عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

شجن.. رواية عن عذابات المرأة

عمل مؤثر كتبته سارة الجروان بشكل مبتسرواعتراه شيء من الخلل . شجن.. رواية عن عذابات المرأة
 
فاطمة المزروعي
خاص بالموقعمنذ سطورها الأولى في روايتها شجن، تقذف بك سارة الجروان في خضم حدث رئيسي متسارع، وتواصل بمهارة تلاوة سردها، وإن كان بفردية حدثية – قصة من دون تفرعات وتشعب – لكنها تمكنت بطريقة أو بأخرى من ممارسة التشويق، مما يدفع القارئ لمواصلة الإبحار بين سطورها بعفوية ورغبة.

من دون أي تمهيد أو مقدمة أو شرح تزجُّ سارة القارئ في أتون الحدث مباشرة: “في الساعة العاشرة والنصف مساء، في أحد الأسواق المزدحمة بالناس، وبالتحديد في احد محال الذهب، دخل شاب يرتدي دشداشة وغترة يغطي بها وجهه بحيث لم يكن يرى منه سوى عينيه… إلخ”.
هذا الاندفاع الجميل لا يستمر طويلاً بل سرعان ما يخفت هذا الحماس والغزارة في السرد بل وتكاد تنطفئ بمجرد أن تتجاوز العشر أو الخمس عشرة صفحة الأولى من صفحات الرواية، حيث تنتقل إلى رتم تقليدي سواء في الحوار أو في الحدث الذي لا جديد فيه بل إنه متوقع، ما يخلق شعوراً لدى القارئ بأن هناك محاولة للتطويل أو خلق أحداث، كما في سفر شجن التي اختفت خلف لباس رجالي وسمت نفسها فهد إلى البحرين، والذي لم يكن مبرراً، فهي تستطيع الاختباء عن أسرتها بطرق كثيرة من دون اختراع فكرة مغادرة البلد، وبجواز سفر ليس جواز سفرها، ثم من غير المبرر أو المعقول أن يقوم خالد، بمساعدتها على السفر، فضلاً عن استضافتها في شقته، وهو يجهل سبب هروبها من أسرتها، حتى لو افترضنا أنه وقع في حبها، فمن المؤكد أنه سيحاول الحصول على إجابات كمحب.. والذي أريد أن أصل إليه أنه على الرغم من جمال الفكرة إلا أن الحبكة القصصية اعتراها خلل سواء في أركان القصة أو في الحوار الذي كان بين خالد وفهد “شجن” منذ لقائهما داخل السوق في محل بائع المجوهرات ومن ثم في السيارة، فالشقة التي قضيا فيها مع بعض أيام عدة.. وطوال هذه الفترة الزمنية لا نعرف ما قصة شجن، فقط يهيمن على النص والحوار الشكوى والتعبير عن الحزن… إلخ
خلل
هذا الخلل يتضح في محاولة المؤلفة إيجاد الموضوع ومن ثم بناء لغة حوارية مكررة، فتم تحميل النص بمفردات تستخدم للربط بين الجمل الحوارية، ولبلوغ هذه الغاية دار حديث متواصل بين خالد وشجن، عن الحب، واليأس والأمل. لقد فقدت الرواية مبكرا حبكتها، فالقصة قصيرة والحدث غير طويل، لهذا تمت تغذيته بالاحاديث والمواضيع الجانبية ليكمل نصاب الرواية، فما القصة إذن؟
القصة تدور حول فتاة اسمها شجن، هربت من منزل أسرتها بسبب الظلم الذي وقع عليها من عائلتها، فقد زوجوها من شخص من أسرة ثرية، على الرغم من أنه مدمن على المخدرات، فأساء معاملتها، وعانت معه كثيرا حتى طلقها، ثم قرروا تزويجها برجل يكبرها سناً، يبلغ من العمر ستين عاماً وله زوجتان. وبعد أن تزوجته عانت منه ومن زوجتيه لدرجة أنها وافقت أن تعمل لديهن كخادمة فقط من أجل أن لا يطلقها فتعود لأسرتها، لأن والدها هددها، بالعقاب في حال تم تطليقها، وما كانت تخشاه وقع فقد تم طلاقها من الرجل الستيني. قرر ذووها سجنها في إحدى غرف المنزل، لذا قررت الهروب وقبلها أخذت مجوهراتها وأيضا سرقت جواز سفر امرأة كانت قد وضعته عند أم شجن كأمانة. شجن تنكرت في زي شاب، حيث ارتدت ثوب وغترة، وتوجهت إلى محل مجوهرات لتبيع الذهب، فالتقى بها خالد، الذي عرض عليها إيصالها بسيارته، خاصة عندما شاهد عليها مظاهر التلعثم والخوف والارتباك، فتوجه بها إلى شقته، وفي اليوم التالي صارحته بأنها فتاة، لكنه قال إنه كان يعلم أو قد شعر بذلك، ثم طلبت منه أن يساعدها لتسافر إلى البحرين، هروبا من أهلها ومن دون أن يعلم ما قصتها وقصة الذهب الذي تبيعه قرر مساعدتها على الرغم من علمه بأنها تستخدم جواز سفر ليس لها، والغريب أن البحرين هي بلد خالد – مصادفة – ويعرف أناس هناك يمكنهم أن يساعدوا شجن في السكن والعمل، أيضا من دون أن تكشف عن هويتها لهم، فقط لأنها من طرف خالد…
بعد نجاحها ومن دون أي عقبات أو أي وصف لما حدث لها في المطار مع السلطات، على الرغم من أنها أرضية خصبة يمكن أن يتم البناء عليها، المهم نجحت في الوصول إلى البحرين. فوجدت السكن والعمل عند شخص يعرفه خالد. ولا توجد أي عقبات أو عوائق أو مشكلات، وبعد فترة من الزمن قام خالد بزيارتها، والتقاها في غرفتها أكثر من مرة ومن هنا بدأت تخبر خالد عن سبب هروبها من أسرتها. مرضت شجن ونقلت إلى المستشفى. السلطات عرفت هويتها واتصلوا على السلطات في الإمارات. جاء ضابط ووالد شجن وأخوها، وأثناء وجودها في غرفتها في المستشفى لوحدها قام شقيقها بطعنها بسكين، وعندما كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة أمسكت السكين بيدها وطلبت من خالد ألا يبلغ السلطات بأن من قتلها أخوها بل إنها هي من انتحرت، حتى لا يصاب أخوها بأذى…
هذه هي القصة، ولتكتمل فصولها في نحو 141 صفحة في كتاب من القطع الوسط كان لابد أن تكمل المتبقي بحديث وحوار طويل عن المشاعر والأحاسيس، على حساب القصة والأحداث، فهذا الحدث يفترض أن يتوالد منه أحداث عديدة ومتنوعة، تثري الرواية، وتجعل رسالتها أقوى وأشمل، لكن الروائية سارة الجروان، آثرت المباشرة والحديث المباشر من دون تفاصيل أو وصف، كما أنها لم تشغل نفسها بأي أحداث جانبية في الرواية ما خلا قصتين أو ثلاث كانت على درجة واضحة من القصر والابتسار، لذا نحن طوال سطور هذه الرواية كنا أمام روائية تعرف ما تقوله وبشكل مباشر ومحدد، فلا مجال للمفاجأة أو الحبكة أو الذهول والاستغراب. حتى مرض شجن والصداع المتواصل الذي بسببه أدخلت إلى المستشفى، والذي بسببه كان ينقطع الحديث مع خالد وبسببه أيضا ترفض أن تقول له قصتها أو تكملها إلا في اليوم التالي، كان واضحاً أن هذا الصداع أخطر من كونه صراعاً عابراً، يختفي بحبتين من المسكنات.
مهارات لغوية
الروائية سارة الجروان، لم تفقد في روايتها اللغة، ولم تعجز عن توظيف الكلمات، بل لديها مخزون لغوي ومفردات كبيرة، كما أنها تلعب بمهارة على خيوط الجمل والوصف والتدقيق، فلم يخذلها في روايتها المهارة أو قلة الخبرة، بل إن ما سبب الخلل إذا صح التعبير، هي الفكرة لا أكثر، على الرغم من براعتها في البداية، وتفوقها بامتياز في خاتمة الرواية ونهايتها التي كانت مدهشة ومعذبة وحزينة، بل مبكية بكل ما تعني الكلمة.. وعندما انهيت قراءة الرواية وبسبب الحالة النفسية التي اعترتني من التعاطف التام مع شجن والذهول من تضحيتها، قررت ألا أبدأ هذه القراءة إلا بعد خمسة أيام على الأقل حتى أتخلص من حالة الحزن وبالتالي التعاطف، ثم أستطيع أن أكتب عن الرواية بمنطقية وإنصاف.
سارة الجروان، كتبت رواية مؤثرة وباقتدار ونجحت في هذا الجانب أيما نجاح، لقد ساعدتها لغة الوصف وخيال خصب ومفردات كثيرة في إتمام مهمتها بنجاح، لكنني أجزم أن الروائية سارة كانت تستطيع أن تجعل من شجن أسطورة بكل ما تعني الكلمة لو قدر لها وجعلت قصتها الرئيسية تتفرع منها حكايا عدة وقصص أخرى، وفي الإطار الروائي الذي حددته، وذهبت لأبعد قليلا نحو المجتمع نفسه، فلم نسمع عن صديقات لشجن، كما لم نسمع عن أمها أو أشقائها وغيرهم.. حتى العاملة المنزلية – الخادمة – التي تعاطفت مع شجن، وبسبب تعاطفها تمكنت شجن من الهروب، لم نسمع عن مصيرها شيئا. رواية شجن، عمل مؤثر يستحق أن نعاتب سارة الجروان، لإظهاره بكل هذا الابتسار والاختصار.. لكننا أمام روائية متميزة ورائدة بكل ما تعني الكلمة، فهي ليست أول روائية إماراتية وحسب، إنما هي أيضا بالنسبة لي أول روائية تنزل دموعي على كلماتها.
رواية شجن من منشورات دار كتاب للنشر والتوزيع، إلا أن هذه الرواية سبق ونشرت في عام 1999م، لتكون سارة الجروان أول روائية نسائية في دولة الإمارات العربية المتحدة، وقد توجتها لهذا بشجن، التي كانت تستحق ما هو أكبر وأعظم.
 
 
About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d bloggers like this: