عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

التأويل والمصطلح السردي عند سعيد يقطين

التأويل والمصطلح السردي عند سعيد يقطين
الدكتورسعيد يقطين
 
 

 

 

المصطفى سلام *

في التأويل: إن التأويل فعالية ذهنية، انطلاقا من مجال محدد، وهو فعالية إنسانية ملازمة لكل نشاطات الإنسان، فهو يشكل التجسيد الشكلي لمضمون الفهم في كل عملية تواصلية.
وقد أثبتت الدراسات والأبحاث المهتمة بتحرير مفهوم التأويل: أنه وسيلة لاكتشاف السنن والسنن الفرعية باختلاف أنواعها: دينية، علمية، أخلاقية، ثقافية، إبداعية وهذا ما جعل التأويل يرتبط بمعالجة إشكالية وجود الفهم أو كينونته، لا كتصور نفسي، ولكن كتصور ظاهراتي.

يراعي خصوصيته انفتاح الكائن على ذاته وعلى الوجود، وذلك لكون موضوع الفهم له أبعاد وجودية وجمالية وتاريخية1.

 
إن الهيرمينوطيقا أو فن التأويل2 كما في بعض الترجمات، تتميز عن التأويل بمعنى interprétation ، الأولى تحيل إلى الفن بمعنى الاستعمال التقني لآليات ووسائل لغوية ومنطقية وتصويرية ورمزية واستعارية بمعنى أن الفن كالآلية لا ينفك عن الغائية، أي أن الهدف الذي توظف من أجله هذه الآليات هو الكشف عن حقيقة شيء ما، وعليه فكلمة herméneutique تعني فن تأويل وتفسير وترجمة النصوص.
بهذا يكون التأويل فنا بمعنى: طريقة واشتغالا على نصوص بتبيان البنية الداخلية لها والوصفية والبحث عن حقائق مضمرة في النصوص وربما المغمورة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية. ونفس الدلالة نجدها في المعجم العربي. لكلمة التأويل: وهو المرجع والمصير مأخوذ من آل يؤول إلى كذا أي عاد إليه3.
إن الإستراتيجية التي انتظمت التأويل كفعالية يمارسها الإنسان تبعا لحالات ووضعيات، متوخيا تحقيق غايات معرفية ووجودية، تقوم على اعتبار وجود معنيين: معنى حرفي وآخر مجازي، وهذا الأخير هو الأساسي لأن المعنى الحرفي يقتل النص والمعنى المجازي يحييه 4. بمعنى أن أطروحة تعدد المعنى هي التي تسمح بالتأويل كإجراء وهو إجراء يرفض هيمنة مرجعية واحدة. وهذا التصور نجده عند بول ريكور حيث يقول: يكون تأويل عندما يكون تعدد في المعنى 5. إن أصل نشأة التأويل وسيرورة إجرائه ترجع إلى مقولتين: أولاهما غرابة المعنى عن القيم السائدة ” الثقافية، السياسية والفكرية” وثانيهما بث قيم جديدة،أي إرجاع الغرابة إلى الألفة ودس الغرابة في الألفة كما يقول محمد مفتاح في التلقي والتأويل 6.
بهذا التصور للتأويل يندرج موضوعنا من خلال البحث في إمكانية المصطلح السردي التأويلية أو التحليلية، وهي إمكانية مؤسسة على قدرة النص على التدليل التي تتأسس بدورها ضمن سياق وضمن شروط خاصة لتلقي المعنى المتعدد ورصد تراتبيته.
في النص السردي: هناك تعريفات عديدة تشرح مفهوم النص بصفة عامة وأخرى تقف عند الخصائص النوعية الماثلة في بعض أنماطه خاصة الأدبية، ولن نقف عند الدلالة اللغوية لمفهوم النص التي تعني الظهور والبروز. إن النص كما تذهب إلى ذلك كريستيفا: جهاز عبر لغوي يعيد توزيع نظام اللغة كما أنه يمثل عملية استبدال من نصوص أخرى، الشيء الذي يثبت إنتاجيته سواء أثناء الإبداع أو القراءة.
إن النص من خلال هذه المقاربة مفهوم يحيل إلى أفق أو فضاء خاص له حدود معينة، وتتجلى في هذا الفضاء مجموعة من الدلالات التي يسمح بها النص، وهي دلالات يتعين على القراءات النقدية تحديد مكوناتها وكشفها وتفسيرها بمنظور منهجي معين 7.النص السردي وفق هذا التصور ناتج ومتحقق عن تسنين سردي أي جملة الإجراءات والقواعد المنتظمة للسرد أو فعل الحكي و القص. إن هذه القواعد تحدد الأساس الفعلي لإنتاج نص سردي وذلك من خلال مستويين 8.:
المستوى الملفوظي: كل ما يعود إلى القصة باعتبارها مجموعة من الأحداث المترابطة فيما بينها: ذلك أن النص السردي في هذا المستوى كبناء لغوي يعبر عن كون دلالي ما. مستندا في ذلك إلى قواعد يقررها فعل القص كنشاط إنساني عام أنتج عبر تاريخه الطويل إشكالا كونية تشتغل كتحديد لكنه النص وجوهره.
المستوى التلفظي: حيث أن بناء نص سردي ما لا يقوم على وجود مادة حكائية جاهزة، يكفي تقديمها إلى القارئ كمادة غفل. إن الأمر يتطلب وسيطا تعرض من خلاله وعبره المادة الحكائية. فتدل المادة القصصية من خلال التشكيل الذي تخضع له.
في المصطلح السردي: يطرح المصطلح في اشتغاله جملة من القضايا والإشكالات تخص جوانب أساسية من قبيل: الترجمة أو التأسيس النظري وعلاقة المنهج بالمصطلح… إلى غير ذلك من القضايا التي يعرفها المشتغلون بدائرة المصطلح. إن المصطلح في أصله وحدة لغوية أو عبارة لها دلالة لغوية أصلية، ثم أصبحت هذه الوحدة أو العبارة تحمل دلالة اصطلاحية خاصة ومحددة في مجال أو ميدان معين، لعلاقة ما تربط بين الدلالة اللغوية الأصلية والدلالة الاصطلاحية، هذا المصطلح لا تتضح دلالته إلا من خلال السياق الأسلوبي الذي يندرج فيه، فتتلون وظيفته وتتغير دلالته بألوان الكلمات المجاورة له في العبارة وربما تتغير الدلالة لتغيرات النظام الأسلوبي 9.
إن الجانب الأول من هذا التعريف متعلق بالدلالة اللغوية: وهي دلالة تراكيب أسلوبية وليست دلالة ألفاظ أو وحدات مستقلة وكل مجال معرفي يلجأ إلى استخدام رموز خاصة تعبر عما في الأذهان من مضامين علمية أو فكرية تعبيرا تكون أهم صفاته الدقة والموضوعية وهو ما يعرف باللغة الاصطلاحية. وهناك جانب متعلق بالمصطلح كقيمة: من خلال تحديد موقعه من النظام المفهومي والجدل المصطلحي الذي يندرج فيه: تحول اللفظ كوحدة معجمية إلى وحدة مصطلحية بينما المصطلح كدلالة: فذلك من خلال طبيعة العلاقة المرجعية الجديدة التي تحول الوحدة المصطلحية كاسم مشترك اصطلاحا ومواضعة إلى مفهوم خاص. ولا يجوز فيه الاشتراك أو الغموض. ويتم ذلك أما بالمجاز “أي التوليد مع الإبقاء على نفس الدال أو الاشتقاق والنحت والتعريب بفرز دال جديد.
إن المصطلح السردي هو المصطلح” في دلالته الأولى” موظفا داخل مجال السرد أو الحكي عامة، حيث إن جل الأبحاث السردية ابتداء من إسهامات الشكلانيين الروس وكذا المبادئ التي صاغها ف. بروب… وانتهاء بالأبحاث المعاصرة في السرد والحكاية: أبحاث كريماس وجيرارجينت ورولان بارت. والمتتبع للبحث السردي يلاحظ تعدد المصطلح السردي وتنوعه، هذا التعدد يطرح قضايا تخص الصياغة والوضع من جهة، وقضايا التوظيف والتصرف من جهة ثانية، حيث أن ابتكار مصطلح سردي تقتضيه شروط ولوازم التحليل خاصة إذا لم توفره المعاجم المتخصصة والنظريات النقدية وهنا نكون أمام مشاكل الترجمة والتعريب، ومن له الأهلية، هل الأمر يتحدد بالغاية أم أن العلمية والموضوعية تقوض مبدأ الغاية، وكذلك مسألة انحسار مصطلح ما بتجاوز مصطلحات أخرى داخل نفس المجال المعرفي 10.
أن اشتغال المصطلح السردي تؤطره السرديات التي غدت تصورا واختيارا واشتغالا نقديا وبعدا منهجيا مؤطرا لتحليل الخطاب السردي حيث تبحث في مكونات السرد وأصنافه وتركيباته وإجراءاته التخييلية بالوصف والتحليل11، ويتراوح تحليل السرد بين تحليل الخطاب من جهة، وتحليل الحكاية من جهة ثانية، فنكون بذلك أمام سرديات خطابية تبحث في طرائق عرض المادة الحكائية وسرديات حكائية تبحث في المضمون الحكائي للخطاب السردي، إن هذه الرؤية هي التي انتظمت المنجز النقدي عند سعيد يقطين: وهو منجز تنتظمه رؤية وإستراتيجية تبحث في ما يشكل خصوصية التخييل السردي العربي وموقعه ضمن النظرية الأدبية بنحو عام داخل النسق الثقافي العربي العام.
هكذا يبحث سعيد يقطين 12: في خصائص السرد وفهم بنياته ومكوناته: تحليلا وتأويلا. من خلال مقاربة النص السردي: النصوص الروائية والحكاية الشعبية والعجائب. بقي أن نشير إلى ملاحظة أثبتها الباحث عبد الفتاح الحجمري وهي تتعلق بتقسيم البحث السردي عند سعيد يقطين إلى:
سرديات الخطاب: من خلال البحث في الراوي والخطاب والمروي له.
سرديات القصة: الأفعال والفواعل.
سرديات النص: الكاتب والنص والقارئ13.
وهذا موضوع يشكل البحث فيه مشروعا لمن رغب في مقاربة السردية العربية منهجا وتصورا وممارسة، وعلاقة ذلك بالنظرية الأدبية العربية والنقد الأدبي العربي عامة.
ارتباطا بالموضوع، سوف نقف عند بعض المصطلحات السردية على سبيل التمثيل لا الحصر، انطلاقا من ثلاثة مؤلفات: انفتاح النص الروائي والرواية والتراث السردي وقال الراوي: في تحليل المتن الدراسي. كما أننا سننظر إلى المصطلح السردي الموظف هنا كأداة للتحليل، ذلك أن البعد الإجرائي لمصطلح يمكن من ضبط الخطاب المدروس والإمساك بقوانينه ومنطقه وطرق انتظامه 14، في هذه الحالة يكون المصطلح بمثابة عنصر ناظم يؤدي دورا إجرائيا يميز ذاته عن لغة الخطاب المدروس من خلال المسافة القائمة بينه وبين الخطاب المدروس، وذلك راجع إلى ميكانيكية المصطلح كميكانيزم أثناء الاشتغال، تكشف عن ديناميته وإنتاجيته أثناء التوظيف والاستثمار.
1- يعد كتاب:” انفتاح النص الروائي – النص والسياق “استثمارا أوسع لكتابه الأول:” تحليل الخطاب الروائي.” منطلقا في ذلك من أسئلة تأسيسية: ما هو النص؟ كيف يدل؟ وعلى ماذا يدل؟ ودور السياق في تلقي النص؟ مسجلا بذلك انفتاح السرديات على ما هو اجتماعي، فنكون أمام ما سماه سعيد يقطين بالسوسيوسرديات كتخصص يسعى إلى توسيع السرديات البنيوية وذلك بالانفتاح على الدلالة الاجتماعية للنص السردي ما دام هذا الأخير يقوم على مستوى تكونه بالتفاعل مع المجتمع ومختلف بنياته المعرفية والأدبية والثقافية والنفسية… لقد قام في البداية بعرض جملة التصورات الخاصة بمفهوم النص. وإجرائية هذا العرض في الممارسة النقدية ترتبط بانجاز مهمتين أساسيتين تخصان استثمار المصطلح السردي:
- ضبط مرجع المصطلح: أي واضعه الأصلي الذي صاغه في صورة لفظية وضمنها تصورا أو مفهوما أو فكرة قصد الاشتغال به، لمعالجة معرفية معينة داخل مجال معرفي ما.
- ضبط الحقل المعرفي: الذي يعبر المصطلح عن بعض جوانبه ويدور في فلكه، بحيث لا يفهم إلا في دائرته. أو يفهم في دائرة هذا المجال أكثر من مجال آخر.
إن هذا الإجراء ضروري من الناحية المنهجية وكذا من جهة إقناع الخطاب بضرورة المثاقفة، وكذا إقناع القارئ بأن المصطلح الموظف له انتماءات خارجية عن الخطاب النقدي العربي أو أن له مرجعية في التراث العربي. والمشترك لدى هذه التصورات المعروضة بخصوص مفهوم النص، هو التركيز على الجانب الدلالي أو الإمكان التدليلي للنص، وكذا دور السياق في تلقي النص وتأويله كما أن هذه المنظورات المتباينة على مستوى الخلفية المعرفية ” لسانية وأسلوبية ووظيفية وتداولية ودلالية وتواصلية” تتكامل فيما بينها من خلال التركيز على البعد الدلالي للنص 15 ما دام هذا الأخير يتفاعل ما هو فكري ونفسي وإيديولوجي واجتماعي وثقافي… في سياق إنتاجه وإبداعه.
إن تحديد المرجع والمرجعية الخاصة بالمفهوم والمصطلح في مقاربة المتن مرتبط برؤية تأويلية من أجل تأويل منسجم مع البعد الدلالي الذي يسمح به النص، هذه الرؤية التحليلية تقوم على مفهومين: مفهوم النص والتفاعل حيث أن النص مؤلف من خلال إنتاجيته وتدليله وطاقته الترميزية، باعتباره عينة سيميائية أو واقعة دلالية تشتغل داخل نسق شامل هو الثقافة أما التفاعل فهو يشكل مظهرا مهما من مظاهر اشتغال النص مع نصوص سابقة أو معاصرة أو مغايرة له في الجنس أو النوع أو الأسلوب… أي أن الظاهرة الإبداعية هي ظاهرة تناصية، تفاعلية ما دام الفاعل الإبداعي هو كائن تفاعلي.
ويمكن النظر إلى المنجز النقدي السردي عند سعيد يقطين من خلال محاور ثلاثة: محور المفاهيم ومحور المصطلحات ومحور التأويل والقراءة. فالتعريف الذي يعطيه للنص يثبت هذه الملاحظة: بقوله: “النص بنية دلالية تنتجها ذات فردية أو جماعية، ضمن بنية نصية منتجة وفي إطار بنيات ثقافية واجتماعية محددة “16.إن النص وفق هذا التصور دليل يتضمن دالا ومدلولا، أو واقعة دلالية تتمظهر من خلال بنية تركيبية وصرفية ولغوية وأسلوبية… تتضمن معنى ورمزا ودلالة.
وقد تم رصد الجانب الشكلي في تحليل الخطاب الروائي من خلال التركيز على مفهوم الخطاب كمظهر نحوي للنص، بينما في هذا المتن يقارب الجانب الدلالي من خلال التركيز على مكون بنائي آخر: هو المكون النصوصي. أي كيف تدخل نصوص كبنيات دلالية مرتبطة بأجناس خطابية ولها خصائصها التركيبية والأسلوبية في تشكيل النص المدروس. ذلك أن النص السردي هو تراتبية من النصوص تشتغل داخل نسق عام هو نسق الثقافة 17 فيكون بذلك النص السردي متحقق عن تداخل تسنينين: تسنين سردي وتسنين نسقي: أي دخول أنساق هي متحققة عن تسنين معين إلى نسق النص السردي الناتج بدوره عن تسنين سردي معروف. فيكون بذلك السنن السردي له من الطواعية والقدرة على تأطير بنيات مغايرة لطبيعة النص الروائي فيحتويها ويتضمنها إما بالحفاظ على طبيعتها أو بإلحاق تغييرات عليها.
إن المقاربة التناصية للنص السردي هي مقاربة نسق بنسق حيث أن النص السردي يشكل في تبنينه وتمفصله نسقا يتضمن انساقا مغايرة في تفاعل وتعالق داخل نسق ثقافي أو اجتماعي. إن مقاربة المتن هناك ترتكز في شق منها على الجانب البنائي: أي دخول بنيات نصية سواء كانت أدبية أو اجتماعية أو إيديولوجية إلى بنية النص المدروس.
وفي شق ثان تركز على الجانب الدلالي وهو متأسس في الغالب على ظاهرة التفاعل والتعالق القائم بين عملية الإبداع وعملية التلقي. إن إبداع النص وإنتاجه يقوم على تفاعله مع نصوص أخرى إما بالتضمين أو التحويل أو المسخ أو الخرق، وهذا راجع إلى رؤية المبدع وموقفه من النصوص المتفاعل معها. كما أن تأويل النص هو عملية تفاعلية تجمع النص والقارئ، ذلك أن القارئ هو حصيلة بنيات نصية، يتلقى بمرجعية ومخزون معرفي 18.
في المتفاعل النصي: لقد تم تأويل النص السردي متن الدراسة انطلاقا من مصطلح المتفاعل النصي، وهو مشغل هنا لرصد التعاليات النصية. لقد بلور الباحث هذا المصطلح لتحليل التعالق النصي أو التفاعل النصي. إذ بواسطته نفهم طبيعة التفاعل الحاصل بين نص روائي ونصوص ثانية، إما مغايرة له في الجنس أو النوع أو الأسلوب، أو متجانسة معه. إن المتفاعل النصي في هذه الدراسة هو ” النص الذي يدخل في علاقة مع نص ثان أو يتفاعل مع نص المبدع، سواء كان هذا النص شعريا أو سرديا أو تاريخيا أو دينيا أو أسطوريا، بواسطته يتم تحديد طبيعة التفاعل وكذا نوعه.
المتفاعل النصي مصطلح سردي صاغه الباحث انطلاقا من مفهوم التفاعل النصي ضمنه تصورا معينا أطر الدراسة ككل. وله قدرة واصفة: واصفة للنص بالتحليل والتفكيك وتمييز البنيات النصية عن غيرها من النصوص وكذا وصف التغيرات الطارئة عليها أو الطارئة على النص الروائي ذاته.ويقوم مصطلح المتفاعل النصي بدور الوساطة بين الباحث والنص موضوع التحليل وكذا بين القارئ والنص النقدي. فبعد تشغيل هذا المصطلح نتمكن من تحديد المتعاليات النصية: المناص والتناص والميتانص ومعمارية النص والنص اللاحق 19.
كما يرتبط المتفاعل النصي بالتفاعل النصي، يرتبط بالتعلق النصي، وإن كان هذا الأخير أبسط علاقة ترتبط نصا بنص، حيث يكون النص المتعلق نصا لاحقا والنص السابق متعلق به 20. إما محاكاة أو تحويلا أو معارضة.
إن تشغيل هذا المصطلح يساهم في بناء النص دلاليا، ذلك أن عملية التفاعل التي ينجزها النص السردي ليست عملية بريئة. بل تحكمها مقصدية وإستراتيجية، أي أن للتفاعل موقف نقدي أو رؤية نقدية. فالتحويل أو التضمين أو الخرق 21 أفعال تحكمها غاية وهدف، وهي ترتبط بقضايا معرفية وثقافية وتراثية، “علاقة المبدع بالتراث”.
بهذا ينفتح المصطلح على مشكلات وقضايا تهم النقد الأدبي والتنظير للنص الأدبي ضمن دائرة الاشتغال الابستيمولوجي والمعرفي على أساس أن المصطلح يشتغل أثناء التحليل متضمنا تصورا أو مفهوما معينا،والمفهوم كما هو معروف مرتبط بالفكر والمعرفة وبناء التصورات فمن خلاله تتحدد علاقتنا بالفكر والعالم وكذا عمليات التفكير وتمثيل الأنساق 22.
في الخلفية النصية: يتم تشغيل هذا المصطلح على مستويين: مستوى مرتبط بمحفل النص وآخر مرتبط بمحفل القارئ فيكون بذلك مصاغا لرصد عمليتين: عملية إنتاج النص وعملية تلقيه. ذلك أن الذات تنتج الدلالة النصية انطلاقا من خلفية ثم تشكيلها من خلال التفاعل مع نصوص سابقة وفي مراحل متعددة. هذه الخلفية النصية تتحدد عند سعيد يقطين من خلال تمثيلها: بـ ” النص القابع في دواخل كل واحد منا وهو عند البعض ثابت وعند آخرين متحول ” 23.
إن هذا المصطلح له مقابل أو مرادف في نظرية التجاوب، يتعلق الأمر بمصطلح: سجل النص 24 المحيل إلى كل ما هو سابق على النص كنصوص مغايرة أو مماثلة له، وخارج عنه كأوضاع وقيم وأعراف تاريخية واجتماعية وثقافية.
إن تكون سجل النص يتم عبر عملية طويلة ومعقدة، حيث يتم انتخاب: عناصر دلالية معينة على حساب أخرى يتم إقصاؤها في ضوء العلاقة مع المحيط الاجتماعي والثقافي العام. و استثمارهذا المصطلح خلال عملية التحليل وتأويل النص السردي ينجز مجموعة من الوظائف، وهي وظائف تأسيسية للنص أو المعنى عند القارئ وتفكيكه للنص:
- بواسطة هذا المصطلح يتمكن القارئ من بناء ذات النص “تحديد البنيات النصية المساهمة في تشكيل النص قبل أن تخرج إلى حيز الوجود، فيغدو مقروءا” إنها عناصر تكوينية أو بنائية من خلال إدراكها نتمكن من استيعاب البناء الكلي للنص.
- بواسطة سجل النص، يتمكن القارئ من بناء المعنى ذلك أن المعنى متضمن في النص من خلال تبنينه وتمفصله، كما أن هذه الخلفية تكشف عن رغبة الكاتب وإيديولوجيته، وهي مرتبطة بالبنيات النصية المستوعبة من طرف النص إضافة إلى أن الكاتب يضمن نصه نصوصا أخرى باعتماد موقف نقدي أو رؤية إيديولوجية معينة.
- بواسطة هذا المصطلح، نتعرف على طبيعة التفاعل التي أقامها النص خلال سيرورة تكونه مع نصوص أخرى داخل سياق ثقافي.
في زمن النص: هو مصطلح موظف في كتاب” قال الراوي”25 و”انفتاح النص الروائي”. لقد استحدث هذا المصطلح لتجاوز المظهر النحوي لمقولة الزمن. 26 ويرتبط بعملية القراءة أو فعل القراءة: ذلك ما نلمسه من خلال التقسيم الذي أقامه تود ورف بين ثلاثة أنواع من الزمن: زمن الحكاية وزمن الخطاب وزمن القراءة.
إن النوع الثالث يرتبط بمحفل القارئ، حيث يتأسس هذا الزمن خلال تلقي النص السردي كما أنه مرتبط بسياق تلقي النص: الثقافي والحضاري والإيديولوجي، وكذا سياق القيم والمعايير والشروط العامة التي تتم فيها قراءة النص. إن زمن النص يتحدد من خلال ارتباطه بعمليتين: عملية الكتابة وعملية القراءة و العلاقة بينهما هي علاقة بناء من خلالها يتم إنتاج الدلالة 27:
- أثناء العملية الأولى: يتفاعل الكاتب مع معطى الزمن، فيؤسس وعيا به، أو موقفا منه، وذلك من خلال تخطيب زمن الحكاية المشكلة للمضمون الحكائي للنص الروائي، فيتفاعل زمن الخطاب وزمن القصة لتشكيل الوعي بالزمن.
- أثناء العملية الثانية: يتفاعل القارئ مع زمن النص، انطلاقا من زمن القارئ. النص يتضمن وعيا بالزمن وموقفا منه ومعرفة به مجسدة نصيا وخطابيا وحكائيا، ويتم تلقي هذه المعرفة من خلال زمن القارئ: أي سياقه الثقافي والمعرفي والحضاري العام الذي ينتظم فعل القراءة كنشاط تواصلي يتم بين ذات القارئ وذات النص. هذا الزمن “زمن القراءة” ومتنوع تبعا لتنوع الذوات القارئة وكذا وضعيات تواصلهم وتفاعلهم مع النصوص وإستراتيجية هذا التفاعل والتواصل. إضافة إلى تنوع سجلات القراء28.
وقد تمت مقاربة النص السيري من خلال مصطلح، زمن النص أي زمن تلقي النص وقراءته، وهو إما زمن مباشر أو غير مباشر، تبعا لطبيعة النص: فالتلقي المباشر مثلا في المجالس التي كانت تقام في الساحات العمومية. وكذا غير المباشر وهو مرتبط بمستوى ثان من التلقي، “قراءة النص السيري بعد طبعه” 29.
خلاصات:
- إن دلالة النص السردي تنبثق من خلال عمليات الإنتاج والتكون “تفاعل النص السردي مع مجموعة من النصوص” وكذا تفاعل المبدع مع مجموعة من البنيات السوسيوثقافية والإيديولوجية والأخلاقية والنفسية. ضمن سياق معين، وكذلك عبر عمليات التداول والاستهلاك والتلقي وهي تنتظم تحت مفهوم التأويل أي تأويل النص السردي.
- إن تأويل النص السردي يتم عبر وسائط هي: المصطلحات السردية التي تنتظم وفق تصور معين يؤطر المقاربة ككل، ذلك أن هذه الوسائط هي أدوات إجرائية في التحليل والتأويل لها قدرة على فك التسنينات التي يشتغل وفقها النص السردي فيكون بذلك تأويل النص السردي: زحزحة للعلاقات وتغيير للمواقع وإعادة ترتيب العناصر التكوينية للنص السردي.
تحكم اشتغال المصطلح السردي في هذه المقاربة إستراتيجية واضحة: تهدف إلى تحليل الحكي العربي أو مادة السرد العربي: خطابيا و حكائيا ونصيا. فيكون بذلك للمصطلح السردي بعدان: أول تجريبي من خلال: توظيف المصطلح بعد صياغته وتطويعه في مقاربة النص السردي العربي بتحديد خصوصية النص الفنية والبنائية والدلالية وثان تأسيسي: الرغبة في تأسيس نموذج تحليلي تأويلي على ضوء الكفاءة التحليلية التي أثبتها الباحث في رصد بعد من أبعاد ظاهرة النص السردي العربي.
إن اشتغال المصطلح السردي عامة في البحث السردي عند سعيد يقطين يمكن تأطيره من خلال: الأساس الموضوعي: المصطلح مرتبط بموضوع السرديات النصية والخطابية والحكائية. الأساس المعرفي: تأسيس معرفة بالسرد العربي من خلال بعض أنواعه وأنماطه وأجناسه.
تتحدد قيمة المصطلح السردي في التحليل وتأويل النص السردي على إمكانيتين: إمكانية المصطلح في التحليل. وكذا أمكانية النص على التدليل، فيكون بذلك تأويل النص السردي بناء له من خلال تحليل تمفصلاته وكذا تحيين دلالته.
المتفاعل النصي وخلفية النص وزمن النص: تتعالق كمصطلحات لها بعد فني وإجرائي بظاهرة تهم النص السردي خاصة والنص الأدبي عامة، يتعلق الأمر بظاهرة التفاعل النصي. وهي ظاهرة ترتبط بالكتابة أو الإبداع وكذا القراءة بهذا تنفتح السرديات كتصور منهجي على الاجتماعي والنفسي من خلال استحضارها محفل القارئ الذي غدت له وظيفة تأسيسية وبنائية للنص الأدبي.
* أستاذ مبرز في اللغة العربية –أفورار –أزيلال – المغرب
- محمد شوقي الزين : الفنومينولوجيا وفن التأويل ، فكر ونقد ،عدد 16- 1999 ص 71 2 نفسه: ص : 75
2 – نفسه. ص : 75
3- ابن منظور: لسان العرب مصدر ” أول ” ج 11 دار صادر بيروت دون تاريخ ص 32
4 – محمد مفتاح : مجهول البيان : دار توبقال للنشر ط 1-1990 ص 91.
5 – Paul .R. le conflit des interprétations. Seuil. Paris / 1969.PP 16-17.
6 – محمد مفتاح : التلقي والتأويل :مقاربة نسقية . المركز الثقافي العربي ط 1-1994 ص 218.
7- صلاح فضل: بلاغة الخطاب وعلم النص: عالم المعرفة. عدد 164-1992 ص 233
8- سعيد بنكراد : النص السردي نحو سميانيات للايدولوجيا. دار الأمان ط 1. 1996 ص ص 25-26.
9- عثمان بن الطالب: تأسيس القضية الاصطلاحية ” بحوث ودراسات المصطلح العلمي ” تأليف جماعي بيت الحكمة. قرطاج . تونس وزارة الثقافة والإعلام. 1989 . ص 76
10- انظر رشيد برهون: المصطلح السردي وانغلاق الدائرة الاصطلاحية . العلم الثقافي . س 18 نونبر 2000 ص 3 .
11 – عبد الفتاح الحجمري: السرديات في نماذج من النقد المغربي. فكر ونقد . عدد 6 .1998 . ص 85
12- انظر سعيد يقطين: القراءة والتجربة 1985 – قال الراوي 1997 – تحليل الخطاب الروائي 1989 – انفتاح النص الروائي 1989- الرواية
والتراث السردي 1992 – دخيرة العجائب العربية 1994.
13- عبد الفتاح الحجمري: السرد وبنية الحكاية. العلم الثقافي س 29 . 27 يونيو 1998.
14 – احمد بو حسن: مدخل إلى علم المصطلح. الفكر العربي المعاصر. عدد 66 – 67 . 1989 . ص 73.
15 – سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 31
16 – نفسه ص 32
17 – سعيد بنكراد: النص السردي ص 22
18- جابر عصفور: قراءة التراث النقدي دار سعاد الصباح ط 1-1992 ص 73
19- عيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 99
20 – سعيد يقطين: الرواية والتراث السردي ص 29
21 – نفس المصدر ص 30
22 – محمد الدغمومي: المفاهيم النقدية الملحق الثقافي 12 يناير 2001 عدد 579 ص 6
23 – سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 33
24 – عبد العزيز طليمات :فعل القراءة : بناء المعنى وبناء الذات ” قراءة في بعض طروحات ولفغانغ ايزر” ص 154. نظرية التلقي إشكالات وتطبيقات منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط. سلسلة ندوات مناظرات رقم 24
25- سعيد يقطين: قال الراوي ص 221
26- سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 41
27 – سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 49
28- سعيد يقطين: انفتاح النص الروائي ص 51
29 – سعيد يقطين: قال الراوي ص 228

 

About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d bloggers like this: