مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

تيشكا أوحين تستيقظ حافاتنا النائمة

تيشكا أوحين تستيقظ حافاتنا النائمة
 
عبده حقي
هل هي الأقدارأم رعونة جرة قلم طوحت بي في شتنبرمن سنة 1979 إلى  جبل طوبقال ؟ لاجرم أن قرارتطويحي بعيدا .. بعيدا .. كان على قدرطول لسان قصائدي الشعرية أوربما أكثربقليل ..!!
منذ أول الخطووأنا أودع عتبة الدارفي مكناس ،دوت أولى عواصف ذلك العام وقصفت رعود قبل الأوان ، جعلتني منذ بداية رحلتي السندبادية على شفيرحافات تيزي نتيشكا أتنذرلهذه المهمة النبيلة والمستحيلة التي من دون شك سوف تسم ذاكرتي بكثيرمن ندوب الألم العميقة .
إبتدأت رحلتي الدرامية إلى تيشكا في سبعينات القرن الماضي بحادث إنهيارأكمة على خط سكة الحديد بمشارف قرية (عين كرمة) بضواحي مكناس ، مما كان سببا في تأخرقطارنا العزيززهاء ثلاث ساعات بات المسكين خلالها سهرانا في خلاء قفر، مشمولا برعب الظلام وبكاء الأطفال ودمدمات الرجال ونواح النساء ونباح الكلاب في المداشرالقصية .. لاأحد من الركاب كان يعلم بما جرى لقطارنا ولاأحد من المستخدمين من كان يملك الجواب على هذا التوقف الطويل المباغث في تلك الساعة المتأخرة من هزيع أيلولي قائظ.. وكان بسبب هذا الحادث أن تخلف قطارنا عن موعده في محطة الإستبدال في قرية كانت تسمى تجاوزا مدينة سيدي قاسم أو(بيتيجا) كما كان يطلق عليها بعض القرويون من قبائل الشراردة وبني حسن وهي تحوير دارجي للإسم الفرنسي (PETIT JEAN ) مما دفع بإدارة (م و س ح )  في ذلك الهزيع المرعب إلى نقلنا على متن ناقلات إلى قرية (بيتيجا) بعد أن قطع جميع الركاب مشيا على الأقدام مسافة طويلة معتمة بين الحقول والأحراش والخلاءات .
كان على قطارنا إذن أن يصل حسب برمجته إلى الدارالبيضاء على الساعة السادسة صباحا ، غيرأنه وبسبب حادث الردم الآنف الذكرلم يصل إلا في حدود العاشرة والنصف ، مما كان سببا مرة أخرى في تخلفنا عن موعد القطارالموالي المتوجه إلى مدينة مراكش وللمرة الثانية أيضا تجد إدارة (م و س ح ) نفسها مضطرة إلى نقلنا على متن ناقلات مهترئة تشبه توابيت من قصديرصدئة إلى مدينة مراكش … لم أشعربطول المسافة ولا بأتعابها المتلونة .. لم أدري لماذا ..؟ ربما هي نشوتي بأولى أسفاري بعيدا عن سلطة الأب ورقابة الأم الزائدة دوما عن اللازوم .. كانت تلك اول رحلة طويلة في عمري بعيدا عن مسقط رأسي بمكناس ، وعن حارتنا التي ترعرعت فيها ونموت ولهوت وكبرت ودرست وتحصلت بين أسوارها العتيقة على جميع شهاداتي الدراسية المشؤومة .
توقفت الناقلة في ساحة جامع لفنا على الساعة الخامسة مساءا .. كانت الشمس ماتزال متوقدة ، تبدوأقرب إلى رؤوسنا من أفاريزالمقاهي أوشمسيات العرافات .. شعرت كأنني وسط دوامة قيامة آدمية .. لم أعتد على مشاهدتها حتى في عزجذبة موسم شيخنا الكامل (الهادي بنعيسى) . ولاأخفيكم سرا أنني ذهلت أشد الذهول لهذا المهرجان الإحتفالي المصطخب في جامع لفنا .. فالبرغم من كوني إبن ساحة فرجوية وتاريخية وعالمية إسمها(لهديم) فإن ساحة جامع لفنا قد شطبت بالمرة من ذاكرتي وبضربة واحدة فقط ، كل ما علق بذاكرتي من مظاهرالكرنفال اليومي في (لهديم) .
وفي لحظة ، لم أشعر إلا وأنا ألقي بجسدي المنهك على سريرحديدي مترهل في إحدى الفنادق الشعبية بحومة (سيدي بولوقات) ، أسلمت جسدي لغفوة لذيذة رغم وخزات أسلاك السريرولسعات البق ودبيب البراغيث وضياع مخيلتي في كوابيس هديرالناقلات المهترئة … ولم أستيقظ إلاحوالي الساعة السابعة صباحا على نقرات بندير..كانت تتناهى إلى مسمعي من خلل النافذة المشرعة على ضجيج جامع لفنا .
نزلت إلى الساحة ، وما أغرب وأعجب مارأيت .. بنديرمربع بين بيدي عازف أمازيغي وسم ذاكرتي بحادث متفرد ولوحة منزاحة تشكيليا عن بناديرنا الدائرية المألوفة في رقصات أحيدوس، إذ لأول مرة في حياتي أشاهد بنديرا رباعي الشكل وبوجيهن للدف ، بل الأغرب من كل هذا وذاك أن الحلايقي ذي الأصول الأمازيغية الصحراوية كان وحيدا في ساحة جامع لفنا في تلك الصبيحة ومن من دون شك أنه كان يرغب في أن يستفرد بموقع إستراتيجي على منصة الفرجة في وقت مبكرقبل أن تضايقه زحمة غرماؤه.
في الثانية بعد الزوال حجزت تذكرتي في محطة الساتيام المتواجدة بجواركافيه فرنسا الشهيرة CAFEDE France . أودعت حقيبتي الظهرية العسكرية (SAC AU DOS  ) وأمتعتي الباقية عند مصلحة الودائع بالمرأب التحتي .. وبينما كنت منتشيا بعب سيجارة (وينستون) أمام بوابة المقهى المطل على جامع لفنا في إنتظارموعد إقلاع الناقلة ، راعني وآلمني مرة أخرى حادث لايقل قساوة عن مسلسل حوادث قطاراتنا ومراكبنا في هذه الرحلة الدرامية ، إذ شاهدت عونا بمصلحة الودائع يقذف بوسادتي الأنيسة كالكرة على سطيحة المرأب العفنة والمسودة بدخان العادم وبقع المازوت.. وسادتي الأسطوانية الحميمية (المزود) التي شغلتها والدتي بكثيرمن العناية والتطريز، لعلها تؤنسني في وحدتي وتذهب عني بعض كوابيس الوحشة والغربة …
وعلى الساعة الثانية بعد الزوال إنطلقت الساتيام من مرأبها بجامع لفنا عبرالمدينة الجديدة جيليز ثم باب أغمات وباب الرب في إتجاه مدارج الأطلس الكبيرالشامخ هناك . كانت الساتيام تعارك العقبات والفجاج والمهاوي .. وكنت حينها لاأشك في أنني أشعربنفس الإحساس الذي غمرالمستكشف أمسترونغ وهويخترق السماء بمسباره المارق … كان شعورا هومزيج من الدهشة والشهقة المضطرمة في صدري تارة كالناروتارة كالثلج .كنت لاأجرؤ على النظرإلى قعرالفجاج (تيزي) .. أنا الذي نموت وتربيت على العدوفي مرابع حقول سايس الموغلة في إنبساطها إلى أبعد الآفاق … كنت أرى في هذه الفجاج السحيقة النساء مثل خالات سوداء على سمرة السفح وهن تلتقطن حزمات الحطب القليل لمواقد الأفران التقليدية .. وفي لحظة لم أشعرإلا والناقلة قد إرتفعت بنا إلى علو 2200 متروعلى يميني رأيت يافطة كتب عليها (محطة تيزي نتيشكا) .
كان علي أن أبيت ليلتي الأولى في مقهى بقرية أكويم على الطريق الرئيسي في إنتظار قدوم شاحنة (بيرلي المغرب) الصفراء منتصف الليل الموالية لتقلنا إلى أحشاء جبل طوبقال المنكمنة بين منعرجات الطريق المتربة ال(بيست) . وأكاد أزعم أنني لم أرقط في حياتي عراقيب وفجاجا وجلاميد بهذه الأشكال الخرافية على ضفاف الوادي … وأكاد أزعم أيضا أنني لم أشعرقط في حياتي مثلما شعرت بصعقة الغربة القوية ، بل لأول مرة أدركت المعنى العميق والحقيقي لكلمة (غربة )… وكثيرا ما كنت أتساءل في نفسي عما يفعله هؤلاء البشرالوديعون الطيبون هناك على كفي هذه الجغرافيا العنيدة والقاسية التي تسكن حركاتهم وسكناتهم بدل أن يسكنوها ويتواشجوا مع بيئتها القاسية.
هنا وجدتني وكل جوارحي تصادق الأرض في عذريتها المطلقة وجسدها الطبيعي المدبب الفاتن .. كنت أخال كما لوأن لتلك الأعالي القصية متاهات تغري حتما باختراقها الألذ.. باكتشاف المغرب العميق الذي وسمه الإحتلال البغيض بالمغرب (غيرالنافع) من أجل التمويه والإلتفاف البذيء والماكرعلى كنوزه المعدنية المنكمنة هنالك في رحم الأرض .
أن تدخل أرخبيلات طوبقال من بوابة تيشكا معناه أن تفتح كتابا لحكاية لاتختلف عن غوايات قصص ألف ليلة وليلة .. هناك حيث تسكن شهرزادات الحكايات الأمازيغية في مغارات وكهوف الأكمات والتلال السامقة . معناه أنك لن تحتاج في رحلتك إلى إرواء عطش المنعرجات العليا إلى قربة ماء لأن الماء من دون شك سيأتيك لوحده رقراقا متدفقا بين كفيك أوحتى منسكبا في جيوبك …
ذات شتاء قفلت عائدا .. تركت المداشرالمتناثرة هنا وهناك تفرك عيونها عند ذلك الفجرالدجنبري البارد .. وجدت حيطان تيزي نتيشكا كما هي مزنرة بالصخروحافاتها المتربصة مشرعة قبورها للعجلات الغفل أوللأقدام المتلعثمات على الحافات.. قضينا نصف يوم تقريبا على الطريق المتربة الفاصلة بين فجاج (تيزي نتيست ) غربا و(تيزي نتيشكا) شرقا .. وهو طريق متربة أشبه ماتكون بحزام تتمنطق به قامة الأطلسي الذي يشطرمنطقة سوس إلى نصفين .
في الثامنة صباحا وصلنا مقهى أكويم ب(تيزي نتيشكا) .. كنا كلما توغلنا في الطريق كلما إتسعت من تحت ناقلتنا رقعة الثلوج وامتد بساط الجليد  … ألفيت المقهى دافئا .. عبقا بأبخرة حساء (أسكيف) وبراريد الشاي الساخن فوق المجامرالطينية المصطفة على دكة طويلة . إحتسيت زلافة أسكيف دافئة منقوعة في الزيت البلدي وكأس شاي ساخن .
كان الزمن هنالك ينساب وئيدا مثل نهر واهن أتعبته المسافات الأفعوانية .. كنت أكاد أتسمع لرقرقة الزمن .. ومن كوة المقهى كنت أرى التلال الأرجوانية والأطفال رعاة الماعزوالفتيات الشلحات الجميلات تائهات بين مدرجات الحقول المعلقة.. وشباب هائمون في القنن البعيدة السامقة ينقبون عن أحجارالكرانيت النفيسة والأحجارالمتخللة بلألأة المعادن الثمينة .. ونساء ملتحفات في حياكهن السوداء .. لامواعيد هنا تشغلهم ولا ساعات تصفد المعاصم بدورانها الغبي إلا مواعيدهم مع الأرض وأعراس الغلات والسلال المكتنزة بثمار الجوزوأزهاراللوز ومحصول الذرة العسجدية …
تبدو قرية أكويم في قمة تيزي نتيشكا مثل معبر جمرك في مفازات صحراء تيكساس .. وأنت هنالك تشعركما لو أنك خرجت من عصورالفطرة إلى عوالم القرن الواحد والعشرين المتجهة إلى ضوضاء كازابلانكا العصرية .
كان هديرالناقلة يقترب شيئا فشيئا من المقهى القروي .. ناقلة الغزالة التي ستعود بنا من قمة تيزي نتيشكا إلى نجود مراكش .. وجدت الناقلة في ذلك الصباح الدجنبري دافئة في الداخل مما جعل زجاجات نوافذ الإغاثة مضببة بكثافة .. وكانت عجلات المركبات السابقة قد حفرت الطريق الثلجية أمامنا بخطان يمضيان تارة في إلتوءات حادة تشرئب على الحافات العميقة وتارة تكاد تلامس حائط الجبل الشاهق .. وفي لحظة لم اشعرإلا وأنا أصرخ وحيدا من بين عشرات الركاب محذرا السائق من أن العجلة الأمامية على يمين الناقلة قد كادت أن تقع في المنحدرالثلجي القاتل .
كان صراخي كافيا بفضح هويتي الغريبة عن المكان والناس وبأنه من دون شك جعلت الركاب جميعا يخمنون أنني أعبرمنعرجات تيزي نتيشكا لأول مرة في حياتي .. وبدت الناقلة كما لو أنها ماضية مع المنحدرلوحدها من دون سائق .. وتهيأ لي أيضا أن سرعتها بدأت ترتفع وتحتد رويدا رويدا … وفجأة ومن حيث لم نكن نتوقع أي خطرما ، شاهدنا ما يشبه أفلام (الإكشن) حين إصطدمت ناقلتنا بشاحنة كانت رابضة على جنب الطريق الضيق كان عمالها منهمكون في نقل أحجارالبناء على الأرجح .. بحيث لم يجد سائق الناقلة بدا من الإصطدام بالشاحنة لتفادي أحد الأمرين الحتميين ، إما الإرتطام بحائط الجبل أوالوقوع في قعرالحافة الرهيبة … لكن قوة الإصطدام قذفت بأحد العمال من فوق الشاحنة إلى قرارالحافة بينما أصيب عامل آخرفي المقصورة بوعكات وكدمات أفقدته وعيه وكنا نسمعه يغمغم بتشلحيت عبارات ..
الحمد لله أن هذه الحادثة السبعينية كانت أقل فداحة وهلعا من حادثة شهرتنبر 2012 الأليمة والتي أودت بحياة ما يناهز43 ضحية بريئة .
كان على جميع الركاب ناقلتنا المعطوبة أن يترجلوا في إنتظارمنقذهم من الظلام وكان علي في ذلك الغبش وتلك القيامة التي طوقتني وسط الحادثة السبعينية أن أتقمص هيأة شاب هيبي هائم وهارب إلى صفاء الغابة من مجتمع ليبرالي متوحش.. كنت احمل قيثارتي فوق كتفي الأيمن وحقيبتي الظهرية (الساكادو) ذات اللون العسكري على ظهري وانتصبت جنب الطريقي الرئيسي قرب قرية (تادارت) المتوجهة إلى مراكش .. لأول مرة في حياتي جربت لعبة (الأوتوستب) رافعا إبهامي ومتشبها بالعازف العالمي (جيمي هاندريكس) ، أبحث لي عن منقذ من هذا الضلال والقدرالسفري المرعب وأفتش لي في أحشاء جبال الأطلس الكبيرعن نهاية لأعطاب السفرمنذ أول خطوي الأول بمكناس إلى جبل طوبقال عبورا بكل جغرافية الوطن من شماله إلى جنوبه.
إنتظرت لساعات وساعات على حافة الطريق في قرية (تادارت) وأخيرا وبعد طول إنتظاري بدا لي ضوء سيارة يشع ويختفي من بعيد في المنعرجات الطريق الجبلية . وشيئا فشيئا كان يقترب مني وكان حظي هذه المرة صائبا حين توقفت سيارة رونو5 بها شابان في مقتبل العمروكانت محشوة بالكثيرمن الأمتعة حتى ضاقت بها الجنبات . تقدمت خطوتين وقدمت للسائق نفسي باعتباري منكوب حادث إصطدام الناقلة بالشاحنة وأسهبت في شرح أسباب سفرتي هاته إلى جبال الأطلس ومهمتي المبجلة التي أديتها والتي سافرمن أجلها بعض أجدادنا قديما إلى الصين …وبدا أنهما أشفقا لحالي وأخيرا أوجدا لي بالكاد مكانا بين ركام الحقائب والرزم في الكرسي الخلفي …
 
 
Advertisements

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: