مجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة الموقع السابق

كيف تتم صناعة ملك الأيالة الشريفة

كيف تتم صناعة ملك الأيالة الشريفة
 

عبدالعزيزكوكاس
خاص بالموقع
 
 البروتوكول كلمة إغريقية تشير إلى علم العرف ويقصد به مجموع القواعد التي يكتسبها الشخص وفق المران والممارسة للتصرف بشكل معين في ظرف معين وفق مراسيم تحيل على مهارات شخصية منقولة بالتوارث، وفي المغرب تشير كلمة بروتوكول في جزء كبير منها إلى القواعد والمهارات التي يتلقاها الأمراء ليفرضوا احترام الآخرين لهم
، وهي مرتبطة أساساً برأس الدولة، ويجب التمييز بين البروتوكول كعلم للعرف وبين الدبلوماسية التي تحدد القواعد المرتبطة بالعلاقات العامة بين الدول وبين الإتيكيت الذي يحيل على فن التصرف الراقي للشخص لتأمين حسن سير عمله اليومي أي فن الذوق العام.
المُلك.. وراثة وقواعد سلوك
المُلك ليس وراثة بيولوجية للعرش فقط، إنه قواعد سلوك، تربية ومهارات تكتسب بالتعلم والدربة والمران، وفي ملكية عريقة مثل نظام المغرب أحيطت تربية الأمراء وفي مقدمتهم ولي العهد بحظوة استثنائية، عن هذا الذكر الاستثنائي، الولد البكر للملك، يحوز مطلق الاهتمام لأنه مؤهل ليس ليعيش حياته الفردية بشكل طبيعي، بل مطوَّق بحيازة السلطة الكبرى، التي هي عرش المملكة، هو الضامن ليس لاستمرار النسل فقط، بل لاستمرار الحكم.. في الملكيات لا يوجد خلل طبيعي اسمه العقم، بالرغم أن الدستور ينظم هذا الانتقال داخل الأسرة ذاتها، لكن ما وجد ملك بالمغرب عقيم، لذلك يصبح لـ “سميت سيدي” تعامل خاص إنه ضامن انتقال العرش واستقرار البلاد، يحمل منذ صغره قدراً استثنائيا، لذلك يحتاج إلى تربية استثنائية باعتبارك ملك الغد.
وقد اهتمت الآداب السلطانية في معرض توجيه الفقهاء النصح للملوك والأمراء بقواعد البروتوكول التي تحولت بحكم التاريخ إلى قواعد للتربية وسلوك ملزم لولي العهد، ويشير كتاب محمد بن الحسن الحضرمي المعروف بالمرادي، “الإشارة في تدبير الإمارة” الذي ألفه تأديبا لأمير في دولة المرابطين، ويشتمل على قواعد في اللباس والطعام وآداب النظر والتفهم والمعيشة وسياسة الأجسام ،الخلطاء والأصحاب ،الظهور والحجبة ،الكلام والصمت، الحزم والتفريط ،الغضب والرضا ،الكتمان والإذاعة، الحيلة والمكر ،الخديعة والتداهي ، التغافل والتحبب والمواصلة.. في ثلاثين باباً أي على عدد أيام الشهر، حيث قال: “إذا تفطن الفطن منها كل يوم بابا لم يأت عليه الشهر إلا وقد حفظ صدراً كبيراً من الحكمة وتعلم أصلا من السياسة”.
سلطة “سميت سيدي” وفكرة السيد والرعية
منذ محمد الخامس تقوت أسس المدرسة المولوية التي يدرس فيها ولي العهد صحبة الأمراء، بمناهج عصرية ومدرسين من مختلف التخصصات وأضحت تزاوج بين التقليدية والقواعد الحديثة في التربية وتدريس مختلف المواد، لكن الطابع التقليدي ظل حاضراً في صناعة الملك، يقول الحسن الثاني في “مذكرات ملك”: “إلى حدود العاشرة من عمري أو الثانية عشرة تلقيت ضربات بالعصا، وكان يسعدني أن أتلقاها من أبي لا من غيره (…) لقد طبقت نفس الصرامة الأبوية مع أبنائي”. لكن رغم إصرار محمد السادس على الحفاظ عن نفس البروتوكول في تنشئة الأمير مولاي حسن، فإن المقربين داخل المدرسة المولوية وخدام القصر يجمعون أنهم لم يروه يوماً يضرب بالعصا “سميت سيدي”، وإن كان العقاب وارداً.
منذ نشأته الأولى يُدرك الولد البكر للملك أنه مؤهل للعب دور استثنائي ولتقلد مهام مسؤولية كبرى، تصنع منه شخصية متميزة.
منذ طفولته يتميز الطفل/ الملك بمعاملة صارمة، يحس منذ صغره بالتفرد، يعطيه لقب “سميت سيدي” نكهة خاصة للتصرف كسيد لأن الآخرين مجرد رعية، عليه أن يكون استثنائيا في يقظته ونومه، في أكله وشربه، في لعبه وجده، في حزنه وفرحه، في صمته وكلامه، يحق للآخرين أن يخطئوا لكن لا مجال للضعف في حياة الأمير المرشح للإمارة، يقول الحسن الثاني: “عشت طوال سني الطفولة والمراهقة في جو يشبه جو المحكمة، كنت أعلم أنه يمكن في الطور الابتدائي “للمحاكمة” توقع صفح أساتذتي أو مربيتي، أما في الطور الاستثنائي، عندما يصل الأمر إلى والدي، فإن العقاب يصبح وارداً.
منذ الصغر يتعلم ولي العهد كيف يصبح ملكا، إن هذه المجموعة الصغرى التي ستحكم إلى جانبه، هي بمثابة الخلية الأولى للمجتمع الذي سيحكمه لذلك عليه أن يتعلم منذ الصغر أن يكون سيداً أمام الرعية..
القوة، النَّباهة، التفوق الدراسي، التميز الرياضي… عليه أن يبدو كتلميذ نجيب، وكفارس أول، وكمراوغ رياضي جيد، أن يجيد السباحة والغطس وكل فنون الرماية، أن يضحك بمقدار لا يُذهب هيبته… أن يودع طفولته قبل الأوان لأن عليه اختزال الزمن، فَسن رشده ليس هو ذاك المحدد دستوريا، وبرغم التصريح الفلسفي للراحل الحسن الثاني الذي قال: “إذا كان ممكنا برمجة إنسان على حاسوب فإنني أحرم على نفسي برمجة ملك”، فإن كل ما يحدث لولي العهد منذ محمد الخامس هو برمجة ملك!
العلم والفروسية والسباحة والسفر
يتعاطى ولي العهد مولاي الحسن إلى رياضات كثيرة لكنه عاشق لسياقة السيارات مثل جده وأبيه أيضا، لكنه أيضا يبدي تفوقاً ملحوظاً في العديد من الرياضات، في السنة الماضية ساهم في إحدى المباريات بسلا، وتعرض لكسر بسيط، لم يؤثر على ولعه بالرياضة.
بالنسبة لنظام الدروس في المدرسة المولوية التي أصبح يشرف عليها الوزير السابق في الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري عزيز الحسين، فإنه تعرض لبعض التعديل الذي فرضته تطورات العلم والمعرفة وفنون التربية، لكنه ظل من مثل إدخال المواد التقنية واستخدام الوسائل التكنولوجية للاتصال والتواصل، لكن شرط استخدام المتفوقين من الأساتذة والتلاميذ المصاحبين لولي العهد لا زال قائما، وإذا كان الأساتذة كما التلاميذ يقيمون في داخلية المعهد لتتبع سير ولي العهد، فإن الأمير لم يعد بنفس الصرامة، وإن لا زالت تربية ولي العهد تخضع لنفس نهج “السلف الصالح” المزاوجة بين المعارف التقليدية والعلوم الحديثة، وبالإضافة إلى ذلك هناك السفر الذي يعتبر ضروريا لمعرفة أحوال العالم وتغيرات المحيط الذي سيحكم فيه، فلقد سافر مولاي الحسن (الثاني) إلى فرنسا وأمريكا حين كان المهدي بن عبود سفيراً للمغرب هناك، وعلى هديه، سافر مولاي محمد إلى فرنسا وأمريكا وإسبانيا وهو طري العود، أما وجهات مولاي الحسن (الثالث) لقضاء العطل المدرسية فتراوحت بين تركيا وأمريكا وفرنسا وإسبانيا كأفضل الوجهات، وعلى خلاف الرحلات السابقة لولي عهد المملكة، فإن مولاي الحسن كان يسافر رفقة أمه الأميرة سلمى.
صناعة ملك أمر بالغ التعقيد
الملوك الصغار لا ينحنون، الملوك الصغار لا يسقطون أثناء النزول من طائرة أو عبور زرابي حمراء.. لأن في ذلك فأل سيء، الملوك الصغار يتطلعون إلى الأعالي، يخدمهم الآخرون، عليهم إحصاء الأدراج ومعرفة مساحة وضع القدم، الضحك باقتصاد والتكلم بعد تروِّ، والابتسامة باعتدال، والمشي بشكل مستقيم.. إنهم منذرون لمهام كبرى ومسؤوليات تاريخية.
حافظ الحسن الثاني على نفس المنهاج التربوي الذي تلقاه من الراحل محمد الخامس مع تعديل طفيف، الزيادة في عدد أصدقاء الدراسة حوالي 20 تلميذا، عشرة في كل قسم، حافظ على نفس السائق الفرنسي من تولوز الذي خدم أربعة  ملوك، كان مقتراً على أبنائه بنفس الشكل الذي عاشه، فقد وجد نفسه في رحلة إلى الولايات المتحدة الأمريكية يستعطف السفير بن عبود ليشتري له  دراجة نارية من نوع “هارلي دافنسون”، وحتى حين بلغ ولي العهد مولاي محمد المرحلة الثانوية لم يترك لهم الملك الراحل سوى سيارة “simca” التي كان يملكها أبسط معلم، وحين ارتقوا المرحلة الجامعية وضعت رهن إشارتهم سيارة “مرسديس 190” مع مصروف ضئيل للجيب، وسيقلب أحد أصدقاء الملك السيارتين معاً في حادثتين للسير، إن الأستاذ في المدرسة المولوية ليس فقط حظوة الامتياز، المساهمة في “صناعة الملك” بل أيضا تعدد الوظائف، ومثل الكتاب على العهد السلطاني، حيث الفقيه هو معلم ومربي وخياط للجلابيب وحلاق وطبيب ومصلح اجتماعي وموثق الزواجات.. كان المدرس بالمدرسة المولوية كما يشرح ذلك عبد الهادي بوطالب في كتابه “نصف قرن من السياسة”: “وظيفة الأستاذ، ووظيفة المربي الملازم، ووظيفة المساعد الساهر على قيام ولي العهد بواجباته المدرسية..” (ص19)
في هذا الغلاف نقدم للقراء كيفية صناعة “ملك المغرب” من خلال وقائع وشهادات ومحكيات ترصد المسار الذي يعبره ولي العهد ليصبح ملكا.
 

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: