عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

عن التّعبيرات الفنيّة.. الحريّة الجنسية.. و الحراك المجتمعي و السياسي

عن التّعبيرات الفنيّة.. الحريّة الجنسية.. و الحراك المجتمعي و السياسي
 
بنعيسى بوحمالة
خاص بالموقع
لعلّ الانفعالات المجتمعيّة و السياسيّة، و ضمنيّا الأخلاقيّة، تبقى شبيهة، من حيث تبلورها، بله انفجارها، بالظواهر الفيزيائية.. فما من شيء شيء إلاّ و يرضخ لقوانين و إ واليات، و، بالتالي، فما قد تبدو لنا، أحيانا، نتاجا لمجرد المصادفة العشوائية إن هو، عمقيّا، إلاّ تعبير عن إدراك الاحتقان المجتمعي و السياسي و الأخلاقي مداه و ركوبه، كنتيجة، نبرة جرّيئة جائز أن تلوح مستغربة
بينما هي، في الباطن، تلبيّة لمصادفة، نعم مصادفة، لكن مقنّنة و مسطورة. و إذن، و بعد سيرورة ثقافية مديدة مرّ بها التاريخ العربي، ما دام تاريخنا المغربي جزءا لا يتجزّأ من هذا التاريخ الشامل، عرف فيها موضوع الجنس نقاط ضوء جدّ مؤتلقة، سيّان في العصر الجاهلي، و لنأخذ، على سبيل التّمثيل، ما يحفل به الشعر الجاهلي من جسارة مذهلة في هذا الباب، مرورا بالعصر العباسي، و لنا أن نستأنس، هنا، بالنّص الخالد “ألف ليلة و ليلة” و بباقي أمّهات المصنّفات في الإيروتيكا، و بتوقيع، و ياللانسجام مع الذات الجمعيّة و التّصالح معها، فقهاء و مفكرين كانوا يصدرون في تآليفهم الجنسيّة عن تمثّل سليم و خلاّق لمحمول العقيدة الإسلامية التي، و لربّما، كانت من أكثر العقائد السّماوية احتفاء بالجنس و تمجيدا للجسد.. و بالمناسبة فيا ما حزّ في نفسي، مثلا، أن أجد، خلال إحدى زياراتي لفرنسا، كتاب “الرّوض العاطر” للشيخ النّفزاوي (و للإشارة فقد كان كتبه بطلب من حاكم تونس آنذاك، الشيء الذي يؤكد انضواء السلطة إلى الفضاء الثقافي العام.. و بالمثل ما فعله الفقيه المغربي ابن عرضون، ما دمنا في الجوار المغاربي، و الذي سيشتغل عليه الباحث السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي على نحو إيجابي و مضئ) الذي كنت اقتنيته منذ سنين خلت، فيما أذكر، بدرهم أو يزيد قليلا، في أحد أرصفة الخردة، قلت أن أجده في حلّة طباعيّة باذخة، مزدانا بصور رائعة و جذّابة، و يباع بحوالي 35 يورو. أردت أن أقول، من خلال هذا، إن الجنس لم يكن أبدا عنصرا نشازا أو صادما في ثقافتنا بل و كانت التربية الجنسية وسيلة للارتقاء بالخبرات و المدارك التي تمدّ الغريزة الإنسانية المتأصّلة بمقتضاها التمدّني أو، بالأولى، الوجودي الخلاّق.
هذا، و لأن السّيرورات التاريخية غالبا ما تجتاز فترات ركود و خمول موقوتة، كما فترات الحيويّة و الانفجار، فما من شكّ في أنّ الأعمال الإبداعية، لا الشعرية و لا الروائية.. لا المسرحية و لا السينمائية.. لا الموسيقية و لا الكوريغرافية.. التي تتحرّش بما أصبح ينظر إليه كطابو في كنف فترة يخيّم عليها انغلاق ديني، مفهومة مسوّغاته و دواعيه التي يمكن ربطها بما يمكن اعتباره ردّة فعل متطرّفة ضدّ لايقينيّة كافّة الإيديولوجيات و كذا ضدّ السّريان المعولم لقيم الغرب و حرّياته القصوى، ليست أكثر من التئام، إن شئنا، لمفردات الحاجة إلى التّذكير، توسّلا بأشكال و وسائط رمزية فاعلة و مؤثّرة في الوجدان الجمعي، بحقيقة الكائن بعيدا عن أيّما طهرانيّة كانت أو لعبة أقنعة تلتفّ على قارّة الجنس الهائلة، و حيث تكمن العديد من أعطاب الأفراد و الجموع أو، بتعبير رديف و استعاري عن الآخر، صخرة الآيسبرغ الماكرة، التي يبقى خفيّها أعظم من ظاهرها، بتوصيف سيغموند فرويد.. الأب الروحي للتحليل النفسي.
و إذن فما تمفصلات الحراك المجتمعي و السياسي في الفضاء العربي؛ هذا الحراك الذي انطلقت شرارته مع فاجعة إحراق الشّاب التونسي، أبي زيد، لنفسه.. و مع الكاريزما الافتراضية لوائل غنيم في مصر، و باقي شبّان و شابّات الشبكات الاجتماعية، هنا و هناك في العالم العربي، و تحوّل، بالتالي، الاعتصامات الحاشدة في ساحة التّحرير بقاهرة المعزّ إلى معركة ستالينغراد، حقيقيّة و رمزيّة في آن معا، ضد عهد عربي قيد التآكل.. هذه التّمفصلات ستمدّ حافز حرّية التعبير بجرعة فائقة بحيث لم تعد هناك خشية من شيء.. إذ كلّ شيء إلاّ و أمسى قابلا للمداولة و التّطارح بما في ذلك موضوع الجنس الذي كان، لردح طويل من الزمن، في عداد المحرّمات. هكذا، و بمجرد ما اتخذ هذا التيار التحوّلي الجارف مجراه، في الوعي و الواقع كليهما، لم يعد بحوزة أيّما سلطة، حتى لو تعلّق الأمر بالتّنظيمات الإسلامية، التي ستقطف، و يا للمفارقة، سياسيّا، ثمار هذا الحراك العارم و تتسلّم، على طبق من ذهب، زمام القرار التّنفيذي في أكثر من بقعة عربية، إيقافه بالمرّة، أو التقليل، في أضعف الأحوال، من آثاره و تداعياته. إنّ المسألة لهي، في الجوهر، نوع من تصالح الأفراد و الجموع مع بداهة الإنسان الوجودية، على وجه الإطلاق، و التي يا ما يلجأ إلى إخفائها، أو التّعتيم عليها لا فرق، بأستار هشّة من الافتعال، الاصطناع، و التعفّف المكشوف.
سيحتاج الأمر، بطبيعة الحال، إلى حقب و أجيال متوالية حتى نبلغ ما أدركته مجتمعات الحداثة، فأحرى تلك المحسوبة على ما بعد الحداثة، من مكاسب على صعيد الحرّيات الشخصية، إذ لا حرّية داخل كمّاشة التقليد غير المتسامحة و تنفّذ ثقافة القطيع.. و إلى ذلك الحين تتبدّى التّعبيرات الفنيّة الجرّيئة، المومأ إليها، بمثابة اختراقات، لا تخلو من دلالة، لما هو قائم و استشراف، في نفس الوقت، لأفق أكثر تجذّرا في ماهيّة الإنسان و حقيقته المركّبة، غير القابلة للتّشطير، إن باسم الطّهرانية العقديّة أو الدّوغمائية الإيديولوجية.
 
About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d مدونون معجبون بهذه: