مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تكلفة التغيير:محددات “التباين” بين الدول الإسلامية في تحقيق الديمقراطية

تكلفة التغيير:محددات “التباين” بين الدول الإسلامية في تحقيق الديمقراطية
 
د. أسامة صالح
اشتمل تقرير الحرية في العالم عن عام 2008 لمنظمة فيريدم هاوس على تقارير عن 193 دولة، صنفت 43 منها على أنها دول غير حرة، وتبين أن 23  من هذه الدول يعتنق أغلب سكانها الإسلام، وهو ما جعل البعض يربط بين الديمقراطية والإسلام في علاقة عكسية، خاصة بعد صعود تيارات الإسلام السياسي كقوي فاعلة، واقتران العديد من أعمال العنف بها، مما أثار مخاوف المجتمع الدولي من اتجاهات الدول الإسلامية نحو الديمقراطية.
وعلى جانب آخر، تشير البيانات والإحصاءات إلى أن هناك تفاوتا بين الدول الإسلامية وبعضها على مقياس الديمقراطية. ففي الوقت الذي تصنف فيه نصف الدول الإسلامية على أنها غير ديمقراطية، فإن هذا لا يمنع من دخول دول إسلامية أخري في فئة متوسطة، وعدد آخر أقل يصنف كدول ديمقراطية، مما يثير تساؤلا جوهريا: إذا كانت الدول الإسلامية تميل بشكل عام إلى التسلط، فلماذا تتفوق بعضها على الأخريات في تحقيق الديمقراطية؟ وما هي محددات هذا التباين؟ وهو ما انطلقت منه رسالة الدكتوراه التي نوقشت  في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة في العام 2012.
وقد حاول الباحث دراسة أثر أربعة عشر متغيرا على الديمقراطية في الدول الإسلامية، نصفها ذو صبغة اقتصادية، والنصف الآخر يشمل محددات غير اقتصادية.
محددات الديمقراطية:
أسست العديد من الدراسات إمبريقيا لفكرة وجود علاقة ارتباطية بين المتغيرات الاقتصادية (الدخل القومي – التصنيع – التحضر – التعليم – التفاوت في الدخول – استخدام التكنولوجيا – اعتماد الدولة على صادراتها من المواد الخام) وطبيعة النظام السياسي، وارتباط المعدلات الأعلى للتنمية بالتحول نحو الديمقراطية.
أرست الدراسات الغربية عددا من المتغيرات التي تؤثر في موقع الدولة على مقياس الديمقراطية، منها الثقافة السياسية، والتنوع الإثني، والعلاقة بين الدين والدولة، والخبرة التاريخية، والموقف من المرأة. وعلى الرغم من أن المطالبة بالديمقراطية أصبحت شيئا مشتركا بين شعوب العالم، فإن هناك فارقا كبيرا بين قيم مواطن الدول الإسلامية ونظيره في الدول الغربية، عندما يتعلق الأمر بتقدير الديمقراطية.
استدعي ذلك أن يطرح الباحث تساؤلا هو: إذا كان طلب المجتمعات الإسلامية على الديمقراطية مرتفعا، ولو بشكل نسبي، فكيف نفسر العجز الديمقراطي الشديد في هذه البلاد؟ ويفسر ذلك أن الرغبة في الأشياء تكون في أعلى مستوياتها قبل الحصول على الشيء، ومن الطبيعي أن تكون رغبة مواطني الدول الإسلامية في الديمقراطية شديدة، لأنهم في الواقع محرومون منها.
تفسير الديمقراطية في الدولة الإسلامية:
توصل الباحث في دراسته إلى أن هناك عاملين رئيسيين بين العوامل السابق ذكرها، لهما القدرة على تفسير التغير في معدلات الديمقراطية في الدول الإسلامية، أحدهما يحمل بعدا اقتصاديا وهو: زيادة اعتماد الدخل القومي للدولة على تصدير المواد الخام، والآخر يتسم بالصبغة الدينية، وهو: النص في الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة.
وعن متغير المواد الخام، أشارت الدراسة إلى أن هناك عددا من الآليات التي تمارس من خلالها المواد الخام تأثيرها السلبي في النظم السياسية، أجملها الباحث في:
أولا- الأثر الريعي: حيث تستخدم الدول إيرادات تصديرها للمواد الخام في تخفيف الضغوط التي تجعل المواطن يطالب بمساءلة الحكومة بشأنها، وذلك من خلال تخفيف الضرائب، أو عدم فرضها من الأساس، والإنفاق بإغداق على برامج الرفاه الاجتماعي لشراء ولاء مواطنيها، وغلق الطريق أمام إنشاء جماعات مستقلة عن الدولة، سواء كان الهدف منها المطالبة بحقوق عامة أو خاصة.
ثانيا- الأثر القمعي: قد ترتبط الموارد الطبيعية والنظم السلطوية معا من خلال متغير القمع. فالمواطنون في الدول الغنية بالموارد قد يتوقون إلى الحرية، لكنهم يصطدمون بآلة القمع الجبارة التي تنفق عليها الأنظمة الحاكمة بسخاء من أجل الاستمرار في سدة الحكم.
ثالثا- الأثر التحديثي: فإذا لم تؤد الزيادة في الدخل القومي للدولة إلى إحداث تغييرات تحديثية في جميع المجالات، فإن ذلك لن يرتبط بإحداث التحول الديمقراطي المنشود، وستظل الأنظمة السلطوية مسيطرة على مقاليد الأمور.
وعن المتغير الثاني المتعلق بالنص في الدستور على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، يشير الباحث في دراسته إلى أن الدول الإسلامية التي تنص دساتيرها على أن الإسلام هو مصدر تشريعاتها تميل لأن تحصل على تقديرات أقل على مقياس الديمقراطية، مقارنة بالدول الإسلامية التي لا تتبني دساتيرها دينا بعينه، وفقا لنتائج الدراسة. ولكن بالنظرة الأكثر عمقا لدساتير هذه الدول، يتضح أنها في حقيقة الأمر نصوص نظرية تعبر عن الهوية العاطفية للشعوب الإسلامية أكثر من كونها نصا مفعلا، ولا تنطوي على أي تمييز ضد المواطنين على أسس دينية أو عرقية.
وبالتالي، فإن الدول التي تتبني دساتيرها هذه الصيغة لا تجعلها تختلف بشكل جذري، في درجة فصلها بين الدين والدولة، عن الدول التي تتبني مبدأ العلمانية صراحة، أو تتغاضي عن ذكر العلاقة بين الدين والدولة، مما يشكك فيما قاله آخرون بعكسية العلاقة بين الدين والدولة. وهو ما جعل الباحث ينتهي في دراسته إلى أن تباين الدول الإسلامية في مستويات الديمقراطية إنما يعود إلى مدي استعداد مواطني هذه الدول للتضحية من أجل الحصول على حقوقهم الديمقراطية (بنسبة  65 ٪)، وهو ما تجلي في الثورات العربية.
بينما تعود النسبة الباقية إلى متغيرات أخري، أبرزها العروبة، حيث لفتت الدراسة إلى وجود بؤرة محورية داخل العالم الإسلامي المترامي الأطراف، تستعصي على التفاعل الإيجابي مع أساسيات النموذج الديمقراطي، وتتمثل في دول العالم العربي دون استثناء.
وتشير الدلائل إلى أنه لا توجد دولة عربية واحدة تصنف على أنها ديمقراطية من قبل أية مؤسسة دولية، وأن كافة الدول ذات الأغلبية المسلمة التي تحقق درجات أفضل على مقياس الديمقراطية تقع على أطراف العالم الإسلامي، أي بعيدا عن القلب العربي، وهو ما روج لحجج بأن الدول الإسلامية تميل لأن تكون دولا تسلطية إذا كانت عربية، مما يدحض فكرة أن المشكلة بين الإسلام والديمقراطية، ويؤيد ذلك الرأي أن هناك جاليات كبيرة من المسلمين تعيش في دول ديمقراطية غير إسلامية، ويبدون توافقا كبيرا.
تعريف الكاتب:
قسم العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة.
عرض : أميرة البربري
باحثة ماجستير بكلية الإعلام، جامعة القاهرة.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: