مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

الرحالة الغربيون بين الخفاء والتجلي

الرحالة الغربيون بين الخفاء والتجلي
رافقوا قوافل الحجيج فأصبحت كتاباتهم متعددة ودوافعهم واحدة
 
سلمان كاصد
بلا شك، إن تعدد الوصف لموضوع واحد سوف يكسبه اختلافاً، أي بوضوح أن الوصف متغير مع ثبات الموضوع، وهذا جزء من متغيرات بنية الكتابة بأي شكل من الأشكال، وليسمح لي القارئ بالعودة إلى أنظمة معينة في السرد، ومنها أربعة، وهي وصف متعدد لما شوهد مرة واحدة، ووصف واحد لما شوهد مرات عديدة، ومنها وصف متعدد لما شوهد مرات عدة، ومنها وصف واحد لما شوهد مرة واحدة. ولا أريد أن أُدخل القارئ في متاهة الأنظمة الوصفية وعلاقتها بالموضوع الموصوف، ولكن ما لدينا هنا في مقالتنا هذه أننا وجدنا تعدداً في الوصف لما شوهد أكثر من مرة، وهو القسم الثالث من تلك الأنظمة.
نريد أن نقول إن الرحالة الغربيين الذين جابوا الجزيرة العربية، مروا بنفس الأماكن باختلاف أوقاتهم وسفراتهم وتجولهم، أي إنهم وصفوا تلك الأماكن بشكل متعدد في مشاهدات متعددة، وعليه يصبح الوصف في جميع الحالات غير متشابه لا محالة.
هذا الوصف اللامتشابه لا يعني عدم التكرار، بل هو التكرار بعينه، لأن هذه الطريقة هي جزء من طرائق تعدد التكرار في السرد والوصف.
جانب آخر ومهم، وهو أن أولئك الرحالة كانوا عادة ما يدخلون الجزيرة العربية، خاصة حين يؤمون وجوههم شطر بلاد الحجاز ونَجد مع قوافل الحجيج تراهم يتخفون تحت أسماء عربية ولا يعلنون عن أصولهم وأسمائهم.
والأغرب من كل ذلك أن هؤلاء الرحالة الغربيين ينتحلون اسماً واحداً وهو “الحاج عبدالله” أو “الشيخ عبدالله”، إذ أطلق بوركهارت على نفسه اسم الشيخ عبدالله، وكذلك الكابتن ريتشارد ف. بورتون الذي نحى منحى بوركهارات فانتحل شخصية شرقية في البداية، وفي أثناء رحلته من ساوثهامبتون إلى الأسكندرية تظاهر بأنه أمير فارسي، فانكب على الدراسات الدينية اللازمة مدة شهرين أو ثلاثة، وانضم إلى جمعية الدراويش باسم الشيخ عبدالله، مثلما وجدنا أن وليمسون الذي كتبنا عنه في العدد السابق من “الاتحاد الثقافي” كان اسمه “الحجي عبدالله”.
جانب آخر يجمع هؤلاء الرحالة أنهم لم يعلنوا عن أسباب تحملهم الشقاء والعنت، والمعاناة والألم، والجوع والخوف، والمصائر المجهولة، والفزع، وهم يدخلون إلى بلاد الصحراء، وهم في الآن نفسه يعلنون عن سبب تركهم المدنية الغربية ورحيلهم باتجاه الصحراء العربية حباً في المغامرة ومدعاة لاكتشاف المجهول، علماً ألا أرض مجهولة لديهم ما دامت قد وصفت من قبل بأقلام رحالة غربيين زاروا تلك الصحارى. وقد أضيف جانب آخر مهم، وهو أن هؤلاء الرحالة كانوا يطمحون إلى غاية قصوى منذ شروعهم بالرحلة في أن يصادقوا ملوك وأمراء وشيوخ المنطقة العربية الصحراوية، لا لأنهم يريدون أن يكتشفوا ثقافة وعادات وتقاليد البداوة، بل إن يعيشوا صراعاً بحثاً عن مناطق نفوذ.
النساء أيضاً
ومن الغرابة أن هذه التجارب الارتحالية لهؤلاء المغامرين لم تقتصر على الرجال الرحالة من الغربيين، بل شاركت بها النساء مع أزواجهن، ولم يذكر أسماء هؤلاء الأزواج إلا عرضاً، حيث تسيدت النساء تقارير الرحالة، ومثال على ذلك رحلة الليدي بلنت بين عامي 1878 ـ 1879 في الحج إلى نجد، وشبيهة بالليدي بلنت كانت المس بيل المرأة التي استقرت في بغداد إبان الاحتلال الإنجليزي ودورها في إدارة دفة السياسة الإنجليزية في الشرق.
شكلت شبه جزيرة العرب هاجساً للرحالة لكونها تشكل أقصى الجنوب الغربي لقارة آسيا، ويمكن القول إن شبه جزيرة العرب تبقى منفصلة جزئياً عن ذاكرة القارة جغرافياً وتاريخياً.
من هذا المنطلق يمكن القول إن شبه الجزيرة هذه تمتلك جغرافياً خصائصها الذاتية، ما أكسبها تاريخاً متشابهاً له سماته وقسماته التي تميزه عن تاريخ المناطق المجاورة بفعل عوامل الصحراء والنظام القبلي والتداخلات العرقية الواحدة. إن شبه جزيرة العرب محصورة بين رمال الصحراء وأمواج الخليج العربي والبحر، وهي من فرضت على الجنس البشري الذي يعيش عليها منذ آلاف السنين، والذي تتحدر أصوله إلى ذرية إسماعيل، وبذلك اكتسبوا بنية جسدية واحدة، تعلوهم ملامح متشابهة، هذا بالإضافة إلى تأثير القيم الدينية التي أول ما نشأت على أرضهم.
هنا نقول إن الرحالة الغربيين بعد أن تأكد لديهم تأثير الفكر الديني الذي خرج من شبه جزيرة العرب الى بقاع واسعة من العالم قد أغراهم هذا في دراسة بنية المجتمعات التي تعيش في المنطقة والكيفية التي يستطيعون فيها أن يتغلغلوا في النظام القبلي الذي يعيش فيه العرب.
لا يعني هذا أن الترحال إلى الشرق لم يكن بدافع فيه من الديني الكثير ما دامت فلسطين قبلة للحجيج الذاهبين إلى أضرحة القديسين المعروفين.
كانت رحلات هؤلاء الرحالة تبدأ إما من مصر أو دمشق وهم ينضمون في الغالب إلى قوافل الحجيج.
واقعية الوصف
وتعد الواقعية في الوصف من سمات كتاباتهم، إلا أنهم في القليل النادر يسردون حكايات عن البدو كونهم غير معنيين بالتاريخ لأنهم معنيون بالجغرافيا، أي أن هناك تقابلاً يبدو في كتاباتهم وهو تقابل ضدي بين الجغرافيا التي هي شغلهم الشاغل، وبين التاريخ الذي لا يعني لهم شيئاً.
تشم في الكثير من كتابات الرحالة الغربيين روائح ساخرة، خاصة عندما تلامس كتاباتهم تلك العقيدة الإسلامية وطقوسها، ولا تكاد تكون هذه السخرية معلنة بصراحة، بل إنها مغلفة بتوصيف مرمز، ويبدو لي حقاً أن هؤلاء الرحالة ربما قادت بعضهم الأقدار إلى مجاهل شبه جزيرة العرب بشكل اعتباطي غير مقصود، إلا أنهم بعد فترة من الوقت تراهم وقد ارتبطوا واتصلوا بجهاتهم الدبلوماسية وبمراكز نفوذ بلدانهم في المنطقة ليقدموا لهم خدماتهم بالتنسيق الدقيق وبالإشراف المباشر.
الرحالة الإنجليزي جوزيف بتس (16 عاماً)، والرحالة الإنجليزي وليمسون (13 عاماً) وغيرهما الكثير كانوا صبياناً عندما أتوا إلى الشرق، غير أنهم أصبحوا خبراء في المنطقة وقادة في أمور السياسة العربية والمعارف السوسيولوجية لبنية المجتمع البدوي في المنطقة. وأتساءل حقاً، ما أهمية وصف مناسك الحج في مكة الذي نقله الإيطالي لودوفيكو دي فارتيما 1502 ومن بعده الإنجليزي جوزيف بتس ومن بعدهما الإيطالي جيوفاني فيناتي؟
وفي ضوء ذلك وعند مقارنة رحلات الدنماركي “كارستن نيبور” إلى جدة واليمن بغيره من الرحالة نجد مجموعة من الخصائص في سرد نيبور منها:
1 – رافقه 4 رجال آخرين في مشروع رحلته.
2 – تعدد اختصاصات هؤلاء الرجال، الفنان وعالم النبات والطبيب وعالم الفلك.
3 – بعكس جميع الرحالة الذين جاؤوا المنطقة العربية منفردين.
4 – موت الرجال الأربعة وعودة نيبور منفرداً.
5 – يعد نيبور سارداً تاريخياً ولوجستياً في أغلب سروده، حيث تطرق إلى أنظمة الحكم في اليمن وصلاته بولاتها.
حكاية
كان الملك إسماعيل والياً على تعز وما جاورها من المناطق، وقد احترق في مسجد يحمل اسمه ودفن فيه ولم يسمح لأحد بزيارة القبر، منذ حدوث المعجزة التي يرويها نيبور حيث يقول: “طلب مستجديان صدقة من أمير مدينة تعز، لكن أحدهما فقط حصل على المنحة، عندها ذهب الآخر إلى قبر الملك إسماعيل لينشد عونه، وإذ بالولي الذي كان في حياته كثير الصدقة وهو (إسماعيل) يمد يده من القبر ويعطي السائل رسالة تتضمن أمراً إلى الأمير ليدفع له مبلغ مئة كران، وبعد التمحيص بالرسالة بعناية فائقة تبين أن الملك إسماعيل كتبها بيده ومهرها بخاتمه، ولم يتمكن الحاكم من رفض أمر الصرف ولتجنب تعاقب المشاكل من هكذا كشوف حساب للصرف بنى جداراً لعزل القبر”.
ذلك ما يرويه نيبور من خرافة وهو الذي كان ومجموعته الأربعة يجيدون العربية بطلاقة، وقد اتخذوا أسماء عربية في رحلتهم إلى اليمن.
كان الولاة والملوك والشيوخ قد وعوا تماماً ما كان يدور حولهم من محاولات تجسسية لبعض هؤلاء الرحالة الذين تلبسوا شخصيات إسلامية، شاركت في مواكب وقوافل الحجيج، إذ إن بوركهارت كما يقال كان يشعر ويخاف من دوافع الباشا محمد علي وهو في الآن نفسه كان لا يرغب في رؤية المدينة المقدسة “مكة” وكان محمد علي يشك في أن يكون بوركهارت جاسوساً.
زوجة محمد علي
يصف بوركهارت وقفة عرفات ضمن طقوس الحج التي حضرها في عهد محمد علي باشا، وكان محمد علي مصر وسليمان باشا دمشق قد شهدا عرفات آنذاك واصطفت خيامهما، حيث وضع السوريون في مخيمات على الجهة الجنوبية والجنوبية الغربية من الجبل، والمصريون على الجهة الجنوبية الشرقية.
ويقول: “كان لمحمد علي باشا مصر وسليمان باشا دمشق والعديد من أتباعهم خيام أنيقة جداً، ولكن الأكثر أناقة وفخامة من الجميع كانت خيمة زوجة محمد علي باشا والدة طوسون باشا وإبراهيم باشا التي وصلت مؤخراً من القاهرة ببطانة ملكية حقاً، حيث استلزم لنقل الأمتعة من جدة إلى مكة 5 آلاف جمل، كانت خيمتها في الواقع عبارة عن تخييم يتألف من اثنتي عشرة خيمة بأحجام مختلفة، تقيم فيها نساؤها، محاطة كلها بستار من قماش الكتان بمحيط يبلغ ثمانمئة بيس، والمدخل الوحيد لها كان يحرسه الخصيان الذين يرتدون ثياباً رائعة، كان التطريز الجميل على السطح الخارجي لقماش الكتان، وبألوان مختلفة انتشر على كل أجزائه، يعطي شكلاً ذكرني ببعض الوصف الشعراء في الحكايا العربية في ألف ليلة وليلة”. ويقارن الرحالة العرب الجغرافيا والوقائع التي شاهدوها بما قرأوا في ألف ليلة وليلة، إذ نجد الليدي بلنت تقول:
“في عهد محمد بن رشيد أمير حائل كان المرء من الممكن له أن يسافر غير مسلح، حاملاً أي كمية من الذهب دون أي خوف من المضايقات، كل هذا كما يبدو وكأنه قصة من قصص ألف ليلة وليلة، إذ أن جزيرة العرب أرض الشاعرية والقصائد”.
هارون الرشيد وزبيدة
الشيخ عبدالله أو الرحالة ريتشارد ف. بورتون انتحل شخصية أفغاني المولد كان في وصفه مراسم الحجيج والابتهالات الدينية والأدعية، يختلف عن الرحالة الأوروبيين بأن يقرأ الوقائع الجغرافية من منطق تاريخي في بعض الأحيان، حيث يقول عن سفرته مع الحجيج الآتين من دمشق:
“وصلت قافلة الحجاج القادمة من دمشق في 28 أغسطس وتحت وطأة خطر البدو قرروا المغادرة في اليوم الرابع متخذين الطريق الصحراوي إلى مكة، الذي سافر عبره الخليفة هارون الرشيد وزوجته زبيدة بدلاً من الطريق الأطول الممتد على الساحل”. ونستدل من ذلك أن هذا الطريق هو ذاته الطريق الذي سلكه بوركهارت، ويصف بورتون الوقائع متطرقاً إلى التاريخ مثلما فعل في وصف الطريق، عندما أشار إلى سفر هارون الرشيد وزبيدة ويكرر ذلك في هذا المقطع:
“عندما بدأت المناوشات ـ بعد مغادرة قافلة الحجاج محطة الزريبة ـ لقمت مسدسي وجلست معهم مستعداً لاستخدامه، وللتو رأينا أنه لا يوجد شيء يمكن فعله، وأملاً بترك بصمة – لايوجد أي مكان يهوي فيه بوعبديل الآن سوى الشرق – صحت أطلب عشائي، لبث الشيخ نور في مكانه جامداً من الخوف، لم يتمكن من الحراك، هتف الصبي محمد قائلاً فقط “سيدي” والناس من حولنا تعجبوا باشمئزاز “يا الله إنه ياكل”.
وقد يسألني القارئ ما الغرابة في هذه الحكاية التي يرويها الضابط الرحالة بورتون؟ لنلحظ الجملة الاعتراضية التي يقول فيها “لا يوجد أي مكان ليهوي فيه بوعبديل الآن سوى الشرق” لنجد أنها إشارة تاريخية، رجع فيها بورتون إلى تاريخ العرب في الأندلس حينما جلب قصة أبي عبدالله الصغير “بوعبديل” وهو آخر ملوك الطوائف في الأندلس وحاكم غرناطة التي سقطت عام 1492 على يدي ملكي قشتالة وأراغون فرناندو وايزابيلا واسمه الحقيقي “علي بن الحسن” وكان بورتون يشبه حالته “هو” بحالة بوعبديل الذي لا طريق أمامه سوى أن يجلس ويأكل بعد أن يئس من الحياة عندما هاجم البدو قافلة الحجيج التي كان بصحبتها.
وصف بورتون لبيت الله والكعبة كان أكثر تفصيلاً ودقة من بوركهارت، لكنه لا يختلف عنه في الحيثيات المهمة، وهذا أمر طبيعي لأنه من الصعب جداً أن يتلاعب أي وصّاف بالحيثيات، أما بالمنظر العام فهذا فيه من الاختلاف الشيء الكثير من حيث الدقة والوضوح، وربما نجد اتفاقاً بين بورتون في وصف الخطبة في عرفات كما وصفها بوركهارت.
ومما لا شك فيه أن هؤلاء الرحالة يبدون مشاعرهم ودهشتهم في كثير من الحالات، حيث يقول بورتون مثلاً وهو يشاهد الشعائر الدينية في مكة أثناء الحج “لقد رأيت الشعائر الدينية في بلاد كثيرة، لكن لم تكن في أي مكان بهذا الخشوع قط وهي غير مؤثرة بقدر هذا المشهد”.
ويقول أيضاً “بعد العودة إلى المدينة من تقديم الأضاحي في وادي منى اغتسلنا، وعندما اقترب الظهر عدنا الى الحرم لسماع الخطبة وقفت مذهولا بالمشهد الماثل أمامي، كانت الساحة الرباعية الواسعة مزدحمة بالعباد المصطفين بصفوف طويلة وجميع الجهات تواجه البرج الأسود في الوسط: الألوان المدهشة لملابسهم كانت تتفوق على حديقة بأبهى الزهور، وهذا التنوع في التفاصيل لا يمكن أن يرى مجتمعاً مع بعضه في أي بناء آخر على وجه الأرض”.
الإنجليزي والصبي
اتخذ بورتون صبياً إعرابياً اسمه محمد ليكون تابعاً له، وعلى غرار بوركهارت ـ كما قلنا ـ انتحل شخصية شرقية في البداية وادعى أثناء رحلته من ساوثهامبتون إلى الأسكندرية أنه أمير فارسي، وانكب على الدراسات الدينية وانضم إلى جمعية الدراويش باسم الحاج عبدالله كما قلنا.
حافظ بورتون على الصيام العسير في رمضان، وتعرف إلى كل تقاليد الوضوء والصلاة والسجود، وعرف بعد ذلك عن نفسه أنه أفغاني المولد، ولكنه بعيد عن وطنه من زمن بعيد. لقد أدى بورتون شخصيته الجديدة بشكل جيد لتحميه من أن ينكشف خلال فترة إقامته في القاهرة، حيث تعرف إلى صبي يدعى “محمد البسيوني” أصله من مكة أصبح رفيقه في السفر، وبدا أنه لم يشك بشخصيته حتى انتهاء الحج.
وهنا نتساءل ما ضرورة الإخفاء ما دامت الرحلة إلى حج مكة، وأن هناك من يتحول إلى الإسلام من ديانات أخرى وهم كثر وهو مقبول في الحجيج، ولمن تؤدي هذه المغامرة إن لم تكن ذات غايات أكثر بعداً وخفاءً وريبة.
وتنتهي مراسيم الحج، ويجد بورتون نفسه من المستحيل متابعة الرحلة إلى وسط جزيرة العرب، ونتساءل إذا لم يكن بورتون يريد الحج فعلاً لماذا هذا الانتحال لشخصية أخرى ولماذا لم يتابع رحلته باتجاه أعماق الجزيرة، هل هو ضيق الوقت فعلاً أم خوفه من قبائل الصحراء، وهنا نتساءل أيضاً لماذا جاء هذا الرجل الغامض؟.
يعود بورتون بعد “الهدي” من مراسيم الحج فيتحدر إلى الأراضي المتحدرة باتجاه البحر، حيث تتراجع الهضاب وتدل كل المظاهر على مغادرة أرض مكة الهضبية، وتتوزع المقاهي المنعزلة بعيداً عن الطريق، ويصل بورتون إلى جدة مع ما وصل من الحجاج بأمان ومن جدة يشق بورتون طريقه على متن باخرة إلى السويس ويعود إلى القاهرة دون الصبي المكي محمد، هذا الصبي الذي بدأت تساوره الشكوك حول حقيقة شخصية بورتون بعد أن رآه بصحبة الضباط الإنجليز والذي غادره قبل أن يبحر.
حج إلى نجد
ربما تعد رحلة الليدي بلنت والمسماة “حج إلى نجد” مع زوجها وعدة خدم مواطنين رحلة حقيقية من عدة نواح جديرة بالملاحظة أكثر من أي بطولات سابقة، إذ إن الجميع سافروا متنكرين “ينبور” و”بوركهارت” و”ويلستد” و”بورتون” و”بالغريف” إلا الليدي بلنت، أما سبب تنكرهم فاعتقادهم باستحالة الدخول إلى الداخل “الجزيرة العربية ونجد والحجاز” لغير المسلمين، أما الزوجان بلنت فلم يتظاهرا بأي شيء، بل ذهبا كمسافرين أوروبيين، رغبة منهما برؤية البلاد، وزيارة حكامها، فقد قطعا عرض شبه الجزيرة كله، من بيروت على ساحل البحر المتوسط إلى بغداد المطلة على دجلة، قاطعين النفود الكبرى، أو وسط الصحراء، زائرين حائل وجبل شمّر وعدة أماكن أخرى في نجد.
وما يختلف فيه الرحالة بالغريف والليدي بلنت أنهما قد قاما بتهجئة أسماء الأماكن التي مرا بها بشكل مختلف.
حسناً في طريق عودتهما نشرت الليدي بلنت قصة مغامراتها الجديرة بالاهتمام تحت اسم “حج إلى نجد”.
كان هدف الليدي بلنت هو “الجوف” وهي واحة مهمة في الصحراء على بعد أربعمئة ميل، ولم يكن لدى الزوجين الرغبة في السفر بألوان مزيفة، كالعرق أو الجنسية أو الدين أو المسمى كالمسافرين الإنجليز الذين حاولوا صناعة ستارة من الإخفاء والخفاء في طريقة لطمس المظاهر التي تدل على إنجليزيتهم.
درجات الحقيقة
في المقارنة بين رحلة الليدي بلنت وزوجها وبين رحلة الرحالة بالغريف، نجد أن الليدي بلنت لم تتأثر بذاك التأثر الحسن بالجوف الذي كان لدى بالغريف الذي استخدم مصطلح الجوف بشكل أوسع، متضمناً عدد الواحات المتموضعة في مكان بيضوي الشكل كبير مجوف على طول ستين أو سبعين ميلاً وعرض عشرة أو عشرين ميلاً يمتد بين الصحراء الشمالية التي تفصله عن سوريا والفرات والنفود الشمالية أو قفار الرمال التي تدخل بينه والجبال الشمالية عن الهضبة العربية المتوسطة.
اختلف الاثنان بلنت وبالغريف ولكن إلى أي درجة من الحقيقة أن هذين الرحالتين لم يريا الأشياء بالمنظار نفسه.
قد نتساءل هل أن هذين الرحالتين مصيبان بشكل معقول بوصفهما لكنهما لخصا انطباعاتهما من وجهة نظر معاكسة من الناحية الوصفية. ولكن من الطبيعي القول إن زمن رحلة بلنت اختلف عن زمن رحلة بالغريف لبعد الشقة بينهما وما حصل من تغييرات سياسية.
واستطاعت بلنت بعد أن ارتحلت من الجوف باتجاه حائل وهي تقطع النفود المفزعة أن تقدم الكثير من الوصف بأقل كآبة مما وصف به بالغريف.
إن من أسباب اختلافات وصف هذين الرحالتين عن بعضهما يعود إلى اختلاف الزمن الذي مرا به عن تلك الأراضي، إذ عبر بالغريف الصحراء في منتصف الصيف، ولهذا كان وصفه كئيباً مجهداً، بينما عبرت بلنت في يناير فجاء وصفها ممتعاً. وبالرغم من تناقض وصفهما لصحراء النفوذ وكذلك الجوف إلا أنهما كانا دقيقتين وصحيحين من وجهتي نظر مختلفتين، حيث اختلاف الشتاء والصيف، والليل والنهار، كما أن الصحراء قد ترى بأوضاع وبألوان مختلفة بتأثير الشمس نهاراً والقمر ليلاً لما في الصحراء من معادن وما يسقط ويشكل من سراب وندى،
ندى الصحراء
تقول بلنت “إن أول ما لفت انتباهي في صحراء النفوذ هو لونها، فهي ليست بيضاء كالكثبان الرملية التي مررنا بها البارحة، ولا هي صفراء، كما هي الحال في أجزاء من الصحراء المصرية، لكن لونها أحمر زاهٍ يكاد يكون قرمزياً في الصباح عندما يرطبها الندى”.
وتضيف: “كان لونها هو ما أدهشنا، فبسبب أحجار الراوند والمغنيزيا لا تشبه أياً من الرمال التي شاهدناها حتى الآن، ولا تشبه ما وضعناه من توقعات حيالها، إن النفوذ هي فعلاً الصحراء الحمراء الكبرى، في وسط جزيرة العرب، وخلال دقائق عدة وصلنا إليها وخاضت فرساناً بقوائمها في أولى موجاتها”. ونجد في وصف الليدي بلنت هذه الغرابة التي لا نجدها عند بالغريف من خلال اكتشافها ما هو غير اعتيادي فتقول: “هناك أيضاً عدة أنواع من كلأ الجمال، وبالأخص نوع جديد علينا يدعى الأدر، يقال إن الأغنام تتغذى عليه لمدة شهر دون أن تحتاج إلى الماء”.
تسرد الليدي بلنت قصة ما حصل في حائل للحاكم طلال ولأخيه متعب وما جرى بعد أربع سنوات من رحلة بالغريف.
نعم لقد مر الرحالتان بقصة الصراع على السلطة في حائل وكيفية استقبال محمد بن رشيد لبلنت بالرغم من دمويته. وتتطرق الليدي برنت إلى ما سبق أن تطرق إليه بالغريف من ولع بخيول آل رشيد، خاصة خيول محمد بن رشيد التي هي من أندر الخيول في العالم.
قصة صراع
تروي بلنت “فقد طلال الحاكم المستبد في حائل صوابه، وانتحر بطعن نفسه بواسطة خنجره الخاص بعد أربع سنين من زيارة بالغريف. وقد خلفه أخوه متعب الذي على أية حال توفي فجأة بعد أن حكم ثلاث سنين، عندها نشب خلاف بين أخيه محمد وبندر الابن الأكبر لطلال حول الخلافة. كان محمد بعيداً في ذلك الوقت، وأما بندر الشاب ذو العشرين عاماً فقد نُصب أميراً، عاد محمد، وبصراع عنيف مع ابن أخيه سحب خنجره وطعنه فقتله.
وبعدها ركض محمد إلى القلعة ووجد هناك حمود “ابن عبيد، عم طلال” فحصل على مساعدته واستولى على القصر. وبعدها حجز الابن الأصغر لطلال “أورد بالغريف اسم طلال بتهجئة مختلفة” وإخوة بندر كلهم ما عدا ولد صغير هو نايف، وكذلك بدر الذي كان غائباً عن حائل، فقطع خدمه رؤوسهم في ساحة القلعة.
يقولون على أية حال إن حموداً احتج على هذا. ولكن محمداً كان متهوراً، أو أراد أن ينشر الذعر، ولم يكن راضياً بما كان قد فعله، فمضى قدماً مخرباً كل علاقاته.
“كان هناك بعض أبناء عمومة له، هم أبناء عمه جابر الأخ الأصغر لعبدالله وعُبيد، فأرسل إليهم للمثول أمامه. فقدموا إلى القصر متوجسين شراً، ومع كل منهم عبده. كانوا شباناً تلوح عليهم غضارة الصبا وعلائم النُبل والنعمة، وكان عبيدهم نشأوا معهم كما هي العادة، كإخوة أكثر منهم خدماً. تتم إدخالهم إلى قهوة القصر، فاستُقبلوا بغاية الحفاوة، وكان خدم محمد سبقوهم لدعوتهم للداخل. كانت العادة في حائل عندما القيام بزيارة للأمير أنه يتوجب على الزائر قبل أن يجلس تعليق سيفه على أحد الأوتاد الخشبية المثبتة في الجدار، فكان هذا ما فعله أبناء جابر، وكذلك عبيدهم على حد سواء. ثم جلسوا فانتظروا طويلاً، غير أن القهوة لم تُقدم إليهم. وفي الختام ظهر محمد مُحاطاً بحرسه، لكنه لم يبادرهم بالسلام المعهود “السلام عليكم”، وما لبث أن أعطى الأوامر بالقبض على أبناء عمومته وتقييدهم. هُرعوا فوراً إلى سيوفهم المعلقة، لكن حرس القصر حالوا بينهم وما يبغون، وأمسكوا بهم. ثم أمر محمد بكل قسوة وبربرية بتقطيع أيديهم وأرجلهم، وكذلك أيدي عبيدهم وأرجلهم، ثم أمر بسحبهم، وهم ما زالوا على قيد الحياة إلى باحة القصر، حيث بقوا مرميين إلى أن لاقوا حتفهم صبراً.
وتواصل بلنت “هذه الجرائم المروعة، أشد فظاعة من أي شيء حصل في البلاد، حيث إراقة الدماء عمداً كان شيئاً غير عادي، وهو على ما يبدو نشر الذعر في كل مكان، ولم يعد أحد يجرؤ على رفع يده ضد محمد”.
تلك هي رحلات الرحالة الغربيين التي تصب في مفاصل وأغراض الاستشراق التي كانت ذات أبعاد ملغزة حقاً، ومجهولة الأسباب والدوافع والتي تحتاج إلى قراءات متأنية لكشف خباياها.
جريدة الاتحاد الإماراتية
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: