مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

ما بين حرية التعبير و الانتهاكات الجسيمة لمنظومة القيم الإنسانية

ما بين حرية التعبير و الانتهاكات الجسيمة لمنظومة القيم الإنسانية
 
بقلم: د. إدريس جندا ري
– كاتب و باحث أكاديمي مغربي
خاص بالموقع
1-تصدير من وحي الأحداث .. من حوار الحضارات إلى صدامها
  تم؛ خلال السنوات الفارطة؛ تدشين نقاش واسع؛ عبر ربوع العالم؛ حول ما يسمى؛ عادة؛ بحوار الحضارات؛ أو التحالف بين الحضارات؛ أو التواصل الحضاري… لكن هذا النقاش ظل تأثيره محدودا عند؛  ما حققه من صدى إعلامي غطى؛ في الحقيقة؛ على جوهر الداء؛ حينما كان يقدم مهدئات عديمة الجدوى؛ من دون الإقدام على طرح القضية بكامل الوضوح من دون لف أو دوران.
و لأن هذا النوع من الحوار يخص؛ بدرجة أولى؛ الغرب في علاقته بالعالم العربي الإسلامي؛ فقد تم ربطه بشبكة من المصالح التي تم نسجها؛ من خلال التحالف القائم بين النموذج التكنولوجي الغربي؛  و مصادر الطاقة التي تتمركز في الشرق الأوسط خاصة؛ و على امتداد رقعة العالم الإسلامي؛ بشكل عام .
من هنا يمكن أن نتساءل؛ بشكل عفوي؛ هل كان الحوار؛ أصلا؛ حوارا حضاريا؛ يسعى إلى تقريب المسافة الفاصلة بين نموذجين حضاريين مختلفين؛ جمعت بينهما قرون من الصراع ؟ أم كان حوارا تتحكم فيه المصالح الاقتصادية المتبادلة بين الطرفين؛ ما دام كل طرف يقدر درجة التهديد الذي يمكن أن يشكله الطرف الآخر ؟  و بالتالي يمكن لهذا النوع من الحوار أن يعيش على إيقاع المد و الجزر؛ في علاقة بدرجة المصالح أو التهديدات الموجودة.
    إن الأزمات المتوالية التي طبعت علاقة الغرب بالعالم العربي الإسلامي كانت؛ في الحقيقة؛ امتدادا لنوعية العلاقة الرابطة بين الطرفين؛ و هي علاقة يطبعها جهل مزدوج؛ أي إن كل طرف يصر على تجاهل المقومات الحضارية للطرف الآخر؛ و لذلك فهو لا يتوانى في احتقارها بل و تهديد وجودها .
لكن؛ إذا كان جزء كبير من العالم الإسلامي قد دخل؛ منذ القرن التاسع عشر؛ في تثاقف مثمر مع الحضارة الغربية؛ من خلال الانفتاح على آدابها و علومها و اقتصادها؛ و ذلك من خلال بذل مجهودات فكرية جبارة من طرف النخبة الفكرية و السياسية و الاقتصادية؛ و قد ساهمت هذه المجهودات؛ إلى أبعد الحدود؛ في جسر الهوة الفاصلة بين الطرفين؛ لينتقل بذلك الغرب؛ في المتخيل الإسلامي؛ من دار الكفر و الحرب إلى امتداد حضاري؛ أصبحت نسبة كبيرة من المسلمين تنفتح عليه و تستفيد منه من دون أدنى مركب نقص . إذا كان الأمر كذلك في العالم الإسلامي؛ فإن الأمر كان مختلفا تماما لدى الطرف الآخر؛ فقد نظر الغرب؛ منذ بوادر نهضته الأولى؛ إلى العالم الإسلامي باعتباره دار حرب و دار كفر؛ بالمعنى القر-وسطوي للكلمة؛ و لذلك فقد استباح سفك دمائه؛ بالمعنى المادي و الرمزي؛ و قد كان الثأر هو المتحكم في علاقة الغرب بالعالم الإسلامي؛ و من ثم تم استعادة معجم حربي متكامل لتأثيث المشهد السياسي المنفجر؛ من الإنسان الأبيض/المسيحي المتفوق الذي يغزو العالم لنشر القيم و الحضارة؛ إلى الحرب الصليبية المحشوة بلفاف ديني/طهراني؛  يبيح للغربي (المؤمن) قتل و تشريد المسلم (الكافر) .
     إن أزمة المآذن التي أثيرت في سويسرا؛ و كذلك أزمة الرسوم المسيئة للرسول (عليه السلام) و أخيرا حرق نسخة من المصحف الشريف؛ و بعده الفيلم المسيء لنبي الإسلام و بتزامن معه رسوم كاريكاتورية مسيئة… إن هذه الأحداث جميعها ليست؛ في الحقيقة؛  سوى الشجرة التي تخفي الغابة المتوحشة؛ التي ترفل في اللاشعور الجمعي للغرب؛ غابة تفرج عن وحوشها المفترسة؛ كلما تعلق الأمر بقضية ترتبط بالإسلام و المسلمين.
    و إذا عدنا إلى افتحاص و تفكيك الصورة؛ التي نسجتها نخبة الغرب عن الإسلام و المسلمين؛ يمكن أن نستوعب بشكل جيد هذا الرعب. فقد صاغ هكتنكتون كتابا كاملا (صدام الحضارات) حذر فيه الغرب من العدو الأخضر القادم؛ و الذي لا يختلف في شيء عن العدو الأحمر(الشيوعية) المندحر؛ لذلك يجب أن تستعمل نفس الوسائل القديمة في المواجهة القادمة؛ و الغاية المحورية هي المحافظة على طهرانية الغرب المسيحي-اليهودي؛ من دنس الشرق الإسلامي- الكونفوشوسي.
     لذلك يجب على الغرب أن يحافظ على تماسكه و نسقيته؛ باعتباره يشكل نهاية للتاريخ؛ و تتويجا للتطور الإنساني؛ منذ العصور البدائية الأولى و إلى الآن؛  يقول فوكوياما (الكونفوشوسي على الطريقة الأمريكية) .
إن كل تطرف؛ على مستوى الممارسة؛  يزكيه تطرف مماثل؛ على مستوى الفكر؛ و نحن هنا لا نجانب الصواب؛ حينما نعتبر أن الحركة اليمينية المتطرفة في الغرب؛ تعتبر صياغة إيديولوجية متماسكة؛ لمجموع الأفكار التي طرحت منذ هيجل؛ و مرورا بالمرحلة الاستشراقية؛ و انتهاء بفوكوياما و هكتنكتون. و هي أفكار انطلقت من مركزية أوربية شوفينية؛ تعتبر أن الغرب هو مركز الحضارة؛ التي يجب أن توزع بالتقسيط على شعوب العالم؛ و قد قادت مثل هذه الأفكار حركة استعمارية متوحشة خلال القرن التاسع عشر؛ و هي ما تزال لحدود الآن تقود حروبا تدميرية بشعة؛ باسم نشر الديمقراطية و الحرية خارجيا؛ و في نفس الآن تقود؛ داخليا؛ حركة يمينية متطرفة؛ تعادي كل ما هو مغاير و مختلف عن النموذج الأوربي-الأمريكي؛ بادعاء الخطر الذي يشكله هذا المختلف و المغاير على النموذج الطهراني للغرب.
    إن النقاش الدائر اليوم حول الانتهاكات الجسيمة التي يمارسها الغرب؛ مؤسسات و أفراد؛ في حق منظومة حضارية ضاربة جذورها في أعماق التاريخ و الحضارة الإنسانية؛ و ذلك باسم حرية التعبير المفترى عليها؛ إن نقاشا من هذا النوع؛ لا يجب أن يقتصر على المقاربة الوصفية السطحية؛ التي تكتفي إما بمسايرة الفعل (من منظور ليبرالوي فج) أو برد الفعل (من منظور سلفي متهافت)؛ و لكن يجب أن نتجاوز ذلك إلى تفكيك و تحليل ما يجري؛ و وضعه ضمن سياقه التاريخي و الفكري؛ و الأمر هنا يتجاوز الفعالية الاحتجاجية (العنيفة) التي تسيء لقضيتنا أكثر مما تخدمها؛ و ذلك في اتجاه التأسيس لفعالية فكرية مؤهلة لفهم و تحليل ما يجري؛ في علاقة بالمثيرات التي تستهدف تحقيق استجابات من نفس  جنسها .

2 –  ضرورة تفكيك مفهوم الحرية
تعتبر الحرية قيمة أساسية ضمن المنظومة الفكرية و القانونية الغربية؛ إذ  يقترب الأمر أحيانا من مستوى القداسة و يعوذ ذلك؛ تاريخيا؛ إلى مجموعة من العوامل التي يمكن تناول بعضها:
مارست الكنيسة طوال قرون من الزمن حجرا تاما على المواطنين؛ بدعوى تمثيلها للحق الإلهي الذي كانت تفوضه للملوك؛ و قد شمل  هذا الحجر جميع مجالات الحياة؛ فعلى المستوى الديني لم يكن يسمح بأي نقاش خارج البراد يغم الفكري/الكنسي السائد؛ و لذلك منعت كتب ابن رشد من التداول؛ لأنها تدعو إلى إقامة الاتصال بين الشريعة (الدين) و الحكمة (الفلسفة/التفكير)؛ كما حوربت جميع المحاولات الداعية إلى لإصلاح الديني (مارتن لوثر/كالفن). و نفس القانون سرى على مستوى الممارسة العلمية؛ فقد حورب العلماء؛ بادعاء أنهم يزعزعون الإيمان و يمثلون خطرا على النسق الديني الكنسي؛ و خير مثال يحضرنا يرتبط بكل من (كوبرنيك) صاحب نظرية دوران الأرض و مركزية الشمس؛ و كذلك (كاليلو) الذي دعم هذه النظرية و أثبتها بالدليل الرياضي؛ فقد أدين العالمان من طرف الكنسية؛ و تم حظر كتبهما.
كرد فعل على القيود التي فرضتها الكنيسة؛  في شراكة مع الملوك و الباباوات؛  على حرية التفكير و الإبداع و التعبير؛ قامت ثورات عارمة عمت كل أوربا؛ و إذا كانت مطالب هذه الثورات سياسية؛ بالدرجة الأولى؛ عبر الدعوة إلى القطيعة السياسية مع الأنظمة الملكية المطلقة الحاكمة؛ فإن الصراع كذلك لم يخل من الشحنة القيمية؛ حيث حضرت الدعوة إلى الحرية؛ باعتبارها قيمة القيم؛ و ذلك بهدف تحطيم القيود الكنسية السائدة. ولذلك فقد كان ثالث مبادئ الثورة الفرنسية؛ مثلا؛ هو الحرية (Liberté).
 ضمن هذا الإطار التاريخي و هذا السياق السياسي و الفكري؛ إذن؛ يمكن أن نفهم كيف تحولت الحرية إلى قيمة مقدسة؛ لا يمكن المساس بها؛ و هذا  ما  تمت بلورته؛ فيما بعد؛ من خلال مذهب فكري كبير ساهم؛ إلى أبعد الحدود؛ في تشكيل الفكر الغربي الحديث؛ و هو المذهب الليبرالي؛ الذي اتخذ من لفظ الحرية جذرا لغويا (و كذلك فكريا) ( LIBERALISME).
    و قد انعكست هذه القيمة الكبرى (الحرية) على جميع المجالات. فعلى المستوى الاقتصادي جاءت الرأسمالية كبلورة لمفهوم الحرية (حرية الأسواق- حرية المبادرة …) كما أنها تقوم على شعار يرتبط جوهريا بالمنظومة الفكرية الليبرالية؛ (دعه يعمل؛ دعه يمر( Laissez faire Laissez Passé- /  أما على المستوى السياسي فقد جاءت الديمقراطية كبلورة لمفهوم الحرية ( حرية الاختيار؛ حرية التصويت …). و أفضل تجسيد لهذه المعاني؛ نجده في تعريف (أبراهام لنكولن) للديمقراطية؛ باعتبارها؛ ” حكم الشعب بواسطة الشعب من أجل الشعب” Gouvernement du peuple par le peuple pour le peuple/
    إن الحرية بهذا المعنى أصبحت معتقدا؛ لكن ما يجب التركيز عليه أكثر؛ هو أن هذا المعتقد ارتبط بسياق تاريخي محدد؛ و هذا لا ينفي؛ طبعا؛ أن الحرية لدى الإنسان عامة؛ تعتبر قيمة وجودية؛ فلا يمكن استعباد من ولدتهم أمهاتهم أحرارا؛ بتعبير الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه). لكن الحرية في السياق الأوربي لها خاصيتها المميزة لها لأنها؛ في الأخير؛ ثمرة تفاعلات سياسية و اجتماعية خاصة؛ و من هنا يمكن تفهم الحساسية المفرطة جدا؛ في علاقة الغربيين بهذا المفهوم؛ حيث يتحكم لا شعور جمعي و اجتماعي (بالمعنى النفسي و الاجتماعي) في شحن الكلمة بدلالات تاريخية؛ تمتح من شبكة نفسية و اجتماعية ضاربة في التعقيد؛ و لذلك فإن إثارة هذا المفهوم في الفكر الغربي الحديث يتجاوز علاقة الدال بالمدلول (بالمعنى اللساني) و التي تخضع لتوافق المتكلمين؛ بل تحضر عملية استدعاء سيكولوجي؛ تطبع الكلمة بطابع سحري؛ و اللجوء إلى السحر؛ غالبا؛  يكون كرد فعل على الخوف من شر داهم ما؛ و ليس هذا الشر المخيف؛ حقيقية؛ سوى تلك القرون من الحجر الذي مارسته الكنيسة في حق شعوب بأكملها؛ و أغرقتها في الظلام؛ بعد أن جمدت كل قواها على التفكير و الإبداع و الإنتاج.
    إننا و نحن نثير الحديث حول مفهوم الحرية في ثقافتنا الإسلامية؛ لا نستدعي هذه الشحنة النفسية و كذلك هذا السياق التاريخي و الفكري؛ الذي طبع المفهوم في السياق الغربي/المسيحي؛ و هذا لا يعني أن السياق الإسلامي كان متحررا على امتداد القرون؛ و لكن يجب أن نعترف أن الإسلام لم يوظف رجال الدين لكبت الإبداع و التفكير؛ و إلا لما كان ابن رشد و لما كان ابن خلدون و لما كان زرياب و لقتل أبو نواس … إن علاقتنا؛ في الفكر الإسلامي؛ بمفهوم الحرية علاقة طبيعية (إلى حد ما)؛ لا تطبعها جراح سيكولوجية غائرة كما هو الشأن مع السياق الغربي/المسيحي؛ و لذلك فإننا نتعامل مع الحرية كقيمة وجودية و اجتماعية؛ و لكن لم نصل إلى حد بلورتها كمعتقد ديني؛ و لعل هذا هو ما يساعدنا على التعامل مع المفهوم بمرونة كبيرة؛ حيث نتقبل مثلا؛ أن حريتنا تتوقف عند حرية الآخرين؛ كما نتقبل أن الحرية لا تعني مس المعتقدات؛ و كذلك نتقبل أن الحرية يجب أن تضبطها قوانين اجتماعية و دينية … لكن الغربي لا يتفهم كل هذا؛ لأن الحرية في اعتباره كل لا يتجزأ ؛ بل هي أكثر من ذلك معتقد لا يخضع للمرونة بل سمته الاعتقاد الخالص.
    إن هذا التحليل؛ هو الذي يمكنه أن يساعدنا على فهم سوء التواصل الحاصل بين السياق الثقافي الإسلامي و السياق الثقافي الغربي/المسيحي؛ و الذي أصبح خاصية مميزة للعلاقة بين السياقين؛ الأمر الذي أصبح يهدد بانفجار الأوضاع في أي حين؛ و ذلك بناء على أسباب تافهة لا ترقى إلى مستوى تهديد الاستقرار العالمي؛ بل تحتاج فقط إلى مجهود تواصلي بسيط؛ يجعل كل طرف يفهم السياق الثقافي للطرف الآخر و يحترمه؛ و هذه مسؤولية النخبة الفكرية و السياسية؛ التي يجب عليها ألا تنساق مع التيار الشعبي العام.
3- حرية التعبير في السياق الغربي .. الانتقائية العمياء
   في علاقة بمفهوم الحرية؛ في السياق الغربي؛  باعتبارها استقلالية للذات الفردية في التفكير و الإبداع و التعبير و الممارسة … حضرت حرية التعبير كملمح أساسي ضمن هذا السياق؛ و عندما نذكر هذا النوع من الحرية فإننا لا نربطه بمجال أو سياق محدد؛ فهو يرتبط بمجال الإعلام و بمجال الممارسة الفكرية بالمعنى الأكاديمي؛ و كذلك بمجال الإبداع… و كلها مجالات شكلت فيها حرية التعبير حجر الزاوية؛ و ذلك من منظور أن لا تفكير و لا إبداع في غياب حرية التعبير؛ التي تضمن مجالا واسعا للتعبير و الممارسة.
    و قد حضرت حرية التعبير؛ في السياق الغربي؛ باعتبارها التجسيد الأكثر قداسة في ممارسة الحرية؛ و من ثم جاءت الدساتير و المواثيق الدولية لحماية هذا الحق و تحصينه من أي اختراق سياسي؛ و هذا ما فتح مجالا واسعا أما الخطاب الإعلامي و الفكري و الإبداعي لتحقيق الانتشار؛ و بعد ذلك التحول إلى سلطة موازية لسلطات الدولة؛ إلى درجة تحول الخطاب الإعلامي إلى سلطة رابعة؛ إلى جانب السلطات التشريعية و التنفيذية و القضائية .
لكن؛ السؤال الذي أصبح يطرح نفسه اليوم؛ بقوة؛ هل حرية التعبير تعني الانفلات من سلطة القانون و القيم الإنسانية المتعاقد عليها؛ لقول و كتابة و ممارسة… أي شيء من دون أي اعتبار ؟ أم إن حرية التعبير مسؤولية قانونية و فكرية و قيمية تفرض نفسها على الأفراد و الجماعات؛ باعتبارهم ذوات راشدة و عاقلة؛  قادرة على التمييز و الفرز بين مجال الحرية و مجال التسيب و الإيذاء ؟
إذا كان السياق الفكري الغربي قد قطع أشواطا؛ في بلورة مفهوم حرية التعبير؛ و ذلك ما تؤكده الأدبيات الفكرية و السياسية و القانونية ذات الصلة بالمفهوم؛ فلماذا يعبر هذا المفهوم عن قسط كبير من الانحطاط على مستوى الممارسة الشعبية ؟ هل لحرية التعبير سياقات متعددة داخل السياق الغربي الواحد؟ و إذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يساير هذا الجموح الشعبي الغربي نحو قول/فعل كل شيء؛ تأطير قانوني و قيمي  في مستوى الحدث؛ مع العلم أن التشريع الدولي يفتح المجال واسعا أمام الحد من أي تسيب أو فوضى في التعبير و الممارسة؛ قد تسيء للأفراد و الجماعات ؟
    إذا كان الكثير من المفكرين و السياسيين و الإعلاميين في الغرب يذهبون إلى أن حرية التعبير أمر مقدس؛ و لذلك لا يمكن لأي كان أن يلجم هذه الحرية أو يحد منها؛ حتى و لو أدى الأمر إلى إيذاء الآخرين؛ إذا كان هؤلاء يصرون على هذا الاتجاه؛ و خصوصا لما يتعلق الأمر بقضايا العالم الإسلامي؛ فإن التاريخ الغربي الحديث نفسه يسجل الكثير من الأحداث؛ التي تؤرخ لمجموعة من القرارات السياسية التي سعت إلى الحد من حرية التعبير؛ حينما تصطدم بلغة المصالح أحيانا أو بلغة التمييز العنصري المقيت أحيان أخرى.
    في أمريكا؛ التي تتباهى بحماية حرية التعبير؛ يسجل التاريخ الأمريكي الحديث؛ حظر مجموعة من الكتب؛ مثل كتاب «مدار السرطان» لهنري ميللر، وكتاب «أوراق من العشب» لوالت هويتمان. كما يعاقب القانون الأمريكي على التمييز العنصري ضد السود و لا يدخله ضمن حرية التعبير؛ سواء أكان فكرا أم إبداعا أم ممارسة؛ أضف إلى ذلك الطابو الكبير؛ الذي يوجه السياسية الأمريكية بضغط من اللوبي الصهيوني؛ و هو قانون معاداة السامية؛ الذي يعتبر سيفا حادا يهدد رقاب جميع الأمريكيين الذين قد يلمحون حتى؛ كتابة أو تمثيلا؛ إلى اليهود.
و كم عانى المفكر الفلسطيني/الأمريكي الكبير إدوارد سعيد من تحرشات و تهديدات الصهاينة؛ حتى و هو يقدم محاضرات أكاديمية في اعرق الجامعات الأمريكية؛ و رغم ذلك لم توفر له الحماية؛ التي يتم توفيرها لصعاليك المجتمع الأمريكي حينما يخربشون أو يهرطقون؛ باسم حرية التعبير. و غير بعيد عنا؛ نتابع باستمرار ما يعانيه اللساني و المفكر الأمريكي الكبير (تشو مسكي) مع صناع القرار السياسي و الإعلامي و الأكاديمي في الولايات المتحدة؛ كعقاب له على رؤيته النقدية التي لا تهادن اللوبي الصهيوني المتحكم في السياسة الخارجية الأمريكية. و لعل المسار يطول بنا؛ لو عرضنا لأمثلة أخرى؛ لأنها كثيرة لا تعد و لا تحصى؛ لكن الخاصية التي تطبعها جميعا؛ هي أن حرية التعبير مصانة بقوة القانون إذا كانت فيها إساءة للحضارة الإسلامية؛ لكنها تفقد هذه الحصانة مباشرة إذا كانت موجهة إلى اللوبي الصهيوني أو تهدد المصالح الخارجية الأمريكية .
و لا يختلف الأمر في أوربا؛ حيث تحضر نفس المنهجية في التعامل الانتقائي مع القضايا و الأحداث؛ فجميع دول أوربا تطبق قانون معاداة السامية ضد مواطنيها؛ حتى و لو كان التلميح فقط إلى اليهود؛ و بذلك يتم إلغاء حرية التعبير وغالباً ما يستخدم التشهير بمعاداة السامية لمنع الكلام حول ذلك حتى ولو اتصف بالتاريخية والعلمية.
و تحضر فرنسا؛ ضمن السياق الأوربي؛ كقائدة لهذا الاتجاه الانتقائي؛ و يمكن أن نستحضر فقط ما عاناه مفكر فرنسي كبير من حجم (روجي جارودي) بسب كتاباته المتحررة حول الصهاينة؛ و لم تشفع له حرية التعبير في تحقيق الانتشار و النجاح الأكاديمي في وطنه حتى؛  لأن اللوبي الصهيوني كان له بالمرصاد؛ و نجح؛ في شراكة مع إيديولوجيي السياسة الفرنسية؛ في تهميش طاقة فكرية عظيمة في التاريخ الأوربي الحديث؛ حيث عاش غريبا و مات غريبا؛ فطوبى للغرباء في بلد الانتقائية العمياء. و ضمن نفس السياق الانتقائي و الانتخابوي؛ تم خلال اللحظات الأخيرة من ولاية اليميني( (نيكولا ساركوزي)؛ تقديم مشروع قانون في البرلمان الفرنسي حول الإبادة الأرمينية ليوسع حلقة تقييد حرية الرأي والتعبير في بلد الحرية و الإخاء و المساواة؛ و لا يجب أن ننسى الضجة الكبيرة التي أثارها اليمين المتطرف الفرنسي ضد الرموز الدينية؛ بادعاء حماية القيم العلمانية الفرنسية؛ مع العلم أن الحرب كانت موجهة ضد مسلمي فرنسا بالدرجة الأولى؛ و دائما ضد حرية التعبير (السيميولوجي) و الرأي .
    كلها تجارب تؤكد؛ بالملموس؛ أن دفاع الغرب الأوربي-الأمريكي عن حرية التعبير؛ يطبعه الكثير من الانتقائية؛ لأن القانون الانتقائي الذي يعتبر؛ في النهاية؛ نتيجة لموازين القوى السائدة في الدولة و المجتمع؛ هذا القانون قد يحمي حريتك في التعبير؛ حينما لا تمس مصالحه و رموز قوته و لوبياته المسيطرة على صناعة القرار السياسي و الاقتصادي؛ لكنك تظل عرضة للملاحقة القانونية؛ باسم قوانين هلامية لا تستجيب حتى لفلسفة التشريع؛ مثل جريمة معاداة السامية أو جريمة نفي مذبحة الأرمن أو جريمة الحجاب …  فأي حرية هذه و أي تعبير هذا؛ إن لم تتحكم فيه روح قانونية سامية؛ تقوم على الاحترام المتبادل للرموز و المعتقدات؛  بعيدا عن أي انتقائية مقيتة؛ توظف القانون بأهداف عنصرية و مصلحية .
4-  حرية التعبير في التشريع الدولي
     لا أحد يجادل في كون أن التشريع الدولي أعطى حرية التعبير حصة الأسد؛ على مستوى القوانين المؤطرة لها؛ و قد كان الهدف هو حماية الأفراد و الجماعات من تسلط الحكومات على الأصوات المعارضة. لذلك حضرت حرية التعبير كحق أساسي من حقوق الإنسان؛ تم التنصيص عليه في مجموعة من المواثيق الدولية؛ سواء من خلال الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ أو من خلال العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية؛ و كذلك من خلال إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية المؤرخ في أيلول/سبتمبر 2000؛ كما اهتمت مجموعة من المنظمات الدولية بإبلاء الموضوع كامل الأهمية؛ و نذكر هنا منظمة اليونسكو. لكن في مقابل التزام التشريع الدولي بحماية حرية التعبير و الرأي؛ نجد اهتماما موازيا بتأطير حرية التعبير بمجموعة من الضوابط و الالتزامات؛ التي بإمكانها المحافظة على الطابع القانوني؛ من خلال ربط الحرية بالمسؤولية و الالتزام .
     جاء التنصيص صريحا في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1948م؛ على حماية حرية التعبير؛ فقد نصت  المادة (19) منه على أن ” لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير؛ ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون تدخل؛ واستقاء الأنباء والأفكار وتلقيها وإذاعتها بأية وسيلة كانت دون تقيد بالحدود الجغرافية” . و بنفس الوضوح و الصراحة؛ فإن العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛ في المادة (19) و في الفقرة الأولى من المادة؛ نص على؛ أن ” لكل إنسان الحق في اعتناق آراء دون مضايقة”. و هذا ما تم تأكيده من خلال الفقرة الثانية من نفس المادة؛ ” لكل إنسان حق في حرية التعبير؛ و يشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات و الأفكار و تلقيها و نقلها إلى آخرين دون اعتبار للحدود؛ سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها.
   لكن؛ و مقابل هذه الحماية القانونية لحرية التعبير؛ فإن ربط هذه الحرية بالمسؤولية و الالتزام؛ كان واضحا بجلاء . نقرأ في الفقرة الثالثة من المادة (19) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية؛ ” تستتبع ممارسة الحقوق المنصوص عليها في الفقرة الثانية من هذه المادة واجبات و مسؤوليات خاصة؛ و على ذلك يجب إخضاعها لبعض القيود؛ و لكن شريطة أن تكون محددة بنص القانون؛ و أن تكون ضرورية؛ لاحترام حقوق الآخرين و سمعتهم؛ و لحماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة العامة أو الآداب العامة” . و نفس هذا التقييد حضر في المادة (20) من نفس العهد الدولي؛ فقد تم التنصيص بشكل صريح؛ ” تحظر بالقانون أية دعوة إلى الكراهية القومية أو العنصرية؛ تشكل تحريضا على التمييز أو العداوة أو العنف” . و بالإضافة إلى ما جاء في العهد الدولي من تقييد لحرية التعبير بالمسؤولية و الالتزام؛ فإن إعلان الأمم المتحدة بشأن الألفية المؤرخ في أيلول/سبتمبر 2000؛ يعتمد نفس هذا المنطق المتوازن فهو يؤكد؛ بشكل صريح؛ ” أن التسامح يشكل قيمة أساسية لازمة للعلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين، وينبغي أن يشمل التشجيع الفعلي لثقافة تقوم على السلام والحوار بين الحضارات، يحترم فيها البشر بعضهم بعضاً بكل ما تتسم به معتقداتهم وثقافاتهم ولغاتهم من تنوّع . و على نفس المنحى سار  القرار الصادر عن المجلس التنفيذي لليونسكو في آذار/مارس 2006 بشأن “احترام حرية التعبير واحترام العقائد والقيم المقدسة والرموز الدينية والثقافية” (القرار 174م ت/46)؛  و هو قرار يعزز احترام حرية التعبير واحترام العقائد والرموز الدينية؛  ويشدد على أنهما مبدآن مترابطان ومتلازمان في مكافحة الجهل وانعدام الفهم؛ بغية بناء السلام وإرساء الحوار بين الثقافات والحضارات والأديان والشعوب.
عود على بدء
     إن محاولة استقرائية لمعظم نصوص التشريع الدول؛ لتشي بإرادة قوية يعبر عنها  المنتظم الدولي؛ بهدف حماية حرية التعبير و الرأي؛ باعتبارها حقا أساسيا من حقوق الإنسان؛ لكن في نفس الوقت نجد نفس النصوص تؤكد على المسؤولية و الالتزام في ممارسة الأفراد و الجماعات لحريتهم في التعبير و الرأي؛ فالحرية لا تعني؛ بتاتا؛ إلحاق الأذى بالآخرين؛ عبر الكتابة أو التمثيل … و اعتمادا على روح المواثيق الدولية هاته؛ فإن ما يروج اليوم في المشهد الثقافي و السياسي الغربي؛ في علاقة برموز الحضارة الإسلامية؛ يعد انتهاكا جسيما في حق شعوب بأكملها؛ و يجب على المؤسسات الدولية أن تتحمل مسؤوليتها كاملة في حماية حقوق ضحايا هذه الانتهاكات؛ و هي بذلك لن تستحدث شيئا جديدا؛ لأن التشريع الدولي يربط بين حرية التعبير و الرأي و بين المسؤولية و الالتزام .
    و في علاقة بالعالم الإسلامي؛  فإن الخيار الوحيد المفروض اليوم؛ هو اللجوء إلى التشريع الدولي؛ الذي يفسح مجالا واسعا للمرافعة القانونية؛ بهدف وقف هذا النزيف القيمي الذي أصبح يسيء للإنسانية جمعاء. أما أن نقتصر على ردود الفعل العنيفة؛ فإننا سنخسر الكثير من قيمنا الحضارية؛ لأننا سنفسح المجال لقوانا الغريزية؛ و في المقابل سنجمد قوانا العاقلة؛ لأن اللجوء إلى العنف دليل على فشل الفكر في بلورة الحلول الناجعة. و نحن هنا لا نمارس وصاية على شعوب العالم الإسلامي؛ لان الممارسة الاحتجاجية(السلمية) حق تضمنه جميع الدساتير و القوانين الدولية؛ و لا نرى؛ أنه من حق أية سلطة أن تمنع هذا الحق عن الأفراد و الجماعات .
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: