عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

النقد الحديث في «المرايا المحدبة»: إضاءة النصوص أم إضاعتها؟

النقد الحديث في «المرايا المحدبة»: إضاءة النصوص أم إضاعتها؟
تجريم الحداثة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

د. حاتم الصكَر

“المرايا المحدّبة تقوم بتكبير كل ما يوجد أمامها وتزيّفه حسب زاوية انعكاسه فوق سطح المرآة. وقد وجدت نفسي غير قادر على الهروب من صورة المرايا المحدّبة، وقد وقف أمامها الحداثيون جميعا ودون استثناء، الأصليون منهم والناقلون، لفترة كانت كافية لإقناعهم بأن صورهم في المرايا المحدبة هي حقائقهم. وذلك على وجه التحديد موضوع الدراسة أو الفكرة (الغالبة) كما يقول الحداثيون أنفسهم”.

د. عبدالعزيز حمودة ـ المرايا المحدّبة/ من البنيوية إلى التفكيك
 
لقد أضيف مستند جديد لتعضيد خصوم الحداثة في نسختها العربية حين نشر الدكتور عبدالعزيز حمودة عام 1998 كتابه “المرايا المحدّبة ـ من البنيوية إلى التفكيك”
وكثر تداول الكتاب ومناقشته واعتماد الباحثين والأكاديميين على ما جاء فيه، لا سيما وهو يبدو للقارئ وكأنه شهادة من (داخل) الحداثة ذاتها، لما ضمته فصوله من تطويل وتعمق حول الحداثة الغربية، والتعريف الموسع بأبرز موجاتها والفكر الفلسفي المشغّل لها، وهي البنيوية والتفكيك، لكن القراءة المتمعنة تعثر على هدف أساسي في الكتاب هو تجريم الحداثة ذاتها كفكر وممارسة حتى في أصولها لدى الغربيين، وهذا ما يدل عليه بوضوح المقتطف الذي افتتحنا به، لأن المرايا المحدبة التي توهم بصورة مزيفة مكبرة للشخص “قد وقف أمامها الحداثيون جميعا ودون استثناء، الأصليون منهم والناقلون”، والتأكيد المتكرر ـ جميعا ودون استثناء لم يكفِ لإعلان نية الكتاب، فوضّح المؤلف ما يعنيه بالجمع الحداثي، فهم الأصليون أي نقاد الغرب الذين تعود إليهم الحداثة أصلا، أو يعودون إليها شرعيا ـ مادمنا بصدد الأصل! وكذلك الناقلون عنهم حداثتهم، أي العرب الذين يشتغلون بهدْي الحداثة، وعلى أمل نجاح مشروعها المستقبلي في تحرير الفن والإنسان معا.
الحداثة المستهدَفة
في طوفان التهم يتجلى الهدف الذي هو مشروع الحداثة ذاتها والتشكيك بجدواها وبجدية معتنقيها في الجانب النقدي، ولكي لا تبدو تلك الحرب موجهة ضد الحداثة يتغلف الخطاب بمعاصرة ظاهرية تتوسل بالمعرفة، والفلسفة تحديدا لعرض أفكار النقاد والمفكرين الغربيين الذين اقترن فكرهم ونتاجهم بالحداثة، ولديهم ما يبرر ثورتهم المنهجية، لكن المؤلف يبخسهم جهودهم التي تتلخص عنده في ما يسميه (حجب النص) بدعوى أن البنيوية التي يعرض لأفكار أعلامها دون تمييز بين منطلقاتهم الفكرية “قد فشلت في تحقيق المعنى” وعلمية النقد “التي تحققت على حساب المعنى” كشعار للبنيوية “أدت إلى اختزال أو تصغير النص”. أما التفكيك فيتم تجريمه بدعوى مغايرة لما اتهمت به البنيوية؛ فالتفكيك كما يقول المؤلف مدان بتهمة “الإصرار على توسيع المعنى ليبتلع العالم”. فهل يتسق هذا مع تهمة المرايا المحدبة الزائفة أو تهمة تصغير النص وتقزيمه كما ألصقها المؤلف في أكثر من مكان في كتابه؟ بل لنا أن نتساءل عن سر قوة الجهاز المعرفي الكامن وراء نقد الحداثة وكما عرضه المؤلف نفسه وبإسهاب، مطبقا ذلك على البنيوية والتفكيك مرورا بمناهج ما بعد البنيوية كالقراءة والتلقي، وكيف يمكن لفكر بهذه القوة والدقة والمرجعية الفلسفية أن يبحث عن مرايا محدبة ليكبر بها حجمه! وإذا كان الكاتب يلخص أطروحته بسؤال (أي حداثة نعني؟) فالقارئ ايضا يوجه إليه السؤال ذاته، ليرى ما ينكره على الحداثة التي أنهكه المؤلف بتفاصيلها الدقيقة ومظانها ومنابعها ومؤثراتها؟ فأية حداثة يستهدفها الكتاب؟
سنجد أن الحداثة كلها مستهدفة وليس النماذج المنهجية أو نماذج التحليلات النقدية التي اختارها لإثبات التهم. وفي شتى مجالاتها لا النقد الأدبي فحسب، بدليل هجومه على مسرح توفيق الحكيم في تجاربه الطليعية والمسرح الحديث عامة. وثمة مفارقات صارخة توفرت بسبب المطاردة المحمومة التي يقوم بها المؤلف للنقد الحداثي، فإذا ذهب النقاد إلى التراث يفسر المؤلف ذلك بأنه (إضاعة) للنصوص لا (إضاءة) لها، وأنه يمثل تناقضا بين المعاصرة والأصالة. فيما كان ينعت جهود الحداثيين بالتنكر للتراث وللمقدس الذي يخشى تحطيمه، مسندا للحداثة تهمة “الشك في كل الأنظمة والقوانين والتقاليد” ويصل الأمر إلى التكفير. يقول المؤلف: “الواقع الثقافي العربي يرفض أن تنسحب مظلة الحداثة بمفاهيمها الغربية على النصوص الدينية.. بما يعني ذلك القول باللانص..”، ويحس المؤلف بخطورة ما تثيره التهمة من مشاعر الغضب على شخصيات النقاد وتهدد حياتهم لا النقد فحسب، يستدرك بأن الحل أو “لرد ليس بالتكفير ونصب المشانق! بل بنفس الإطار الفكري!”، وكأن الكاتب لا يعلم كيف يكون رد فعل المتطرفين والغلاة إزاء تهمة كهذه، وهو على مقربة من الشارع الذي طُعنت فيه رقبة نجيب محفوظ بإطار إرهابي لا فكر وراءه!
ومن المفارقات هجوم المؤلف على الاستعانات البحثية ووسائل التوصيل الممكنة في الدراسات النقدية، كالجداول والمشجّرات والمثلثات والخطوط وغيرها؛ فهو يراها انتصارا لعلمية الأدب على حساب أدبيته. مع ان كثيرا منها هو من لوازم البحث المنهجية. وإذا ما أوغل ناقد ما في تجريد الأدب من لغته وأغرقه بالبيانات والجداول والخرائط الوصفية، فإنما يتم ذلك بستار منهجي من اتخاذ الأسلوبية الإحصائية سبيلا لكشف الدلالة والعثور على المعنى الذي يهم المؤلف ذاته. ولا يمكن تعميم تلك التهمة على مناهج النقد الحديث كلها، وحتى على الأسلوبية بشكل عام؛ لأنها تخص تيارا واحدا منها. وكيف يأسف لفقد النقد أدبيته ولغته، وهو يرمي التفكيكيين وديريدا خاصة بها كتهمة، ويقدم صورا لغوية ومجردة لنماذج من كتابات إيهاب حسن وديريدا، ويماثلها عربيا بتسفيه تجارب كمال ابو ديب وهي مطبقة على التراث الشعري قبل الإسلام!
ومن المفارقات أيضا اتهامه نقاد الحداثة العرب باتباع حداثة الغرب، لكنه يعود ليهزأ من نقاد صرّحوا بأنهم يريدون اجتراح حداثة نقدية خاصة بهم، ويعتبر ذلك ادعاء تسببه وقفتهم الطويلة أمام المرايا المحدّبة وتضخيم ذواتهم. فلا الحداثي الناقل عن الغرب إذن بمنجى من هجوم المؤلف، ولا الناقد الذي يكيّف أو يعدّل ويطور المنهج ويجتهد فيه.
تكرار الحيثيات الجرمية
يلاحَظ على الكتاب الذي اتخذه خصوم الحداثة وثيقةً أو مستمسكَ إدانة لها تكراره للحيثيات التي اتُّهمت بها الحداثة من قبل في الرسم مثلا أو الشعر، كالغموض الذي يعيد ذكره الكاتب بكثرة كسبب لرفضه الحداثة وهو داخلها فترة انبهاره بها كما يقول. ولعل ما يسنده المؤلف من غموض للنصوص النقدية هو سوء قراءة أو اجتزاء جعله يحس إزاءها (بالعجز الكامل) عن فك طلاسمها كما يقول. وهي تهمة ووجهت بها الحداثة حتى في التراث القديم حين يتم الحديث عن شعر أبي تمام أو المعري مثلا، مع أن الشعر بطبيعته يحمل من الخصائص ما يجعله عسير الفهم على من لا يداني ثقافة الشاعر أو مستوى النص. ونتساءل: لماذا نجح الكاتب في فهم النصوص النقدية الغربية الكثيرة وعرّف بها القارئ بطريقة واضحة وشاملة، وعجز عن فهم نصوص النقاد العرب؟ ويقع في تناقض آخر إذ بعد حملته على غموض النص النقدي نراه يرفض (التبسيط) الذي يصف به بعض كتابات جابر عصفور حول الحداثة. ولم أجد سببا مقنعا لهذه التهمة التي لم يلصقها بالشعر مثلا؛ فسكت عن النصوص تماما؛ ليغيب عنا مبرر الارتفاع بلغة النقد إلى مستواها، ما يسبب الشعور بالغموض ويلازم القارئ، كما حصل للكاتب نفسه حين تساءل عن معنى بعض النصوص النقدية، وهي شديدة الوضوح. ومن التهم المكررة أيضا ما يقوله المؤلف حول أزمة المصطلح وهي حقيقة نوافقه في تشخيصها، لكنها لا تخص الحداثة النقدية وحدها ويمكننا رؤيتها في مجالات معرفية أخرى كالفلسفة والتاريخ وعلم النفس وعلم الجمال وذلك بسبب النقل أو الترجمة أو اتساع المفهوم عن محدودية المصطلح. على العكس فقد أرسى نقاد الحداثة لاسيما في مجال تحليل النصوص الشعرية والسردية كثيرا من قواعد المصطلح وتطبيقاته ما يدل عليه سيرورتها وانتشارها في الكتابة المعاصرة.
ومن التهم الجاهزة المكررة: النقل عن الغرب، وكأن الاستيراد منه مسموح في كل حقل إلا المعرفة وعلومها. وكأن الغرب يشتغل نقديا في أوقيانوس مخيف وقصيّ، وليس على نصوص شعرية أو سردية تظل أدبية كنصوصنا، ولها المشكلات الجمالية ذاتها في التلقي والتأويل، مهما اختلفت سياقات إنتاجها وأنساقها بالتالي. ولا نجد تفسيرا لاعتبار النقل المنهجي تهمة، بينما مارسها علماء البلاغة العرب، وأسهمت في إرساء الفلسفة الإسلامية وعلوم المنطق والكلام والخطابة وسواها. ولتعزيز التهمة وتأكيدها نرى المؤلف يغفل ما يراه من نقل لنقاد غربيين عن بعضهم، وقد استشهد بهم، كتأثر الأميركيين بتفكيكية ديريدا، ونقل الفرنسيين عن الألمانية مفاهيم نظرية الاستقبال والقراءة والتلقي وتطويرها، وغيرها من أمثلة الأخذ المتبادل؛ فلماذا لا يرمى هؤلاء بالنقل؟
من أجل التعرف على ما يقترحه المؤلف بديلا للخلاص من (فتنة) الحداثة النقدية نتعقب ملفوظاته، فلا نجد سوى إشارات عامة كقوله “نحن فعلا بحاجة إلى حداثة حقيقية.. لكنها يجب ان تكون حداثتنا نحن وليست نسخة شائهة من الحداثة الغربية” وأحسب أن كثيرين سيرضيهم ما قاله المؤلف، ولكن ما يجدر أن يعرفوه أيضا أن حداثته المشروطة تعني الدوران حول ذواتنا والقطيعة مع الآخر، علما بأنه أنكر كما ذكرت اي اجتهاد بصدد حداثت(نا) المنتظرة، وسيكون القارئ محقا إذ يردّ سؤال المؤلف عليه: أية حداثة نعني بحداثتنا؟ ولعل ذلك أخطر ما في المرايا المحدبة، وليس تكبيرها للاجسام، تلك المهمة التي جلب المؤلف النقاد مقيدين ليوقفهم أمامها.
إن مصطلحات الحداثة ومفاهيمها قد جُردت من مدلولاتها في الكتاب، وعُرضت في مرايا مقعّرة تصغّر كل شيء، كمفاهيم التناص والمقاربة والدلالة والإدراك والتحليل وإضاءة النص التي سمّاها المؤلف ساخرا: إضاعة النص!
نتساءل أخيرا: من الذي يقوم بحجب النص الذي كرره المؤلف؟ نقاد الحداثة ومناهجهم المستنيرة التي تنفتح على النص حد التعرف على آبائه بطريق التناص، ودلالاته الأوسع من المعاني وأشمل؟ وأبنيته الفنية وبراعتها واتساقها عبر الأنساق؟ وجماليات تقبّلها وطرق تلقّيها؟ أم النقد العائم الذي يعلّق على النصوص، ويسطّح أبنيتها ومعانيها، ويفتقد المنهجية والمعرفة، منغلقا على الذات، ومنسحبا إلى التعميم والشعارية التي يمثلها حلم المؤلف بحداثة خاصة بنا “تهز الجمود وتدمر التخلف وتحقق الاستنارة” والأفعال الثلاثة في الفقرة لا تتم بحداثة مشروطة اقترحها الكتاب، أو إلغاء مشروعات التحديث النقدي، وتسفيه منطلقاته وخطابه.
 
About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d bloggers like this: