مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

بليـغ حمـدي لحـّن لأم كلـثـوم وهـو فـي الثلاثيـن مـن عمـره

بليـغ حمـدي لحـّن لأم كلـثـوم وهـو فـي الثلاثيـن مـن عمـره
 
إليـاس سحّاب
العقد الثالث من القرن المنصرم، أي عقد العشرينيات من القرن العشرين، شهد في كل من مصر ولبنان ولادة كوكبة من نجوم الموسيقا العربية والغناء العربي، مثل وديع الصافي وصباح وعبدالحليم حافظ في الغناء، ومحمد الموجي وكمال الطويل وبليغ حمدي، وعاصي ومنصور الرحباني وتوفيق الباشا، وذلك في ظاهرة مكررة لحقبة العقد الأخير من القرن التاسع عشر، التي شهدت في مصر ولادة كل من سيد درويش ومحمد القصبجي وزكريا أحمد ومحمد عبد الوهاب وأم كلثوم. وهي ظاهرة طبيعية تذكرنا بأن مواسم العبقرية الفنية لدى الأمم، أشبه بمواسم الأرض الزراعية لدى المزارعين، تعرف حيناً موسماً شديد الخصوبة، كما تعرف في أحيان أخرى مواسم قاحلة.
المهم، أنه عندما ولد بليغ حمدي في أواخر عقد العشرينيات من القرن العشرين، بعد عبد الحليم حافظ بعام واحد، كان سيد درويش قد أنهى في ذلك العقد حياته مختتماً ثورته الموسيقية المؤسسة لمدرسة القرن العشرين في الموسيقا العربية، وكان محمد عبد الوهاب قد بدأ يتربع مع زميله العبقري محمد القصبجي على عرش قيادة التجديد في الموسيقا العربية بعد سيد درويش، كما بدأ يتربع على عرش الغناء العربي في القرن العشرين مع أم كلثوم. كذلك كان العبقري الآخر زكريا أحمد قد بدأ يقود ثورته التجديدية من داخل الفلسفة الفنية للقرن التاسع عشر.
هذا المشهد فاحش الثراء على الصعيد الموسيقي والغنائي، كان الحضن الذي تربى فيه الطفل بليغ حمدي، الذي ولد بمواهب موسيقية غير عادية، كما سيتضح ويثبت بعد ذلك بسنوات، وهو حضن فني بالغ الخصوبة امتد طوال عقدي الثلاثينيات والأربعينيات من القرن المنصرم، مع ظهور مواهب عبقرية أخرى مثل رياض السنباطي وفريد الأطرش ومحمد فوزي وأحمد صدقي ومحمود الشريف. لكن البداية الفنية لبليع حمدي، عندما اشتد عوده، لم تكن مع ذلك واضحة، فيبدو أنه قبل أن يكتشف ينابيع الإبداع الموسيقي لديه، أحس بميل فطري إلى الغناء، فتقدم من الإذاعة المصرية في أواخر الأربعينيات فصنفته مطرباً ناشئاً. وبالفعل تضم مكتبة إذاعة القاهرة أغنيات أداها المطرب الناشئ بليغ حمدي من ألحان سواه، بعضها لحنها له رؤوف ذهني. لكن ملكة التلحين ما لبثت أن غلبت بليغ حمدي على أمره، ربما بمساعدة تنبه بعض زملائه إلى طغيان موهبة التلحين على موهبة الغناء لديه. لكن ذلك استغرق بعض الوقت حتى عقد الخمسينيات.
ومع أن رفيق عمر بليغ حمدي عبدالحليم حافظ كان قد انطلق في ذلك الوقت في رحلته الفنية الرائعة مع زميليه العبقريين كمال الطويل ومحمد الموجي، بعد أن انضم إليهما في تزويد حنجرة عبد الحليم حافظ بروائع الألحان الموسيقار المعلم محمد عبدالوهاب، فإن بداية بليغ حمدي الملحن الناشئ الموهوب، لم تكن أبداً مع عبد الحليم حافظ، بل مع صوتين نسائيين صاعدين في ذلك الوقت، هما المطربة الصاعدة فايدة كمال (التي اشتهرت فيما بعد بأداء أجمل الأناشيد الوطنية الحماسية)، وذلك في أغنية «ليه يهجر ليه»، ثم المطربة الناشئة القادمة من دمشق إلى القاهرة بحثاً عن الشهرة والمجد، فايزة أحمد، في أغنيتين «ما تحبنيش بالشكل ده» ثم «حسادك علموك». الغريب أن هذه الألحان الثلاثة الأولى للملحن الناشئ يومها بليغ حمدي، عرفت منذ انطلاقتها الأولى نجاحاً وانتشاراً جماهيرياً، وضعت اسمه رأساً في قائمة الملحنين الموهوبين الناجحين. في ذلك الوقت تقدم بليغ حمدي لتلحين أغنية أولى للنجم الساطع عبدالحليم حافظ، في أحد أفلامه، «خسارة خسارة، فراقك يا جارة»، ما لبثت أن احتلت منذ إذاعتها الأولى موقع الأغنيات الناجحة لعبد الحليم مع ألحان الثنائي اللامع الطويل والموجي.
لكن يبدو أن أحلاماً كبيرة في التلحين سرعان ما بدأت تداعب مخيلة الملحن الموهوب بليغ حمدي، فعمد إلى الاقتراب من حنجرة المطربة الكبيرة ليلى مراد، التي كانت في تلك الأيام قد بلغت مرحلة الشيخوخة الفنية المبكرة، واقتربت من الاعتزال الفني والغنائي المبكر. لكن النجم الصاعد عبدالحليم حافظ الذي يمكن اعتباره صياد الألحان الباهرة، استمع إلى اللحن في بروفة أولى، فسحره وقرر الحصول عليه.
ولما فاتح الملحن الناشئ بالأمر رفض بليغ لأنه هو الآخر كان يتمنى أن تغني المطربة الكبيرة ليلى مراد لحناً من ألحانه في نهاية عمرها الفني. لكن إلحاح عبد الحليم حافظ بلغ حداً دفع بليغ حمدي إلى أن يقول له: «إذا استطعت إقناع السيدة ليلى بالتنازل عن اللحن فهو لك».
فما كان من عبد الحليم حافظ إلا أن استغل إلى آخر مدى طيبة ورقي ليلى مراد، فأقنعها بسهولة بالتنازل عن لحن بليغ حمدي، الذي أصبح فيما بعد واحدة من أشهر أغنياته. والدليل على ذلك، أنه في فترة زواج بليغ حمدي ووردة، أعاد غناء «تخونوه» تلفزيونياً كثنائي مع زوجته وردة، وهو يعزف على آلة الغيتار.
لكن فرصة العمر أمام هذا النجم الذي لمع كالشهاب الساطع في سماء الموسيقا العربية، لم تتوقف عند هذه البدايات الناجحة، بل جاءت على يد عبقري آخر من الزملاء الكبار للملحن الناشئ بليغ حمدي، هو الموسيقار والمطرب والممثل اللامع محمد فوزي. كان فوزي يعد العدة في تلك الأيام من أواخر عقد الستينيات لتتويج حياته الفنية بالتلحين لسيدة الغناء العربي أم كلثوم.
لكن أخلاق الفرسان التي كان يتمتع بها محمد فوزي، لم تمنعه رغم ذلك الهدف الشخصي، من الالتفات إلى الموهبة الموسيقية الجديدة لبليغ حمدي، المنطلقة في ميادين الموسيقا العربية كالحصان الجامح. فما أن استمع إلى مطلع أغنية كتبها عبد الوهاب محمد، وبدأ بتلحينها بليغ حمدي، حتى قرر أن يقدم النجم الجديد إلى أم كلثوم ويقترح عليها غناء لحنه الجديد، قبل أن يحقق أمنيته الشخصية بالتلحين لأم كلثوم، وهي الأمنية التي رحل محمد فوزي عن الدنيا دون تحقيقها.
وكانت تلك ضربة الحظ الأكبر في حياة بليغ حمدي الموسيقية الغزيرة، ذلك أن أم كلثوم لم تكتف بلحنه الأول «حب إيه»، بل تبنته كنجم جديد في حقل أغنياتها الموسمية في حفلاتها الشهرية (قبل عبد الوهاب بأربع سنوات) حيث ظل يلحن لها أغنية طويلة في كل سنة، حتى رحيلها. وكانت تلك الأغنيات حسب توالي ظهورها: حب إيه، أنساك، ظلمنا الحب، كل ليلة وكل يوم، سيرة الحب، بعيد عنك، فات الميعاد، ألف ليلة وليلة، الحب كله، حكم علينا الهوى. لكن بليغ حمدي، وسط هذه السلسلة من الأغنيات العاطفية التي لقيت استحساناً بارزاً من جمهور الحفلات الحية لأم كلثوم (عدا الأغنية الأخيرة التي سجلتها على أسطوانة ورحلت قبل غنائها على المسرح) وضع لها في العام 1967 لحناً وطنياً رائعاً هو واحد من أبرز الردود الفنية على هزيمة 1967، هو نشيد «سقط النقاب عن الوجوه الغادرة».
لم ينته العقد الأول من ظهور موهبة بليغ حمدي التلحينية، الذي توج في الشهر الأخير من العام 1960، عندما كان بليغ يتم الثلاثين من عمره، حتى انطلق بليغ حمدي بموهبة متدفقة كالشلال الهادر، يسابق عمره في وضع الألحان ذات اليمين وذات اليسار لأشهر الحناجر الساطعة في عصره مثل أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة ووردة وشادية ومحمد رشدي. وقد بلغ من غزارة بليغ حمدي في عقد الستينيات بشكل خاص أنني كتبت مرة إنك إذا استمعت إلى لحن قريب من القلب، ولم تكن تعلم من هو الملحن فإنك لن تجانب الحقيقة في كثير من الأحوال إذا نسبت اللحن إلى بليغ حمدي.
سألت مرة الموسيقار محمد الموجي، في لقاء شخصي في بيروت، وكان بليغ حمدي قد أطلق لعبد الحليم حافظ مجموعة الأغنيات المبنية على الفولكلور مثل التوبة وسواح وعلى حسب وداد قلبي، سألت الموجي عن رأيه بموهبة زميله بليغ حمدي، فقال لي: «هذا الرجل دماغه مليئة بالموسيقا، لكنه شديد الاستعجال». أما الموسيقار كمال الطويل فكان يقول لي إن بليغ حمدي كان أنشطنا في الإفادة من جهود الدولة في إيجاد مركز لتجميع كنوز الألحان الفولكلورية المصرية، وكان أنشطنا في الاطلاع على هذه النماذج والإفادة منها في ألحانه لعبد الحليم ومحمد رشدي وشادية خصوصاً. أما الموسيقار محمد عبدالوهاب فقد كتب في أوراقه الخاصة واصفاً العبقرية الفطرية لبليغ حمدي، مشبهاً إياه بأنه كالطفل الذي يلهو بأصابع قدميه بكنوز من الموسيقا.
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: