مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بيان من أجل وحدة اليسار

بيان من أجل وحدة اليسار
في الحاجة الى الوحدة – في المراجعة الفكرية والسياسية – في جدلية الإصلاح والثورة – في تساتل الخيارات الاقتصادية – في رأسمال المسألة الاجتماعية – في الترابط الجدلي بين الأهداف – في استدخال الشأن الديني – في التدارك الثقافي واللغوي – في دوائر الهوية والانتماء – في إثمار شروط “الكتلة التاريخية”.

1. في الحاجة الى الوحدة.
في التعريف بالحاجة الكامنة في دعوتنا الى توحيد اليسار في حركة جماهيرية واحدة، لابد لنا من طرح الأسئلة التالية : أولا، كيف نفسر ظاهرة الانقسام البارزة في تاريخ اليسار؟ وثانيا، هل ما تزال مبررات الانقسام قائمة؟ وثالثا، ماهي الآفاق التي تراهن عليها الدعوة الوحدوية المطلوبة؟
ـ أولا، لماذا الانقسام؟ لايجا دل أحد في أن النزعة الانقسامية كانت هي الظاهرة الأبرز في تشكل اليسار بفصائله الحالية خلال العقود الأربعة الأخيرة. ولا جديد في أن لتلك الانقسامات المتتالية أسبابها السياسية والتنظيمية و الاديولوجية، ولها، بقدر أو بٱخر، دوافعها أو مستتبعاتها الثقافية والاجتماعية.
إنها في كل الحالات مشدودة الى أحوال الصراع السياسي في حينها، و الى التطورات و التناقضات المجتمعية في كليتها. ويمكن تصنيف أغلب الانقسامات المستحدثة والقائمة اليوم الى نوعين : نوع ذو طابع سياسي واضح، و آخر ذو طابع تدبيري مشخصن أساسا. ومن الواضح أن الجانب الإيديولوجي، الذي كان له الدور المركزي في انقسامات الستينيات و السبعينيات، قد تراجع دوره مع تراجع الفكر و الإيديولوجيا لدى معظم الفصائل الحالية.
بيد أننا لا نرى، في بيان يدعو الى الوحدة، ضرورة الخوض في أسباب كل حالة من حالات الانقسام التي مر بها اليسار، ومع ما بها من صلات موضوعية فيما كان يجري من تراكمات و تحولات، خفية أو ظاهرة، في البنيات الاجتماعية و السياسية عامة. كما لا نرى ضرورة لإصدار أحكام قيمة كيفما كان شأنها لصالح هذه الحالة أو تلك. فهذا الأمر نتركه لأصحاب الشأن أنفسهم، فهم أدرى بشعابه الداخلية. ولأن القيام بمثل هذا التحليل من طرف كل الفصائل، بعد التخلص من ضغوط ظروف النشأة و رواسبها، وبعد الاقتناع بأهمية الوحدة وضرورتها، هو السبيل الذاتي الأمثل لتكون الوحدة المفترضة خطوة متميزة في الوعي وفي الممارسة.
سيقتصر دورنا في هذا البيان على كشف الوضعية الملتبسة، التي يجد الفاعل السياسي اليساري نفسه مطوقا بتجاذباتها المتناقضة. وهي حالة مشتركة تفسر، الى حد ما، كيف يتحول الخلاف السياسي الٱني و التكتيكي إلى خلاف ذي بعد استراتيجي فاصل وقاطع، بالرغم من أن الوضع لم يكن بذلك النضج، ولا بتلك الأبعاد التي تصورها الطرفان المتنازعان. كل الخطابات تصور الحدث الذي أدى الى الانقسام على أنه “الحدث الوطني المفصلي” و “التاريخي الحاسم”. وهذه الأحكام،  بالضبط، هي التي كشفت الصيرورة الواقعية عن محدوديتها و نسبيتها في المجرى العام للتطورات الوطنية اللاحقة. ولا تفسير لذلك سوى بحالة “التوتر الوجودي” الذي يعاني من قلقه وتشنجه اليسار، في بلد لم تستقر فيه بعد الحياة الديمقراطية بما يطمئن على المستقبل. ولذلك تجد المعارضة اليسارية نفسها، في كل مفصل من مفاصل الصراع السياسي، بين خشية أن يؤدي بها الموقف الى عزلها عن جماهيرها أو الى جرها في سيرورة الاحتواء والإدماج من قبل النظام، و بين أن يؤدي، على العكس، الى اتساع شعبيتها و الى فتح ثغرة تتلوها ثغرات في تحصينات النظام نحو تغييره. إنها معادلة معقدة في وقتها، و حبلى دوما بآفاق استراتيجية مضمرة و في موازين قوى غير متكافئة.
 وهكذا ما أن يسود الخلاف، بأبعاده الاستراتيجية المضمرة، كل المستويات التنظيمية حتى تهرع الأطراف المتنازعة الى تأويل و توظيف الشرعية القانونية لصالحها.
ولا عجب في هذا السلوك، فالقانون، بوجه عام، ليس بعد ثقافة مجتمعية “يعلو فوق المدينة”، و يتمتع باستقلاليته عن مصالح الحاكمين و الأفراد و الجماعات. و عند هذه اللحظة بالذات تتشخصن الخلافات، و يتعذر التعايش و الاستمرار في العمل المشترك على كافة المستويات .
ويبدو حينها الانقسام في صالح دوام الطرفين، لأنه يريحهما ويطلق عنانهما معا، وإن تبرأ كل من مسؤوليته عنه. وكلما كان المحتوى الثقافي و الأيديولوجي ضعيفا في خلاف الطرفين، أو لدى أحدهما، زاد الخلاف شخصنة عصبوية، و اشتغلت أدوات الثقافة التقليدية الموروثة و الخفية.
لا تستهدف الصورة الموجزة التي قدمنا في الفقرات السابقة عن اليسار، في لحظاته المأزومة، تشويه صورته، أو الطعن في شرعية الخلافات، أو في صدقية المواقف. وإنما الغاية منها الاعتراف بموضوعيتها، في نظام متقلب الأطوار، ولم تستقر فيه بعد المؤسسات الديمقراطية. وحتى إن وجدت فهي لا تمثل بعد، في الوعي الشعبي، وفي آليات النظام، الملاذ الأخير الذي تجد فيه الصراعات الاجتماعية تسوية لمصالحها، وتناقضاتها، مادام المجتمع، هو الٱخر، لم تسده بعد ثقافة قانونية وديمقراطية. وماتزال الثقافة التقليدية، بكل أنواعها، ضاربة بأطنابها فيه.
لكل ذلك تتعرض “العقلانية”، بقدر ما هي نتاج مجتمعي، لامتحانات عسيرة تمنعها من الاستقرار على أرضية صلبة، وتتعرض الممارسة اليسارية خلالها لأزمات الوجود، تتناسب توتراتها تناسبا عكسيا مع اضطراد التقدم العام للنظام والمجتمع.
– ثانيا، هل مازالت دواعي الانقسام قائمة؟ليس العيب في الخطابات الانقسامية تعبيراتها عن “المرحلة الحاسمة”، و”المنعطف التاريخي”، وغير ذلك من المعاني المترادفة، لأن مثل هذه التعبيرات يكون غرضها التعبئة، والتشديد على الفاعلية الذاتية في استثمار اللحظة، وهي الجوهر الأهم في العمل السياسي عامة، والتقدمي بوجه خاص. وليس العيب، أيضا، في تحميل الموقف أبعادا استراتيجية مضمرة أكبر من مفعوله ومداه النسبيين الحقيقيين؛ فالتكتيك، كما هو معلوم، التكثيف الأعلى للاستراتيجية، وإن كان ينبغي دائما التمييز بينهما. إنما العيب، أولا و أخيرا، في الحفاظ على الانقسام، بعد أن تكون الصيرورة العملية قد أسقطت البعد الاستراتيجي فيه، وتجاوزت خلافاته التكتيكية الأصلية. وإذا كان التاريخ هو الحكم، فإن التجربة العينية والصيرورة الواقعية قد حسمتا، و أعادتا قضايا الخلاف السابقة الى حجمها النسبي العارض، ورفعتا اللبس عن “التوتر الوجودي”، المتأصل في الشروط المجتمعية الضاغطة على الممارسة اليسارية.
ولكي يكتمل الجواب عن سؤالنا السابق، فإننا سننطلق من الظاهرة الملموسة التالية : كل فصائل اليسار، سواء تلك التي نهجت خط التعاطي بالإيجاب مع الدستورين الأخيرين، والعمل من داخل المؤسسات المنتخبة بعيوبها المعروفة، واختيار سبيل التوافق الحكومي للمرحلة، أو تلك التي عارضت هذا النهج، كليا أو في بعض حلقاته، جميعها إما تعرضت لخسارة في جماهيريتها، و إما أنها استمرت على نفس الهامشية ،وعلى نفس الانحباس في شعبيتها.
هذه الظاهرة الملموسة لدى النهجين السياسيين، تبين لنا كيف أن العطب ربما يكون في جزء منه خارج النهجين المذكورين، و أكبر منهما معا. فمن غير المعقول واللا منطقي ألا نقارب ونقرن نجاعة الخط السياسي بمردوديته الشعبية، على مدى زمني معقول، فبالأحرى اذا صار الانحباس الشعبي ظاهرة شبه بنيوية.
وبالضرورة سيأخذنا تحليل ظاهرة “الخسارة و الانحباس” الى مجال يتجاوز ما يعترف به كل فصيل من نواقص و أخطاء لديه، في ممارسة خطه السياسي المنفرد، إذ سيأخذنا الى تحليل العوائق المجتمعية الأشمل، و التي جعلت مجتمعنا، كغيره من المجتمعات العربية، يميل لعقود نحو المحافظة الدينية السياسية، ولو مع وجود كتلة كبيرة كامنة، لها ميولات حداثية. ولكنها تقهقرت الى قوة “افتراضية”، أكثر مما هي قوة اجتماعية بالفعل.
ولا شك لدينا في أن لهذه الظاهرة عوامل عدة يصعب تناولها في هذا البيان، ومنها، بوجه خاص، التناقضات الثقافية التي أدخلتها العولمة في المجتمع، ولدى “الطبقة الوسطى” فيه، والتنافرات التي طرأت بين أجيالها المختلفة، وهي التي كانت، ولازالت، العمود الفقري لقوى التقدم في المجتمع. وليس من المبالغة القول إن تاريخ اليسار بثقافته و أجياله، بتقدمه وتراجعاته وانقساماته، هو إلى حد كبير تاريخ التشكل المعاق، أو المجهض، للطبقة الوسطى في مجتمعنا المتأخر.
ما نود استخلاصه من تلك الاشارات الخاطفة، إلى التطور الموضوعي للمجتمع، في الكشف عن الأزمة الذاتية، التي يمر منها اليسار بكل فصائله، أنه إذا كان هناك من تقصير ذاتي، وهو تقصير مؤكد ومتعدد الوجوه، فإن الحصيلة السياسية، و الجماهيرية، لا تقارن بالخلافات السياسية القائمة، والتي أضحت في جلها جزءا من الماضي، وما تبقى منها بات قابلا للتفعيل الديمقراطي داخل حركة حزبية موحدة. بينما صار التحدي الأكبر، ومنذ زمن خلا، تحديا ثقافيا سيمتد لمرحلة قد تطول، وقد يصعب احتواء مضاعفاته. وليس في هذا ما يعني، بأي حال من الأحوال، أن السياسية لم يعد لها محل من الإعراب، بل أن السياسة، اليسارية حصرا، بات مطلوبا منها أن تكون بأفق فكري، و ثقافي و إيديولوجي واضح، و مطابق للواقع المغربي. وعلى هذا الصعيد بالذات، يمكن أن نجزم، بلا خشية الخطأ أو التجني، أن الهوية الاشتراكية، التي تقول بها كل فصائل اليسار، هي في الحقيقة، إما فكر جامد لدى أقلية منه، وإما برامج إصلاحية، إجرائية، و سياسية، لا ترقى الى مستوى البناء النظري للمجتمع الاشتراكي الذي تريده.
كل تلك الاستخلاصات تفيد، في النهاية، أن الانقسامات الحالية، سواء تلك التي تذرعت بخصوصيات تاريخية ولى زمانها، أو تلك التي تبرر نفسها بخلافات سياسية آنية ولكنها عابرة، أو تلك التي تستولد أخرى، لتعطي لنفسها “شرعية تاريخية”، أكبر منها بما لا يقاس؛ كل تلك التلوينات لا تخدم، في الحقيقة، إلا تكريس واقع الضعف، والتراجع الحالي لليسار، بينما يتم الهروب من مواجهة التحديات الفعلية، التي تعيق تقدمه، والتي لا مناص لها من الوحدة، لكي يستطيع اليسار الوقوف من جديد، و التأهل لاستنهاض قوة اجتماعية، شعبية، حداثية، واشتراكية بالفعل.
ـ ثالثا، وفي هذا السياق، أي رهان تستبطنه، و تستشرفه الدعوة الى الوحدة العاجلة، التي يطرحها هذا البيان؟ثمة تباشير نهوض جديد للمجتمعات العربية، ولمجتمعنا المغربي. إن الحراك الشعبي العارم، الذي عم أوطانا عربية عدة، والذي طالت حرارة اندفاعاته المجتمع المغربي، يبشر، بالرغم من النتائج الانتقالية المتواضعة التي أوصل اليها الى هذا الحين، بمرحلة تاريخية جديدة قادمة، ميزتها الأساسية في أنها ستكون، “بالضرورة”، لصالح قوى التقدم.
لقد أبان الحراك الشعبي، في كل ميادينه العامة، عن مسألتين أساسيتين : من جهة، أن جماهير شعبية واسعة وتزيد اتساعا باضطراد تنخرط، بعد ركود ونكوص طويلين، في حلبة النضال من أجل حقوق المواطنة كاملة. ومن جهة ثانية، أبدت الفئات الاجتماعية، ذات الميولات الحداثية، أنها قوة اجتماعية كامنة، ولكنها قادمة الصعود، ويحسب لها حسابها في التشكل الجديد لموازين القوى، ولتناقضاته المستجدة.
ولا يغيب عنا أن قانون التدافع الديمقراطي، سيظل ساري المفعول بين البلدان العربية، وفي أجواء عالمية تشهد، هي الأخرى، تحولات قادمة ومنظورة، في التوازنات الدولية، وفي الخروج من نظام القطب الوحيد ومن الرأسمالية المتوحشة.
أمام اليسار، إذن، ظروف مواتية، لإعادة بناء كتلة اجتماعية وثقافية جديدة، تسترجع تماسك قواعده الاجتماعية، التي انفرطت من حوله منذ مرحلة ليست بالقصيرة، إذا ما استطاع أن يشق لنفسه خطا سياسيا مستقلا ليسار موحد، وإذا ما بنى لنفسه مرجعية، فكرية وإيديولوجية، إشتراكية ديمقراطية معاصرة، ومطابقة للمعضلات الثقافية التي يتخبط فيها المجتمع المغربي، وإذا ما استعاد “المسألة الاجتماعية”، واستدمج “الحاجيات الشعبية” في ممارسته وفي مشروعه المجتمعي.     
2. في المراجعة الفكرية والسياسية. من أبْدَه القواعد في العمل السياسي قراءةُ حصيلة الإنجاز والإخفاق في ضوء جدلية الحاجات الموضوعية والإمكانات الذاتية، وتسليط ضوء المراجعة والنقد على تلك الحصيلة بغية تبيُّن مَوَاطن النجاح وأسبابه، ومَوَاطن الفشل وعلله. ولا ينبغي لمثل هذا التمرين الفكري، الضروري والحيوي، أن يكون موسميًّا، أو أن يخْضع لجدولةٍ حزبية مناسباتية، كالمؤتمرات أو الانتخابات أو ما شاكل، وإنما ينبغي أن تَهْجِس به الحياةُ السياسية التقدمية، باستمرار، وأن تُفْرَدَ للاعتناء به أوسعُ المساحات الإعلامية والفكرية والثقافية في مؤسساتها الحزبية. وإذا كان ذلك ممّا يَصْدُق في الأحوال العادية للعمل السياسي، فكيف في لحظات الكَبْو والأزمة التي قد تُلِمّان به، مثلما هي حالهُ اليوم؟ لا تعود المراجعة، في مثل هذه الأوضاع، حاجة ضرورية فحسب، بل فريضة سياسية يتوقف حُسْنُ التصرف في المستقبل على أدائها.
على أن المراجعات المطلوبة، اليوم، ليست تقتصر، ولا ينبغي لها أن تقتصر، على الخيارات واليقينيات السابقة، التي قام عليها عملُ اليسار المغربي في العقود الأخيرة، وإنما يتوجب صرْفُها إلى ما سَكَت عنه، أو أغْفَلَهُ، أو طَرَحَهُ جانبًا، لسوءِ تقديرٍ منه لأهميته؛ وذلك بهدف إعادة تسليط الضوء على هذا المنسيّ والمُهْمَل، وإعادة استدخاله في منظومة العمل السياسي التقدمي وخياراته البرنامجية، بعد أن أكّدتِ التطورات مركزيته في الحياة العامة، وخطورة أيِّ إعراضٍ عنه.
3. في جدلية الإصلاح والثورة. من الآيات الفارقة في مسار اليسار بعامة، واليسار المغربي بخاصة ،الموقف المبدئي، الفكري والسياسي، من ماهية التغيير ومن أسباب التوسل إلى السلطة، السلطة السياسية بالأساس. ومن بين الدواعي الرئيسية إلى تشكل اليسار الجديد، في السبعينيات من القرن المنصرم، وإلى انسلاخه عن الأحزاب الأم، الإقرار بلا جدوى السبل الإصلاحية، وبعقم الأشكال الديمقراطية والسلمية، وقصورها في إحداث التغيير، وفي إبدال نمط الحكم. وغني عن البيان أن الجنوح إلى “الاختيار الثوري”، في ذلك الإبان، كان يقابله جنوح، لا يقل حدية، نحو الاستبداد والتغول والتفرد بالسلطة؛ كما أن هذا النزوع كانت تمليه، في أغلب البلدان النامية، “حتمية تاريخية”، و”شرعية أخلاقية”، مؤسسة لمنظومة “العنف الثوري”، مسنودة بتأول “شيماتيكي” للمتون الماركسية، اللينينية على وجه التحديد،.
ومن النافل القول إن المد الذي عرفه اليسار الراديكالي سوف يأخذ في الانحسار، تنظيميا، بفعل حملة الاجتثاث المنهجية، وتحت وطأة القمع الذي وسم ما بات يعرف ب “سنوات الرصاص”. كما أنه، أي اليسار الراديكالي، سوف يمعن في التراجع والارتداد على المستوى الإيديولوجي والفكري،  وذلك في ظل “المسلسل الديمقراطي” الذي انطلق أواسط السبعينيات، بتساوق مع القضية الوطنية المستوجبة لحد أدنى من الإجماع الشعبي ومن الانفتاح السياسي. ومع جنوح النظام إلى اقتسام السلطة، وإلى اعتماد المنظومة الديمقراطية آلية ومأربا للتدافع السياسي والإيديولوجي، أمسى المضي في “النضال الديمقراطي”  أقل كلفة، مقارنة مع مسالك القوة، وخيارات “مسح الطاولة”.
غير أن رهان النضال الديمقراطي ما ينفك يتراوح بين مقاربتين مختلفتين : الأولى ذات منحى إطلاقي، وتروم اختراق “البنية العميقة” للدولة، الموسومة ب “الدولة المخزنية”، واستبدالها، أفقيا وعموديا، ب “بنية مؤسسية” بديلة، متخلصة من الشوائب التقليدية العتيقة، ومن الأدران الاستبدادية. أما الثانية، فإنها تسعى إلى إعادة هيكلة شاملة لمفاصل الدولة، بأقل التكلفة، عن طريق التدرج السلس للإصلاحات وتأثيل المكاسب، والمضي ب”دمقرطة الدولة ودمقرطة المجتمع” نحو الأفضل والأمثل.
 وأكبر الظن أن التحولات التي نضحت بها الساحة الدولية، في أعقاب سقوط جدار برلين، والتي غمرت، من بين ما غمرت، الأنساق الإيديولوجية، والبنى الفكرية، ساهمت في الحد من أسباب التضارب والتباعد بين المقاربتين، الإصلاحية من جهة، والجذرية أو الثورية من جهة أخرى. ذلك أن المنظومة الديمقراطية أضحت مستوعبة لجميع ضروب الصراع، السياسية منها والاجتماعية والثقافية، كما باتت مستوفية لشروط التدافع، بوسيلة الاقتراع الشعبي، حول السلطة، والتداول على الحكم، بين الأحزاب والنخب.
وبالرغم من التباين في المواقف، بين فصائل اليسار، حول تجربة “التناوب التوافقي”، فإن الإصلاحات التي تمت في الميدان الاقتصادي، وفي مجالات تخليق الحياة العامة، و تدبير السياسات العمومية، وتطوير منظومة حقوق الإنسان، تمكنت من تحقيق جملة من النتائج لا يسع المرء سوى الإقرار بها، وذلك بالرغم من محدودية “الهوامش الديمقراطية” التي أتاحتها.
 وحتى نكون منصفين إزاء الموقفين السياسيين معا، فإنه من اللازم الإشارة، ولو بإيجاز شديد، إلى ملاحظتين عامتين :
– الأولى تتعلق بالسقوف والتخوم التي تنتظم ضمن نطاقها النزعة الإصلاحية وتشتغل ديناميتها. ففضلا عن الحدود الأصلية، الدستورية بالأساس، فإن الشروط الحقيقية هي تلك الثاوية في موازين القوة، التي يعتمل بها المجتمع، وتلك المرتبطة بالقدرات المقارنة للفاعلين السياسيين، وبدرجة الوعي، الفردي والجماعي، لدى المجتمع المدني، وبمنسوب التطور المؤسسي في مفاصل الدولة العميقة، إلى غير ذلك من القيود الموضوعية الضاربة في التاريخ. هل كان في مقدور تجربة التناوب التوافقي، وهي، كما نعلم، لا يمثل اليسار فيها سوى بعضا من كل،  نقول، هل كان بمقدورها أن تمضي بالإصلاحات إلى أبلغ مما بلغت، وأن تمعن بالفعل الإصلاحي، السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، إلى أكثر مما يستطيع؟ أم أن غياب الشروط الدنيا، المؤسسية والسياسية، لإحداث التغيير المنشود كانت كافية للامتناع عن خوض التجربة، وأن القبول بالغيض، من فيض الإصلاحات المطلوبة، ليس يؤدي  سوى إلى  مماطلة الأزمة، والتخفيف من حدتها لصالح قوى اليمين على حساب قوى اليسار.
– الثانية تتعلق ب”واقعية” الفعل الثوري، وبمنسوب احتمالية حدوثه في شروط تتسم، على المستوى الوطني، بضعف العدة التنظيمية وبضيق الموارد الفكرية والبرنامجية، وبمحدودية التعبئة الجماهيرية. كما تتسم، على المستوى الدولي، في ظل هيمنة “الامبراطورية الرأسمالية” الجديدة، بميكانيزمات جيواستراتيجية، معقدة ومتشابكة، منها الخفي ومنها السافر، تعمل على التحكم في أشكال الممانعة والصراع والانتفاض، وعلى ضبط المد الجماهيري والالتفاف على الطفح الثوري. هل كانت الشروط العامة، التي تمت فيها صياغة التناوب التوافقي، “لحظة ثورية” من ذلك الضرب الذي يتحين التاريخ ويتصيد بين الفينة والأخرى؟ هل كان من الأجدى أن يظل اليسار، برمته، قابعا في خندق المعارضة، متمسكا بموقف الممانعة واللامشاركة، إلى أن تأتي الرياح بما تشتهي السفن، ويطيب القطاف؟ لا نملك الجواب على هذا السؤال، ونترك الفصل في ذلك للتاريخ، وللمراجعات التي على مكونات اليسار، من أحزاب وفصائل وتيارات، القيام بها.
ومع تواتر الأحداث والتحولات، غير المسبوقة، التي عرفها العالم العربي مع مطلع العام 2011 ، استعاد مفهوم الثورة معناه ومبناه، سواء من حيث الحشد الجماهيري العفوي والمتناسل، أو من حيث الطبيعة الراديكالية للأهداف والشعارات،  أو من حيث التوهج في التظاهر والإبداع في التعبير. وبدون الدخول في تفاصيل الأحداث التي ما تزال تلفها العتمة، بالإمكان اعتبار مشهدين مختلفين من مشاهد التغيير كما يتراءى ذلك إلى الآن : الأول من طينة ثورية، وهو لا يخلو من مظاهر العنف والفوضى والتسيب قد تصل إلى شفة الاحتراب، كما هو الحال في سوريا إلى الآن وفي ليبيا قبل. أما الثاني فهو من النوع الإصلاحي، المعتمد على استيعاب المرحلة التاريخية واستباق المطالب الشعبية وإبطال فتيل التجابه والتطاحن، وهو أيضا من النوع المتوسل بالمنهجية التفاوضية والتوافقية وبالأسلوب الناعم والتدريجي لإحداث التغيير وإنفاذه. الأول “تأسيسي”، يصدر من فراغ دستوري وتشريعي، ويتوخى القطع مع أنظمة الاستبداد والاستحواذ على السلطة. الثاني انتقالي وتراكمي، ينتهز “الفرصة الثورية” ويوظفها للدفع بعجلة الإصلاح والارتقاء بالمنظومة الديمقراطية نحو الأفضل. الأول لا تملك فيه قوى التغيير سوى سلاح الثورة لإنهاء الاحتقان والانسداد. الثاني يحوي هوامش للتمثيل السياسي والنقابي، وفضاءات للإحتجاج المدني، وللتعبيرالثقافي، ومسارب للفعل الديمقراطي المتعدد والمتنوع.
 ونكاد نجزم بأن “الاستثناء المغربي” – إذا ما تأكدت الفرضية – لا يعود سوى إلى إمعان كل من  المؤسسة الملكية والأحزاب التقدمية، اليسارية منها على وجه خاص، في اعتماد قاعدة التوافق والتراضي كآلية منهجية ل “التأسيس” لشروط الانتقال الديمقراطي، في أفق استنبات نمط من أنماط “الملكية البرلمانية”. هذه النتيجة المرحلية، التي ينظر إليها البعض مثلما ينظر إلى كأس الماء، لابد أنها حصيلة تكثيف وتوليف لسنوات من التدافع الإيديولوجي والسياسي، بين مكونات اليسار، الثورية منها والإصلاحية على حد سواء، الجذرية منها والديمقراطية، أبلى خلالها هؤلاء وأولائك أحسن  البلاء، لا تمييز فيها لأحد على أحد، ولا فضل فيها لفصيل على آخر.
إن ما يطبع، في آخر التحليل، الذات اليسارية، فكريا وسياسيا وثقافيا وأخلاقيا، هو، بامتياز، ذلك التعدد في النشوء والتكوين، وذلك التنوع في الروافد والينابيع. إلا أن الإنجازية التاريخية لقوى اليسار لا تتم، حينما تتم وحيثما تتم، سوى بتوحد الذات وباستجماع القوى، كل القوى، وباستثمار”القواسم المشتركة” وترجيح كفتها على كفة التفاصيل، حيث تقبع الشياطين، التي تذهب جفاء. الأمر الذي يعني، من منظور هذا البيان، صرف النفس الثوري في تعزيز الفعل الإصلاحي، والارتقاء به، وتحصينه ضد النزوعات الانتهازية والتخاذلية من جهة، وضبط الجنوح الثوري و صونه من “الأمراض الطفولية”، اليسراوية أوالعدمية، من جهة أخرى.    
4. في تساتل الخيارات الاقتصادية. أضفىالتوحد والتكتل، الذي أومأنا إليه قبل، لقوى اليسار، الثورية منها والديمقراطية، ما نخاله نسبة معتبرة من الانسجام الإيديولوجي والسياسي على المشروع الاقتصادي والاجتماعي للحكومة الوطنية والتقدمية التي تم تنصيبها مع بداية الاستقلال. لقد جاءت الصيغة البرنامجية للمشروع – الذي تم إجهاضه، كما نعلم، بعد عام ونصف فقط من تنفيذه – شاملة لجملة من الأهداف التي كانت تولف بين الاستراتيجي البعيد المدى، وبين الظرفي القصير المدى؛ بين الاقتصادي والمالي الكمي، وبين الاجتماعي والثقافي النوعي؛ بين الماكرواقتصادي والإجمالي، وبين الميكرواقتصادي والوحدي؛ بين الارتكاز على الذات ومد أسباب الاستقلال الاقتصادي الوطني وبين التحكم في الانفتاح الدولي والحفاظ على الأسواق الخارجية وعلى الاستثمار الأجنبي. وسوف نرى أن هذه الخيارات تكاد تظل، في الجوهر، منتصبة وراهنة وهي، إلى الآن، ما تزال مستعصية على الإدراك.
وبالنظر إلى السياقات العامة، الباراديكمية والإيديولوجية، السائدة آنذاك في بلدان العالم الثالث، فإن السياسات الاقتصادية ذات التوجه التقدمي، كانت، في الأغلب الأعم، تصدر عن النموذج الكينزي، وهو النموذج الذي يقوم، بالأساس، على تدخل الدولة عن طريق السياسات النقودية والمالية والموازناتية. أما الخيارات البنيوية فكانت تذهب إلى أبعد من ذلك، حيث كانت تشمل مجالات الإصلاح الزراعي والتصنيع الثقيل والتخطيط وتطوير القطاع العمومي وتوسيع السوق الداخلي وإعادة توزيع المداخيل، إلى غير ذلك من البنيات الارتكازية التي تدعم الاقتصاد الوطني وتعزز استقلاليته.
كان اليسار، بأغلب مكوناته، متواطئا على جوهر تلك الخيارات. فهي تكاد تشكل الشرط الأصلي، والحد الأدنى من التراكم الضروري، للارتقاء بقوى الإنتاج، ولبناء علاقات اجتماعية متكافئة، وخالية من كل أنواع الاستغلال والإخضاع. وبينما كان “التناقض الرئيسي” يكمن، بالنسبة إلى البعض، في ثنائية البنيات الاقتصادية، الموروثة عن سنوات الحماية، وانقسامها إلى قطاع مهيمن، رأسمالي وعصري، ومتقدم من حيث قوى الإنتاج وأنماط التدبير؛ وقطاع ينوء بالتخلف،  تغلب عليه العلاقات التقليدية وشبه الإقطاعية؛ وهو الأمر الذي يستوجب، من ثمة، نهوضا موصولا بالعالم القروي، وتقوية لمفاصل الاقتصاد الوطني، وسعيا مطردا إلى تبديد علاقات التبعية. في المقابل، كان البعض مستمسكا أشد ما يكون الاستمساك بخيار “فك الارتباط”، وتحييد الأسباب السياسية المنتجة ل “لاستعمار الجديد” ، مسنودا في ذلك فكريا بنظرية “التبعية” و”المركز والمحيط”.
ولاشك أن المكاسب المعتبرة التي تحققت، في البلدان المتقدمة بالخصوص، بفضل “الالتقائية الماكرواقتصادية” حول السياسات العمومية الكينزية والفوردية، ساهمت، إلى حد كبير، في تعزيز المنظومة الإجرائية الرامية إلى ضبط “الجموح اللاعقلاني” للرأسمالية عن طريق تطوير الأدوات المؤسسية وإخضاع أنماط الإنتاج والتبادل، الماكرو والميكرواقتصادية، للترجيح وللتقدير السيادي للدولة.
لم يستفد المغرب، كما هو معلوم، من “الالتقائية الماكرواقتصادية”، التي عرفتها الرأسمالية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين، وهو ما سوف يترتب عنه تفويت لهوامش من حقه السيادي في بلورة سياساته العمومية وفي تحديد أولوياته، ورضوخ لإملاءات المؤسسات المالية الدولية. وفي الحقيقة فإن اليسار كان قد تصدى في حينه، بكل قواه ومن مختلف مواقعه، ل “برنامج التقويم الهيكلي”، ولتداعياته الكارثية على الأداء الاقتصادي والاجتماعي الوطني. وهو التصدي الذي أسفر عن دينامية، سياسية ونقابية ومدنية، أثمرت، من بين ما أثمرت، صيغة “الكتلة الديمقراطية” التي كانت الأحزاب التقدمية تشكل نواتها الصلبة.
 وعندما جاءت، في التسعينيات من القرن الماضي، دعوة الأحزاب الديمقراطية إلى المشاركة في الحكومة، على قاعدة ما سمي ب “التناوب التوافقي”، لم ينشأ الخلاف عن طبيعة البديل الاقتصادي والاجتماعي، لتفادي “السكتة القلبية”، بقدر ما نشب حول “الشروط السياسية للمشاركة”، التي كان يرى المعارضون من اليسار أنها أعجز عن إحداث التغيير المنشود.
جملة القول إن ثنائية التوحد (في المعارضة) والتجزؤ (عند المشاركة) ، التي تكاد تختزل تاريخ اليسار في بلادنا،  لم يعد لها مسوغ اليوم ؛ ذلك أن المتوحد في الخيارات الجوهرية وفي الآليات الإجرائية باتت موازينه أثقل وأرجح من المتفرد، كما تومئ إلى ذلك العناوين الناتئة لبرامج اليسار، باختلاف أطيافه : النهوض بالتنمية المستقلة ؛ تعظيم التراكم وتثمير الفائض الاقتصادي؛ تقوية مفاصل الإنتاج الصناعي؛ إنجاز الإصلاح الزراعي وتوفير الأمن الغذائي؛ تحقيق العدالة الاجتماعية وإحداث التوازن الترابي؛ تعزيز الاستثمار العمومي وتطوير البحث العلمي والإبداع التكنولوجي؛ تلبية الحاجيات الأساسية وتمكين القدرات البشرية؛ التخطيط الاستراتيجي وضبط أداءات السوق؛ التدبير الرشيد ومكافحة الفساد واقتصاد الريع؛ الاستغلال الأمثل لنوافذ العولمة.
إننا بهذا الاستقراء السريع، الذي لا يخالجنا شك في أنه في حاجة إلى مزيد من التعميق،  لا نروم الاستصغار من أوجه الاختلاف الفكري بين مكونات اليسار، بقدر ما نسعى إلى لفت الانتباه إلى دينامية التفاعل بين أخلاقية الإقدام الثوري ومثالية مراميه، وبين ما يتعين من اعتبار لميزان القوى ومن احتساب لإكراهات الواقع الملموس، عند تحمل المسؤولية في وضعية سياسية لا يكون اليسار يشكل فيها، بالضرورة،  الأكثرية الانتخابية.  إننا نكاد نجزم بأن القوة الثورية كامنة في الفعل الإصلاحي، الذي لا يملك بدوره سوى أن يتعزز أداؤه، وينفذ إلى أعمق وأبعد، متى استظهر بشروط الوحدة والتكتل على أسباب التشظي والتشرذم كما هو عليه الحال اليوم.
من هنا يأتي إصرارنا، في هذا البيان، على وجوب الوحدة، ليس فقط لإيناع شروط الحدوث، بل وأيضا لعبثية التهالك في  الممانعة، والحرث في الماء.
5. في رأسمال المسألة الاجتماعية. لا نضيف جديدًا إنْ قلنا إنَّ أمْيَزَ ما ميَّز اليسار في بلادنا، واليسار في كل مكان، إحْلاَلَهُ المسألةَ الاجتماعيةَ محلّ المركز والقاعدة الارتكازية في مشروعه السياسي. كان ذلك ما انفرد به وتمايز عن سائر القوى السياسية في المجتمع، وما منح مشروعه صدقيةً وبُعدًا إنسانيًّا عميقًا، وما صَنَع له في الناس هيبةً ونفوذًا، وأنتج له قاعدةً اجتماعية معتَبَرة. ويكفي أنه ظل يستطيع، لأربعة عقود، أن يقود الحركة النقابية، العمالية والمهْنية، في البلاد، وأن يَلْحَظ لها دورًا رئيسًا في النضال السياسي العام، وأن يحرِّك جبهتها النضالية في الظروف التي يصاب فيها العمل السياسي بالقمع والتضييق، حتى لا يصيب الحَرَاك الاجتماعي ركودٌ، أو تتبدَّد مكتسباتٌ تَحَصَّلتها القوى التقدمية بجسيم التضحيات. هذا دون حسبان ما كانت تنهض به صحافتهُ، ومجلاّتُه، وأقلامُه، من أدوارٍ بالغة التأثير في مضمار تظهير مركزية المسألة الاجتماعية في المشروع السياسي، وموقعيَّتِها في رهانات التقدم.
غير أن اليسار سرعان ما فَقَد، أو أَفْقَدَ نفسَه، امتياز هذا الرأسمال السياسي (رأسمال المسألة الاجتماعية) الذي كان له، وذلك حين ألفى نفسه مندفعًا نحو تنزيل مطالب وأهداف أخرى منزلة الأسّ والجوهر من برنامجه، منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في أعقاب انهيار “المعسكر الاشتراكي” وتزايُد التشديد على مركزية الديمقراطية والليبرالية، وخاصة منذ نهاية عقد التسعينيات الماضي وتشكيل حكومة “التناوب التوافقي”. وكان من تبعات ذلك التفريطِ بالمسألة الاجتماعية فقدانُ الموقع الذي يخاطب منه اليسارُ جماهير الشعب، ومطالبَهم، وتضاؤلُ تأثيره السياسي في المجتمع، وتراجعُ قاعدته التمثيلية والاجتماعية، ناهيك بانهيار الحدود والفواصل بينه وبين قوىً أخرى تُزَاحِمُهُ في الطلب على الديمقراطية ! ولقد بات في حكم المعتاد أن يُعْرِض خطابُه السياسي عن الحديث في الاشتراكية، بما هي مشروعه الذي أنجبَهُ وبه بنى شرعيته، في مقابل إفراطٍ في استهلاك مفردات أخرى في قاموس السياسة السَّيَّار.
إن الخسارات الثقيلَةَ التي مني بها اليسار المغربي، وكلَّفته غراماتٍ باهظةً من دوره ووزنه، جرّاء تفريطه المجاني برأسماله السياسي التقليدي (=المسألة الاجتماعية)، يفرض عليه، اليوم، إعادة نظر جذرية في خياره الجديد، الذي سار فيه منذ عقدين، وخاصّةً بعد أن تبينت حدودُهُ المتواضعة جدًّا، وتبيَّن معها أن الديمقراطية – بشروطها وقواعد لعبتها الحالية – حمَّالةُ أوْجُه! وليس معنى ذلك أن عليه أن يتراجع عن التمسُّك بالديمقراطية خيارًا ورهانًا، وإنما نريد بذلك التنبيه إلى أن الديمقراطية، الجديرة بمشروع اليسار، هي التي تَحْمل مضمونًا اجتماعيا-شعبيا وتقترن به، أي هي الديمقراطية التي تتلازم مع الاشتراكية بوصفهما مشروعًا واحدًا، في مقابل ديمقراطية تعتنق الليبراليةَ عقيدةً، وهي السائدة في وعي النخب السياسية المغربية حتى يوم الناس هذا. وليس من مدخلٍ إلى هذا التجديد في الرؤية البرنامجية لليسار، وللمسألة الديمقراطية فيها، إلا بإعادة تكريس المسألة الاجتماعية، في هذه الرؤية، بما هي أمّ المسائل في السياسة، والتي من أجلها أبدعتِ الإنسانية كلّ أشكال التغيير الممكنة (الثورة، الديمقراطية، الإصلاح) لتوفير الجواب عنها.
6. في الترابط الجدلي بين الأهداف. هيمن، في تاريخ الحركة الوطنية والتقدمية المغربية، منذ سنوات الثلاثينيات، منطق عقائدي – تعاقبي في النظر إلى أهداف العمل السياسي، في كل مرحلة من مراحله ومنعطفاته الكبرى؛ وبمقتضى ذلك المنطق، وتحت وطأة أحكامه، انتقل الوعي السياسيّ الحركي من التمركز على فكرة الاستقلال الوطني، إلى التمركز على فكرة الاشتراكية كأفقٍ للتغيير الاجتماعي- السياسي، فإلى التمركز على الفكرة الديمقراطية كشكلٍ للتغيير ومضمونٍ لنظام الدولة. ولقد سيطرت كل فكرةٍ، من هذه الأفكار الثلاث، في حقبةٍ معلومة من تاريخنا، وإن كان لسيطرتها كثيرٌ ممّا يبرّرها. لكن الفكرة الواحدة تصادمت مع غيرها، وتنزّلتْ بوصفها كلمة السرّ، والمفتاح الوحيد للتاريخ؛ هكذا حوصرتِ الفكرةُ الديمقراطية (= الشورية) بدعوى أن المعركةَ معركةُ استقلالٍ وطني. وشيَّع اليسارُ الماركسي الفكرة الإصلاحيةَ الحزبية بدعوى أن نضالات الشعب فتحت أفقًا أمام الاشتراكية. وأهال دعاة الديمقراطية والليبرالية والمجتمع المدني الترابَ على الاشتراكية والعدالة الاجتماعية بدعوى أنها فكرة طوباوية وأن الممكن الوحيد هو النظام الديمقراطي.
ولم يكن أيٌّ من الأفكار الثلاث خاطئًا، أو مغلوطًا، أو مفتَعَلاً؛ فالبلاد عانت من ثالوث الاحتلال، والاستغلال، والاستبداد. وكان من الطبيعي أن يرُدَّ عليه العمل الوطني بالفكرة الوطنية، والفكرة الاشتراكية، والفكرة الديمقراطية. ولكن، بينما كان هذا الثالوث متزامنًا ومتلازم الحلقات والأبعاد، كان الردّ الوطني والتقدمي واليساري عليه متعاقبًا وغيرَ متلازِمٍ ومتزامنٍ إلاّ في القليل النادر من الأحوال. وكان ثمن ذلك فادحًا على صُعُدٍ عدّة : على صعيد العلاقة بين القوى الحزبية، التي اصطرعت على حدود “الفارق” بين إيديولوجياتها، متمترسة وراء مطلبها الواحد الوحيد. وعلى صعيد زمنٍ سياسيٍّ وقَع هَدْرُهُ وهَدْرُ فرص استثماره لخفض كلفة التضحيات. ثم على صعيد تبديد إمكانية بناء رؤية برنامجية شاملة وتركيبية، للعمل السياسي التقدمي، من موادَّ توفرت في ساحة الإنتاج الفكري، الوطني والعربي.
إن الاقتران بين المسألة الوطنية والمسألة الديمقراطية، مثلاً، لم يتولّد في الوعي السياسي إلاّ متأخرًا؛ في سياق انطراح قضية الصحراء في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي. أما الاقتران بين الديمقراطية والاشتراكية، فلم يتحقق برنامجيًّا –على الوجه الصحيح – وإن كانت بداياتُه قد أرهصت منذ نهاية عقد السبعينيات. وربما كان لانهيار ما سمّي ب”المعسكر الاشتراكي” أثرُ العائقِ أمام ذلك الاقتران بين هدفين متلازميْن بالطبيعة، وإنْ فكَّتِ الصدفةُ التاريخية السيئة الارتباطَ بينهما : بين الاشتراكية، بما هي التوزيعُ العادل للثروة، وبين الديمقراطية، بما هي التوزيع العادل للسلطة. أما اليوم، فمِنْ أسفٍ أن الاقترانَ الوحيد، في خطاب اليسار، هو الاقترانُ بين الديمقراطية والليبرالية؛ وهو الاقتران الذي دَفَع ثمنه في تجربة التناوب، ويدفعه اليوم خارج السلطة.
إن الرؤية الفكرية- السياسية- البرنامجية، التي ندعو إليها في هذا البيان، هي التي تجمع جمعًا خلاَّقًا – جدليًّا وتركيبيًّا – بين أهداف لا تَقْبَل الفصل بينها؛ إمَّا لتجاوُرها التلازميّ كأهداف نبيلة متضايفة، أو لموضوعيتها وتاريخيتها كمطالب حيوية تفرضها تحديات الواقع الموضوعي، أوْ لهما معًا. لا بدّ لخطاب اليسار أن يتسع لهذه الأبعاد كافة، وأن لا يُقَايِضَ بعضها ببعض، لأنها متداخلة ومتزامنة. وهذا وحده يوفّر له إمكان الصيرورة خطابًا تاريخيًّا- تركيبيًّا.
 
7. في استدخال الشأن الديني. مع أن جذور الحركة الوطنية المغربية تمتد في البيئة العلمية الدينية؛ حيث الرعيل الأول من قادتها كان من علماء الدين ومن خريجي المعاهد الدينية (جامعة القرويين، جامع بن يوسف)، ومع أن اقتران الفكرة الوطنية بفكرة الجهاد ضد المستَعْمِر من حقائق تاريخنا الحديث، بين ثلاثينيات القرن الماضي وخمسينياته، ومع أن اليسار، الناشئ في رحمها منذ نهاية عقد الخمسينيات ذاك، ورث عنها كثيرًا من ثقافتها وقيمها والملامح، إلاّ أن الدين والمسألة الدينية لم تحتلا في برنامجه السياسي وعمله المكانَةَ التي كان يُفْتَرَض أن تحتلانها فيه، تَنَاسُبًا مع مكانتها في المجتمع ومؤسساته وعلاقاته، وفي ثقافة الشعب الجمعية. ومع كرور الأيام، زاد تجاهل المسألة الدينية،  بما هي مسألة اجتماعية وثقافية، وخاصة بعد ميلاد اليسار الماركسي، وجنوح اليسار الاتحادي نحو الخيار الاشتراكي في منتصف السبعينيات.
وإذا كان يسعُنا، اليوم، أن نعزُوَ أسباب ذلك التقصير الفادح في استدخال المسألة الدينية في اهتمامات اليسار، إلى بيئة موضوعية -وطنية وعربية وعالمية – هيمنت فيها ثقافةٌ وضعانية وعلموية، لم تكن تُفْرِد للدين مساحة، حتى لا نقول إنها طمَسَتْهُ من منظومة عوامل الاجتماع السياسي ودينامياته، وهيمنت فيها ثقافةٌ سياسية مدنية لم تكن تخلِط بين السياسيّ والدينيّ أو تهدر الفواصل بينهما، فإن الواجب والأمانة يدعواننا، اليوم، إلى نقد تلك الخيارات بعيدًا عن أيّ منزِع إلى التبرير، خاصة وأنّ مساحةَ الذاتيِّ فيها كانت عالية، وقابلة للملاحظة بيُسْرٍ شديد (النزعة العلمانوية المغالية، التغريب واحتقار التراث بدعوى الحداثة، الجهل المُطْبِق بالتاريخ الديني والثقافي للشعب والأمّة، سيطرة النخب الفرنكوفونية على مؤسسات الدولة وعلى القرار الحزبي في معظم الأحزاب). ويؤسّس شرعيةَ هذا النقد، اليوم، المآلاتُ الفادحة التي آل إليها الدين في الحياة السياسية – والتعليمية والثقافية – بعد أن وقع التفريط به كموضوع اهتمامٍ جمْعي، وتُرِك أمرُه لقوىً وجماعاتٍ اهتبلَتْ فرصة اللامبالاة بالمسألة الدينية، لتتصرف في شؤونه تصرُّف المالك الأوحد والناطق الرسمي !
اقترف اليسار خطأً قاتلاً حين انصرف عن موضوع الدين، في غمرة اندفاعه وراء نظرة وضعانية وعلمانوية، تاركًا إياه للتقليديين من الأصناف والمراتب كافة. وكان، في انصرافه ذاك، يسلّم – أو يكاد – بأن هذا شأن آخرين غيره، فكانت النتيجة أن هذه الملْكية الجماعية تحوّلت إلى أحكارٍ استحوذت عليها جماعاتٌ معلومة، وصادرتْها، وقدّمت عنها روايتها الخاصة، واشتغلت على تعميمها بوسائط الترويج كافة، وصولاً إلى إصابتها نصيبًا في استثمار الرأسمال الديني في العمل والمنافسة السياسيين.
وإذا كانت الأمانة تقتضينا الاعتراف بأن باحثين وأكاديميين مغاربة تنبهوا، منذ وقت مبكر (نهاية الستينيات) وعلى امتداد العقود الأربعة المنصرمة، إلى مركزية مسألة الدين والتراث الإسلامي في الفكر والاجتماع، وقدّموا مساهماتٍ معرفيّةً عميقة في إعادة قراءة تاريخه بمناهج جديدة، وكرسوا تقاليد علمية في مقاربة مسائله، وحَفَزُوا جمهورًا لا بأس به من الطلبة الباحثين على الانهمام بالموضوع، والاشتغال العلميّ عليه، إلاّ أن آثار ذلك لم تتبيّن، بعد، في البيئة السياسية لليسار؛ إذْ بسببٍ من هشاشة بنية الاستقبال وخوائها في تلك البيئة، لم يقع توطين مكتسبات الدرس الأكاديمي في الوعي السياسي لليسار، الذي ظل سادرًا في سُباته، مكتفيًا بلوْك يقينياته السابقة، إلى أن فاجأتْهُ التطورات بما لم يَشْتَهِ.
ولقد آن أوان تدارُك هذا الإهمال الخطير لموضوع الدين، بما هو طاقة اجتماعية ورأسمال حركيّ في الحياة العامة. وليس معنى ذلك أن على قوى اليسار أن تَلج مجال المنافسة على استخدام الدين في السياسة، وإنما عليها – من أجل الحدّ من هذا الاستخدام المفرط – أن تنشر في أوساطها، وفي الجمهور الاجتماعي الأوسع، ثقافةً عقلانية وتنويرية في المسألة الدينية، وأن تسخّر إمكانياتها الإعلامية والثقافية لهذه الغاية. ومن النافل القول إن عليها إقامة التمييز القاطع بين موقفها من الإسلام، كعقيدة للشعب، وكثقافةٍ وميراث حضاري عظيمين، وبين مماحكاتها الجدالية مع الحركات الإسلامية، لخطورة المماهاة بين الأمرين.
8. في التدارك الثقافي واللغوي. كانت المسألة الثقافية واللغوية، أيضًا، في جملة المُهْمَلات والمَنْسيات من القضايا في عمل اليسار. وحين صَحَا على ضغطها متأخرًا، تصرَّف حيالها بقدرٍ غيرِ قليلٍ من الفلكلورية والمحاباة غير المسؤولة. والمسألة مركَّبة من عامليْن : تهميشُ الثقافيّ، كبعدٍ اجتماعي، ومعه تهميش المثقفين كقوة اجتماعية- سياسية، من جهة، ثم إهمال الرصيد الثقافي واللغوي الأمازيغي في البلاد من جهة ثانية. وإذا كان تراجع مكانة الثقافة والمثقف، في عمل اليسار، من المحْدَثات التي لا تجد لها أصولاً أو جذورًا في تاريخ الحركة الوطنية (التي اعتنت بالأمريْن، وقام على أمرها أهمّ المثقفين المغاربة آنئذ، بين الثلاثينيات وبداية السبعينيات)، فإن تضاؤل مكانة الأمازيغية يضرب بجذوره في حقبة تأسيس العمل الوطني، ويَنْهل من صدفةٍ تاريخية سيئة تحسَّس منها الوطنيون الأوائل، فألجأتْهُم إلى التشديد على عوامل التوحيد، وعدم المبالاة بالتنوّع وبما ينطوي عليه من ثراء. ولقد ورث اليسار رؤية الحركة الوطنية إلى المسألة؛ وكما كانت الأولى مهجوسة بتوحيد الشعب وراء فكرة الاستقلال الوطني، كانت الثانية مهجوسة بتوحيده وراء فكرة الاشتراكية أو التغيير الديمقراطي متأثرةَ، في ذلك، بفكرة المواطنة – في أصولها الفلسفية والسياسية – كرابطةٍ جامعة تَنْحَلّ فيها الهويات الدينية والثقافية واللغوية، الخ. وهو تأثُّر حاصل بصرف النظر عمّا إذا كان موعًى به أو غيرَ موعىً به.
ولقد كان لإقصاء الثقافيّ من الرؤية السياسية، وتهميش المثقفين الأثر المدمِّر في عمل اليسار؛ فقد أفقده الرصيدَ الفكري الذي لا سياسةَ تستقيم من دونه، بما هو معينُها ومصدرُ الرؤية فيها، مثلما أَحْوَجَهُ إلى دور المثقفين، كقوة اجتماعية لا غَنَاء للعمل السياسي عنها، بمقدار ما أقام العوازلَ النفسيةَ والسياسية بين اليسار والمجتمع الثقافي المغربي! وفيما كانت الحركة التقدمية تضج بالمثقفين، وتتزاحم على نشراتها الحزبية والإعلامية قضايا الفكر والثقافة، سنوات الستينيات والسبعينيات، باتت من المثقفين قاعًا صفصفًا، وتوقفت دورياتُها الثقافية والفكرية، منذ ثلاثة عقود، بل انحطّت سويّةُ مناقشاتها الداخلية نتيجة تراجع رأسمالها الثقافي. ولعلّ أسوأ ما نعاينُه، اليوم، (هو) تلك الجفوة الممتدة بين اليسار والمثقفين، في امتداد جفوةٍ أشمل بين المجتمع السياسي والمجتمع الثقافي في المغرب.
آثارُ الإهمال ذاك كانت أفدح على صعيد الثقافة واللغة الأمازيغيتين؛ فلقد قاد الإعراض عن الاعتناء بهذا الموضوع إلى نشأة خطابات ثقافية وإيديولوجية صادمت بين الأمازيغية والعربية، ودقَّتِ الأسافين، داخل الثقافة الوطنية الواحدة، بين مكوّنيْها الرئيسَيْن، وعلى نحوٍ لا يبرِّرُهُ سابقةٌ من التاريخ، أو مصلحةٌ في المستقبل، ولا أيلولةَ فيه إلاّ إلى تمكين لغات أخرى، أجنبية، من استثمار حال الصدام والنزيف اللغويين لفرض سلطانها وسطوتها لسانيًّا على المغرب والمغاربة ومؤسساتهم التربوية والدولتية! ولقد آن لليسار أوانُ تدارُكِ ذلك الإهمال، واستيعاب ذيوله السلبية، بإطلاق استراتيجية عمل ثقافية تستدمج التراث الثقافي واللغوي الأمازيغي – بما هو تراثٌ جمْعيّ للمغاربة كافة – في منظومة الثقافة الوطنية، وتَحْرص على المطالبة بتمكين الأمازيغية من الأدوات الخليقة بتطوير نفسها، مثلما تَحْرص – في الوقتِ عينه – على تصحيح النظرة المطلبية إليها، السائدة اليوم، والذاهبة إلى المصادمة والتوتير، من أجل إنتاج خطاب وطني في الأمازيغية، توحيديّ وتركيبي، ينْشُد التكامل بدل التنافر.
9. في دوائر الهوية والانتماء. من أهم خصائص اليسار فيما مضى أنه كان شديد الارتباط و التفاعل مع القضايا العربية الكبرى، وكان رديفا قويا ومشاركا نشيطا في حركة النهوض القومي التقدمي التي شهدها العالم العربي فيما قبل هزيمة 1967.
وحتى بعد وقوع الهزيمة استمر اليسار على مواقفه ورؤيته القومية التقدمية فاعلا وحاضرا؛ بل يمكن التأكيد على أن الهزيمة برجتها الوجدانية القوية أحدثت نقلة نوعية في الوعي القومي لدى الشعب المغربي عامة، ولدى يساره خاصة. وجاءت الثورة الفلسطينية لتكون الركيزة الدينامية لهذه النقلة التي عمت وغيرت مواقف فئات جديدة من النخبة، كانت في غربة وعزلة، كما زجت بجماهير شباب تلك المرحلة في رحاب النضال القومي.
واللافت أن اليسار المغربي لم ينشغل في تلك المراحل بالتأسيس النظري لرؤيته القومية الوحدوية، وإن تأثر بعضه بالتنظيرات الواردة من الشرق العربي، و بالذات تلك التي جاءته من المدارس ذات الإيديولوجية الاشتراكية. وما كان هذا الشح في التنظير، كما هي السمة العامة في ممارسة اليسار المغربي، ينم عن ضعف في قناعته القومية و لا في صلابة اختياره الوحدوي.
وبوجه عام، يمكن الذهاب الى أن الاتجاه الغالب لدى اليسار، في تعاطيه مع العديد من القضايا النظرية الاشكالية في الشرق العربي، كان أميل الى العفوية البراغماتية التي تضبطها الواقعية، والمصالح المشتركة، والآفاق المستقبلية. فالعديد من القضايا، التي كانت مدار خلاف تنظيري في الشرق العربي، كانت بالنسبة لليسار المغربي، لظروف خصوصية موضوعية، بمثابة مسلمات لا تحتاج منه الى برهان نظري، ومن أهمها العلاقة الايجابية بين العروبة و الإسلام، والمكانة الفاعلة للدولة القطرية في الصيرورة الوحدوية، والدور الحاسم للتنمية الاقتصادية المشتركة في العملية الوحدوية.
وهكذا :
– ما كان اليسار المغربي يرى تناقضا بين وطنيته وبناء دولته الوطنية الديمقراطية، وبين الاتحاد المغاربي وصولا به الى اتحاد عربي أشمل.
– وما كان يرى تناقضا بين انتماء المغرب الى مجاله الثقافي و الحضاري العربي الاسلامي، وبين مكونه الهوياتي الأمازيغي، وانتمائه لدوائر أخرى إفريقية ومتوسطية.
 – وما كان يرى في الأمة العربية إلا إمكانا مستقبليا، كأمة حديثة، غير ماهي عليه من عوامل موحدة موروثة ولكنها جامدة أو غير مفعلة.
– وما كان يرى في الاقتصاد المشترك والديمقراطية والتحديث الثقافي والاجتماعي والاتحادات الجهوية والواقعية التدرجية عوامل ثانوية يمكن القفز عليها في بناء الاتحاد مغاربيا أو عربيا.
القومية اذن ليست، في التحليل الأخير، سوى نضال الشعوب المنتمية للمجال الثقافي الحضاري العربي الإسلامي، بتعددياتها الإثنية واللسانية والدينية والمذهبية، من أجل التحرر والتنمية والتحديث الثقافي والاجتماعي والديمقراطية، بإرادة ووعي وحدويين، وفي عالم غدا و سيغدو عالم التكتلات الجهوية ومافوق الجهوية.
في وضعنا العربي التاريخي، ليس للوعي الوطني إلا أن يكون مقرونا بالوعي القومي، وإلا انحط الى “عصبوية محلية” لا تختلف في شيء عن العصبيات الطائفية والإثنية والمحلية التي تعشعش بين ظهران الوطن الواحد.
ولذلك فاليسار مدعو الى أن يتمسك، أولا، بما كان عليه تاريخيا من تفاعل الوعي والممارسة تجاه قضايانا العربية الكبرى. وهو مدعو، ثانيا، الى تعميق وعيه النظري بالمسألة القومية. إن عفويته السالفة، بالرغم من حسه وميولاته العقلانية، لا تعفيه من المراجعة النظرية لمسلماته بطرح فكري متين و برؤية استراتيجية قومية شاملة، خاصة و أن ميولات أخرى مضادة تنمو كالفطر، مستغلة حالة الضياع الفكري التي تغذيها إيديولوجيات برانية معادية، ومخلفات أربعة عقود متصلة في تكريس الانكفاء القطري لأنظمة عربية آيلة الى السقوط، لكنها أنتجت في النهاية الاستبداد و التبعية المذلة، والتفريط في كل الحقوق القومية، كما فرخت الشروخ والانقسامات المجتمعية ما قبل وطنية في معظم البلدان العربية.
إن مرحلة النهوض الجديدة التي عمت الوطن العربي، وما سيتمخض عنها من تعددية حزبية شعبية في معظم بلدانه، تتيح لليسار المغربي أن يستعيد وهجه القومي الذي كان عليه في معظم تاريخه.         
10. في إثمار شروط “الكتلة التاريخية”. التحالفات الحزبية، إشكالية مركزية في العمل السياسي، التقدمي منه بالخصوص. وكيفما اختلفت مواقفنا وتقييماتنا تجاه الظروف الموضوعية والذاتية التي أفضت إلى التحالفات التي عقدتها بعض قوى اليسار في العقود الأخيرة (الكتلة الديمقراطية، والأغلبيات الحكومية)، فلا أقل من الاعتراف بأن الإبقاء على الكتلة الديمقراطية كتحالف قيادي فوقي، ثم التخلي عنوة عنها، وعلى الرغم من مكاسبها الكبيرة إبان المعارضة، واستبدالها وتذويبها في الأغلبيات الحكومية الهلامية، خشية الإخلال بالتضامن الحكومي، قد أضر أشد الضرر بقوى التقدم، وكان لصالح القوى اليمينية التي نجحت في استثمار أجواء الغموض وخلط الأوراق والقصور لتبقى على مواقعها الاجتماعية والانتخابية قوية ونافذة، وعلى عكس ما كان متوقعا لها في انتقال ديمقراطي مفترض.
وفي تصورنا، وفي ظل الحصيلة السياسية العامة للوضع الجاري، والذي من أهم خصائصه، تراجع اليسار اجتماعيا وجماهيريا وانتخابيا؛ وفي ظل التشوش الحاصل في تصوراته وبرامجه ورخاوة تنظيماته وقصور أساليب عمله، فإن واقع الحال هذا، بات يفرض على اليسار مجتمعا أن يخط لنفسه، ولزمن ما، خطا سياسيا يساريا مستقلا، يكون من شأنه استعادة دوره الريادي وصورته الاستقطابية الجاذبة لدى قواه الاجتماعية والجماهيرية.
ولقد بات واضحا ي أن من بين معيقات الانتقال لديمقراطي في بلدنا، أن اليسار لم يفلح بعد في تشكيل كتلة تاريخية كفيلة بنقل المجتمع والدولة إلى مصاف التحول الديمقراطي الجذري. وأن هذا القصور ناجم في أحد جوانبه الكبرى عن تكلسات الفوات الثقافي والإيديولوجي الكامشة على حركية المجتمع في معظم قواه ومؤسساته.
إن بناء الكتلة التاريخية، بما هي جامعة لقوى التغيير، الاجتماعية والثقافية في آن، سيحتاج بدوره ليسار قوي يستعيد روابطه العضوية المتينة مع كل الطبقات الشعبية وفئاتها المثقفة، ليكون رائدا وركيزة لهذه الكتلة التاريخية المنشودة. وهي صيرورة جدلية، سياسية وثقافية واجتماعية، ستتضح معالمها وإفرازاتها الحزبية المستقبلية اضطرادا مع تقدم ونضج وتجذر الحركة اليسارية الموحدة.
وإذا كنا قد ألححنا غير ما مرة، في هذا البيان، على ضرورة الوضوح الفكري والسياسي والإيديولوجي باعتباره شرط لزوم للخروج بمجتمعنا من حالات الإعاقة الدائمة، ولمواجهة التحديات المستقبلية، فلا مناص أيضا من أن يكون لليسار برنامج نضالي مجتمعي، خاصيته الرئيسة أنه غير البرامج الفوقية والتقنوقراطية، بما أنه يتبلور في حوار الممارسة مع كافة القوى الشعبية، ناقلا خبرتها ومطالبها التحررية. ولا مناص أيضا من العودة إلى التقاليد التنظيمية والضوابط الأخلاقية التي ميزت تجارب اليسار التنظيمية المكافحة، وعلى رأسها خدمة المواطنين والعمل المباشر معهم، والعناية الدائبة والحريصة على توسيع الكادر الحزبي الشعبي والقيادي منهم، عوض الميوعة التنظيمية، والانعزالية النخبوية، والمسلكيات غير الأخلاقية المتفشية اليوم في المشهد اليساري.
إن استجماع اليسار، بكافة قواه، في تنظيم ديمقراطي موحد يعد الخطوة الأولى، في هذا العود والبدء، التي من شأنها أن تجعل من اختلاف الآراء، الآنية منها والمحتملة، تعددية مغلة، سياسيا وجماهيريا ، لا تعددية عقيمة، حصيلتها الوحيدة التراجع الجماعي والجزر المطرد، الذي ليس بعده سوى الطوفان.     
الموقعون (حسب الحروف الأبجدية)، عدد الموقعين : 45                       
1.      أحمد المديني
2.      ادريس بنسعيد
3.      ادريس جنداري
4.      ادريس كثير
5.      ادريس اخروز
6.      ادريس الكراوي
7.      بنسالم حميش
8.      حنون مبارك
9.      سعيد بنكراد
10. سعيد يقطين
11. عبد الأحد السبتي
12. عبد الإلاه بلقزيز
13. عبدالجليل طليمات
14. عبد الجليل ناظم
15. عبدالحميد عقار
16. عبد الحي الديوري
17. عبد الرحمان المودن
18.  عبد الصمد بلكبير
19.  عبدالصمد الديالمي
20. عبد الغني أبوالعزم
21.  عبدالقادر الشاوي
22. عبدالقادر الفاسي الفهري
23.  عبداللطيف الفلق  
24. عبد الله ساعف
25. العربي الجعيدي
26. العربي مفضا ل
27. عزالدين الخطابي
28. علي كريمي
29. كمال عبد اللطيف
30. لطيفة اجبابدي
31. محمد برادة
32. محمد بنيس
33. محمد جسوس
34. محمد الحبيب طالب
35. محمد سعيد السعدي
36.  محمد الأشعري
37. محمد الصغير جنجار
38. محمد العمري
39. محمد عياد
40. محمد المحيفيظ
41. محمد المريني
42. نجيب العوفي
43. نورالدين أفاية
44. نورالدين العوفي
45.   يوسف بلال
 46. محمد الناصري
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: