، ونظرة من ينظر إلى تلك الصّور. وهي بذلك تمثّل موضوعا لا علاقة له بجسم الشّعب الواقعيّ بقدر ما له علاقة بـ”زاوية نظر الشّعب”. وليست زاوية النّظر هذه ذاتيّة، لأنّ الّذين التقطوا تلك الصّور قد كانت صورة الشّعب في عيونهم، وكانوا في الآن نفسه داخل الصّورة. فـ”اللّوحة توجد بالتّأكيد في عيني، أمّا أنا فموجود في اللّوحة” كما بيّن لاكان Lacan في بعض ندواته.(4) وهذه الجدليّة بين الدّاخل والخارج ينبغي أن تفهم على أنّ نظرة الذّات مسجّلة دائما في الموضوع المدرك المعاين، فبنية نظرنا محدّدة بنقطة محدّدة داخل الحقل الّذي يكشفها، أو قل هي مبنية أو موسومة بجزء من مضمونها. فليس ملتقط الصّورة معاينا خارجيّا يمكنه أن يحيط بالواقع في كلّيته، وإنّما هو في وضع انعكاسيّ réflexif مندمج في الصّورة الّتي التقطها. فهو في وضع مزدوج، خارج الصّورة وداخلها في الآن نفسه.(5)  

 

 

 
بهذا التّصوّر نفهم هذه العبارة “زاوية نظر الشّعب”. ولكن هل يوجد في داخل dedans الصّورة، (أو الصّور) من العناصر ما يقودنا إلى تلك الزّاوية المخصوصة، “زاوية نظر الشّعب”؟
توجد في الواقع عناصر قليلة، إلاّ أنّ تكرّر ورودها على نحو متفرّق في بعض الصّور النّادرة، يلفت الانتباه، ويجذب العين بسبب تقحّمه مجال الصّورة، أو نتوئه، أو غرابته، فهو يخزها ويستثيرها ببروزه في غير موضعه. هذا العنصر نسمّيه “النّابي”، (6) وهو عنصر وقح لا يظهر إلاّ في المواضع الّتي لا نتوقّع ظهوره فيها. ولكنّه بصفة عامّة عنصر لا يبرز إلاّ في نوع من الصّور محكوم بمبدإ “النّاتئ” le punctum. وهو مبدأ قد أفاض بارطBarthes الحديث عنه في كتاب “الحجرة المضيئة”. يقول: “إنّه هو [أي النّاتئ] الّذي ينطلق من المشهد كمثل سهم ويأتي ليخترقني. تتوفّر اللاّتينيّة على مفردة لتحديد هذا الجرح، هذه اللّسعة، هذه السّمة المحقّقة بأداة مدبّبة، وهذه المفردة تناسبني خصوصا وأنّها تحيل على فكرة التّنقيط، وأنّ الصّور الّتي أتحدّث عنها لهي بالفعل منقّطة، بل وحتّى مبقّعة أحيانا، بهذه النّقاط الأساسيّة. إنّ هذه السّمات، تحديدا، هذه الجراح، لهي نقاط. وإذن فسأسمّي هذا العنصر الثّاني الّذي يجيء “ليزعج” المنتشر studium، أقول سأسمّيه “النّاتئ” le punctum، ذلك أنّ المفردة الأخيرة تفيد أيضا “زرقة” [لسعة إبرة أو مزراق]، وثقبا صغيرا، ولحظة هيّنة، وقطعا ضئيلا، وكذلك رمية نرد. إنّ “ناتئ” صورة، ما هو إلاّ هذه الصّدفة الّتي تستهدفني انطلاقا منه”. ثمّ يضيف لتعريف المنتشر studium “بعد أن استعرضت على هذا النّحو الاهتمامات العاقلة الّتي تثيرها فيّ بعض الصّور، يبدو لي الآن أنّ “المنتشر” عندما لا يخترقه أو يجلده أو يرقّطه “ناتئ” معيّن يجيء ليجتذبني ويحرجني، فإنّه، أي “المنتشر” يتمخّض عن نمط من الصّور جدّ شائع (الأكثر شيوعا في العالم)، نمط ربّما أمكن دعوته بـ”الصّورة التّوحيديّة (image unitaire”.”(7. 

يقابل بارط في كتابه “الحجرة المضيئة” بين “النّاتئ” و”المنتشر” بتأويل النّاتئ عبر “الانتقال من “point” (النّقطة) إلى “me poindre” (يستهدفني أو يهجم عليّ)، ومن ثمّ إلى le poingnant (ما يهاجم ويجرح).”. ويؤكّد تأويل دريدا في مقالته الشّهيرة “ميتات رولان بارط Les morts de Roland barthes ” مفهوم “النّاتئ”. فهو عنده هذا التّفصيل الصّغير الّذي ينبثق من حقل “المنتشر” الواسع، فلا ينتظم بانبثاقه المباغت في شفرته. (8) 

وعموما يمكن أن نقول، إنّ معظم صور الثّورة التّونسيّة من جنس “الصّورة التّوحيديّة”. وفي هذا الضّرب من الصّورة لا يعتمد على تفصيل صغير ناتئ تلتقطه العين بلا جهد، وإنّما على المدى المنتشر للصّورة كلّه. وهو مدى يقتضي القبضُ عليه جهدا في التّحليل منتشرا بدوره. 

 

 

 
 تنهض هذه “الصّور التّوحيديّة” على مبدإ المنتشر بسبب طموحها إلى الإحاطة بالجموع في كثرتها المتكثّرة واتّساعها الفضائيّ. فعندما يعظم الجسم بأعداده المتكاثرة وامتداده الهائل على الفضاء العموميّ، تتّسع الصّورة بالضّرورة، لتشمل كلّ الأطراف المنتشرة في هذا الفضاء. هذا الاتّساع هو الّذي يمثّل محتوى “زاوية نظر الشّعب”، أمّا “المنتشر” فهو المبدأ الّذي يمثّل شكل ذلك المحتوى. إلاّ أنّه مبدأ لا يمثّل القاعدة دائما، فبعض صور الثّورة التّونسيّة وأطرفِها على الإطلاق هي الّتي تآلف فيها المبدآن، “المنتشر” و”النّاتئ”، معا. وقد حصل هذا التّوليف بظهور عناصر “مزعجة” “وقحة” “مباغتة” تربك هدوء الصّورة ووداعتها، ولكنّها لم تؤثّر في محتوى “زاوية نظر الشّعب”، وإنّما وهبته شكلا جديدا هو شكل النّاتئ. من هذه العناصر النّاتئة نجد الأعلام
 

 
 
 والأيدي الكثيرة المرتفعة.
 

 
ولكنّ أندرها صورة القفص
 

 
 وصور “الخبز” الّذي رفعته بعض الأيدي الثّائرة.
فكيف ينبغي أن نفهم هذه الصّور الّتي برز فيها “الخبز” فجأة لمّا رفعه بعض المواطنين عاليا حتّى صار مدار الصّورة وقطب رحاها؟  

الهوامش:

* أستاذ جامعي وباحث بكلّية الآداب والفنون والإنسانيات بمنّوبة، تونس. 
1- انظر، Balibar, Étienne, (1997) La crainte des masses, Politique et philosophie avant et après Marx, Éditions Galilée, p59.
2- انظر: Sloterdijk, Peter, (2000 – 2003 ) La mobilisation infinie, Vers une critique de la cinétique politique, Points-Essais, p.p101-102
3- انظر، خضر، العادل، أزمة المسلم الأخير ونهاية التّديّن؟! مقالات في النّقد الدّينيّ، دار ورقة للنّشر، ص126
4 انظر، Lacan, Jacques, (1986) Le séminaire, livre XI, Les quatre concepts fondamentaux de la psychanalyse, Paris, Points-Essais, p111. حيث يقول:
 “Le tableau, certes, est dans mon œil. Mais moi, je suis dans le tableau.”
5 انظر، Zizek, Slavoj, (2008) La parallaxe, ouvertures fayard, p22
6 انظر مادّة [ن.ب.و] في اللّسان فهي غير بعيدة عن المجال البصريّ، فمن معانيها “نَبا عنه بَصَرهُ يَنْبُو أَي تَجافَى ولم ينظر إِليه كأَنه حَقَرَهم (…) نَبتْ صُورته قَبُحَت فلم تَقبلها العين” ومن معانيها أيضا أن لا يتلاءم المرء مع الفضاء الّذي يحلّ فيه “ونَبا بهِ مَنْزِله لم يوافِقْه وكذلك فِراشُه قال وإِذا نَبا بِكَ مَنْزِلٌ فَتَحَوَّلِ ونَبَتْ بي تلك الأَرضُ أَي لم أَجد بها قَراراً ونَبا فلان عن فلان لم يَنْقَدْ له”
7 انظر، بارط، رولان، الغرفة المضيئة، تأمّلات في الفوتوغرافيا، ترجمة هالة نمَّر، مراجعة أنور مغيث، المركز القومي للتّرجمة، الطّبعة الأولى، القاهرة، 2010، ص.ص 28-29، وانظر كذلك مقالة “ميتات رولان بارط Les morts de Roland barthes ” ضمن كتاب،Derrida, Jacques, (1987-1998) Psyché, Invention de l’autre, Éditions Galilée, p.p279-280. ، وقد نقل هذا المقال ضمن كتاب، دريدا، جاك، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، تقديم محمد علال سيناصر، دار توبقال للنّشر، الدار البيضاء – المغرب، الطّبعة الأولى 1988، ص.ص 219-220. علما بأنّ هذه التّرجمة تتضمّن مجموعة من المقالات معرّبة انتخبها المترجم من كتب شتّى ألّفها دريدا، واستعار لهذا المنتخب عنوان “الكتابة والاختلاف”، وهو عنوان يحيل على كتاب آخر لدريدا يحمل نفس العنوان Derrida, Jacques : (1967-1979) L’écriture et la différence. Points-essais، انتخب منه المترجم مقالتين فحسب، فوجب التّنبيه درءا للّبس. 
8 انظر دريدا، جاك، الكتابة والاختلاف، ترجمة كاظم جهاد، م.م، ص.ص 219-220. الّذي يقيم تقابلا بين مفهومي النّاتئ/المنتشر ذكر فيه أنّ هذه المقابلة: ” لا تستبعد، بل بالعكس تحبّذ توليفا أو تركيبا بين المفهومين. ما يجب أن نفهم من “التّوليف”؟ شيئان، هما نفسهما يتوالفان: 1) أنّ المفهومين المفصول بينهما بحدّ يتعذّر اختراقه يُمرّران بينهما مساومات (أو تسويات) و”يتفاهمان” أحدهما مع الآخر، وعمّا قريب سنتعرّف فيهما على عمليّة كناية: إنّ ما يقيم خارج حقل “النّاتئ”، أو ما يخرج فيه عن كلّ شيفرة، يتوالف مع حقل المنتشر “الدّائم الانتظام في شيفرة”: يعود إليه دون أن يعود إليه حقّا. إنّه غير قابل للموقعة فيه ولا يتخبّط فيه ولا ينخطّ أبدا في الموضوعيّة المتجانسة لحقله المؤطّر، وإنّما يأهله، أو بالأحرى يسكنه [بمعنى سكنى الهاجس المسيطر]: “إنّه زيادة: ما أضيفه إلى الصّورة الفوتغرافيّة، والّذي هو فيها من قبل.”. 

عن الأوان

 

Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: