عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

في مخاطر السياسة الخارجية الفرنسية على العالم العربي

الفرانكفونية إيديولوجية نيوكولونيالية 
في مخاطر السياسة الخارجية الفرنسية على العالم العربي
 
 
 
 
 
بقلم: د. إدريس جندا ري
- كاتب وباحث أكاديمي
خاص بالموقع 
    حضرت فرنسا كقوة استعمارية في العالم العربي؛ منذ حملة نابليون على المشرق العربي؛ و مرورا بالهجمة الاستعمارية على الجزائر و المغرب و تونس. لكن و رغم انسحابها مرغمة على وقع ضربات المقاومة؛ فإنها عوضت انسحابها العسكري؛ بالهيمنة الاقتصادية؛ ومن ثم  السياسية و الثقافية؛ على ما يسمى بالمحور الفرانكفوني؛ حيث شكلت نخبا عربية على المقاس؛  بهدف  خدمة مصالحها .

إن الفرانكفونية  قبل أن تكون لغة و ثقافة؛ هي قبل ذلك كله إيديولوجية استعمارية؛  لذلك يكون من الواجب على النخب الوطنية؛ الفرز بين المكونين؛ فإذا كان الانفتاح الثقافي و اللغوي الذي يعيشه العالم العربي؛ يفرض الدخول في تثاقف بناء مع جميع اللغات و الثقافات؛ فإن الحس الاستراتيجي يفرض التمييز بين الانفتاح و التثاقف؛ و بين الإيديولوجية الاستعمارية؛ التي تتخذ هذه  القيم مطية لتحقيق استمرارية مشروعها الاستعماري .
 
    مناسبة هذا الحديث؛ هو ذلك الطموح الجديد الذي أصبحت تعبر عنه فرنسا؛  في المحور العربي الفرانكفوني (المستعمرات سابقا) بعد انطلاق المد الثوري العربي؛ و لعل  هذا هو ما تمت  ترجمته؛  بتعبير فرنسا عن رغبتها للتدخل في تونس لإخماد الثورة ( إخماد الشغب بتعبير وزيرة الخارجية الفرنسية المقالة من حكومة ساركوزي)؛ و كذلك تدخلها في الشأن التونسي بعد وصول الإسلاميين إلى الحكم؛ عبر وضع خطوط حمراء؛ و كأن ساركوزي يظن نفسه مخاطبا لمقيمه العام؛ و نفس الشيء  تكرر مع المغرب؛ حين وضع وزير الخارجية الفرنسي خطوطه الحمراء المعتادة؛ و كأنه وقع للتو عقد الحماية !!!
   إن  فرنسا حينما  تقدم على كل هذا؛  فهي تنطلق من اعتقاد راسخ؛ بأنها تقوم بواجبها تجاه مستعمراتها؛ و لا حق لأي قوة خارجية كانت أو داخلية أن تمنعها من ممارسة هذا الحق. و هذا الاعتقاد الفرنسي له ما يبرره –طبعا- على أرض الواقع؛ لأن الوجود الاستعماري الفرنسي؛ في المحور الفرانكفوني العربي؛ توطد أكثر بعد الانسحاب العسكري؛ لأنه  تم تعويضه بوجود أخطر؛ على مستوى التحكم في التوازنات الاقتصاد والسياسية  و في المعادلة الثقافية؛ و كل هذا مر عبر منظومة الفرانكفونية؛ التي تتجاوز الطابع اللغوي و الثقافي؛ إلى المستوى الاقتصادي و السياسي .
    في هذه الدراسة؛ نود التعرف على تشكل هذه المنظومة الأخطبوطية في العالم العربي؛ و كيف وظفتها فرنسا لتعويض الانسحاب العسكري من مستعمراتها؛ خصوصا و أن منظمة  الفرانكفونية؛ تأسست مباشرة بعد الانسحاب العسكري الفرنسي من المشرق و المغرب العربي؛ وهذا ما ينفي الطابع الثقافي عن هذه المنظمة؛ و يجعلها امتدادا للمخططات الاستعمارية السابقة؛ إنها تمثل الاستعمار الناعم؛ في مقابل الاستعمار العسكري/الخشن؛ لكن الشكل الأول أخطر من الثاني؛ لأنه يستثمر اللغة و الثقافة؛ لتحقيق الهيمنة الاقتصادية و السياسية؛ الشيء الذي يعرقل جميع أشكال مقاومته.
1-  الفرانكفونية : حول  سؤال النشأة
   استعملت كلمة  الفرانكفونية بإحالة وصفية خالصة؛ منذ 1880؛ و ذلك على يد الكثير من الجغرافيين؛ لكن تحول الكلمة إلى مصطلح يحيل على دلالة مركزة؛ لم يتم إلا مع الجغرافي الفرنسي
 1837- 1916 (onésime Réclus) و ذلك بعد الحرب العالمية الثانية؛ في عدد خاص من مجلة( esprit)   سنة 1962 .

    لكن هذا المصطلح لم يعرف انتشاره الحقيقي و الواسع؛ إلا مع الزعيم الإفريقي «ليوبولد سيدار سنغور».Léopold Sédar Senghor . الذي شغل منصب رئاسة السنغال مباشرة بعد خروج فرنسا؛ و هو خريج الأكاديمية الفرنسية؛ التي تأسست خلال مرحلة القرن السابع عشر على عهد لويس . XIIIو كان عملها متمركزا حول ترسيخ اللغة الفرنسية و

نشرها عبر العالم؛ و تعتبر هذه الأكاديمية البداية التأسيسية للمراكز الثقافية الفرنسية؛ التي ستعمل فرنسا على نشرها عبر المعمور؛ و خصوصا في مستعمراتها السابقة.
    و من خلال  ارتباط اسم الزعيم الإفريقي (السنغالي) باسم هذه الأكاديمية؛  يمكن منذ البداية أن نستوعب الشكل الجديد الذي رسمته فرنسا لحركتها الاستعمارية؛ التي ستحولها إلى استعمار ثقافي؛ و هو في جوهره أقوى و أعنف من الاستعمار العسكري السابق؛ و ذلك لأن الهدف في الشكلين معا من الاستعمار؛ هو الهيمنة و الاستغلال الاقتصادي.
   و إذا كان الشكل الأول من الاستعمار واضحا و قابلا للمقاومة المسلحة؛ و هذا ما تم حتى اندحر؛ فإن الشكل الثاني من الاستعمار يعتمد قفازا حريريا؛ و لذلك يتمكن من التسلل خفية؛ و يحقق أهدافه الإستراتيجية بكل أمان؛ بل و بمساعدة من المستعمر (بفتح الميم).
   هذا الطابع الاستعماري لمصطلح الفرانكفونية؛ كما وضعه الجغرافي الفرنسي و روج له الزعيم الفرانكفوني السنغالي؛ هو ما يعلن عنه صراحة الطابع الإتمولوجي لكلمة فرانكفونية francophonie   حيث نجد المعجم الفرنسي يتعامل مع الكلمة من منظورين:
-           المنظور الأول: حينما تحيل الكلمة على المتكلم للغة الفرنسية (من دون شرط الانتماء إلى دولة تنتمي إلى الفضاء الفرانكفوني )؛ و في هذه الحالة يكتب الحرف الأول من الكلمة بشكل مصغر minuscule  على الشكل التالي: francophonie
-           المنظور الثاني: حينما تحيل الكلمة على من ينتمي إلى بلد فرانكفوني –و هو بالضرورة يتكلم الفرنسية من منظور المعجم الفرنسي-   و ينتمي كذلك إلى بلد عضو في المنظمة العالمية الفرانكفونية. و في هذه الحالة يكتب الحرف الأول من الكلمة بشكل مكبر   majuscule  على الشكل التالي:   Francophonie 
    و يحيل هذا الطابع الإتمولوجي للكلمة على أبعاد إيديولوجية؛ تتجاوز ما يروج من طرف الفرانكفونيين؛ من أن الفرانكفونية تسعى إلى ترسيخ التبادل الثقافي و اللغوي بين الحضارات و الشعوب؛ بعيدا عن أية خلفيات أخرى !!!  فالمعجم الفرنسي واضح في هذا الأمر؛ عندما يريد استعمال الكلمة بمعناها اللغوي (نسبة إلى متكلم اللغة الفرنسية) من دون خلفيات إيديولوجية؛ يرسم الكلمة على الشكل الأول. لكن الأمر مختلف جذريا عندما يرسم الكلمة على الشكل الثاني؛ حيث تفوح رائحة الإيديولوجية حتى تزكم الأنوف؛ إلا للذين عدموا حاسة الشم –طبعا- !!!
    و لعل المعنى الحقيقي  للفرانكفونية؛ هو ما يحمله الشكل الثاني؛ لأن ظهور الكلمة و تحولها فيما بعد إلى مصطلح؛ ارتبط بفترة انسحاب فرنسا من مستعمراتها السابقة؛ تحت ضربات المقاومة المسلحة ( و خصوصا في المغرب العربي)؛ و لذلك  تبلور المصطلح بهدف تحويل الخطة؛ من استعمار عسكري إلى استعمار ثقافي؛ يمر عبر الاختراق اللغوي . لكن الإستراتيجية ظلت هي نفسها؛ الخروج من الباب و الدخول من النافذة.
    لقد كانت فرنسا واعية تمام الوعي؛ بأن تحقيق الاستمرارية؛ في بسط الهيمنة على مستعمراتها؛ لا يمر بالضرورة عبر التواجد العسكري؛ و لكن قد يكون الأمر أقل كلفة و أكثر ربحا؛ من منظور الاستعمار الثقافي. و ما دامت اللغة هي المدخل الرئيسي في أي استعمار بهذا الشكل؛ فإن الأمر كان يتطلب التفكير في الوسائل اللازمة لفرض اللغة الفرنسية على المستعمرات؛ إما كلغة أولى (السنغال مثلا)؛ أو على الأقل كلغة ثانية (نموذج دول المغرب العربي).
    و إذا كان التحكم في الأجساد يمر عبر التحكم في العقول و الأرواح؛ كما كان يروج دهاقنة الاستعمار؛ فإن أسهل وسيلة لتحقيق هذا الهدف؛ هي الاختراق الثقافي/اللغوي؛ و يمر ذلك عبر تقديم اللغة/الثقافة الفرنسية على طابق من ذهب؛  للمستعمرات القريبة العهد باستقلالها الشكلي؛ باعتبارها  لغة/ثقافة  (الحضارة) و الإنسان الأبيض؛ الذي قدمه الاستشراف باعتباره مركز العالم .

    و إذا كانت اللغة هي المدخل الرئيسي لتشكيل الهوية فإن فرنسا؛ و عبر اختراقها اللغوي للمستعمرات السابقة؛ كانت تضرب عصفورين بحجرة واحدة؛ فهي من جهة تسعى إلى تكسير هويات المستعمرات؛ حتى تشل حركتها على المقاومة؛ لأن الجسد المقاوم هو فكر و روح متماسكين دينيا و لغويا و ثقافيا … و من جهة أخرى كانت تسعى إلى تعويض هذه الهويات بالهوية الاستعمارية البديلة؛ و الهدف الاستراتيجي هو –طبعا- تحقيق السيطرة على المستعمرات لأطول وقت ممكن؛ من خلال تحقيق استمرارية استغلالها اقتصاديا؛ سواء كمناجم للمواد الأولية و أيدي عاملة رخيصة؛ أو كسوق استهلاكية واسعة؛ تفتخر فرنسا بأنها تضم أكثر من 200 مليون مستهلك !!!

2- الفرانكفونية في العالم العربي
 الاستعمار الثقافي كبديل للاستعمار العسكري
      خضعت مجموعة من دول العالم العربي  للاستعمار الفرنسي؛ الذي بدأ في اختراق المنطقة المغاربية منذ 1832 من خلال احتلال الجزائر؛ ووصلت السيطرة الاستعمارية ذروتها بعد فرض الحماية على المغرب سنة 1912 ونفس الوضع عاشته سوريا في المشرق العربي؛ فقد فرض الانتداب الفرنسي عليها بضوء أخضر من عصبة الأمم المتحدة عام 1922؛ و ذلك بادعاء المساعدة على إنشاء مؤسسات الدولة؛ بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية. و خلال فترة الانتداب هذه كانت الدولة الخاضعة للانتداب الفرنسي موحدة؛ تجمع سوريا و لبنان؛ و بعد انتهاء فترة الانتداب في أواخر أربعينيات القرن العشرين؛ نشأ كيانان مستقلان هما الجمهورية السورية والجمهورية اللبنانية.
    و قد تداخلت مجموعة من العوامل الداخلية و الخارجية؛ مكنت فرنسا في الأخير من بسط سيطرتها على جزء من المنطقة العربية؛ بادعاء إدخال الإصلاحات؛ و نقل المنطقة إلى العصر الحديث !!! لكن الهدف –في الحقيقة-  كان استعماريا صرفا؛ يدخل ضمن الحركة الاستعمارية التي قادتها أوربا خلال مرحلة القرن التاسع عشر؛ حيث تم تقسيم إفريقيا و جزء من آسيا بين الدول الاستعمارية الكبرى ( بريطانيا- فرنسا – إيطاليا – ألمانيا …) .
    و قد استمرت الهيمنة الاستعمارية الفرنسية؛ حتى حدود الستينيات من القرن العشرين (بخصوص المغرب العربي)؛ حيث انسحبت فرنسا على وقع مقاومة شرسة؛ سواء في المغرب أو في الجزائر أو في تونس … لكن هذا الانسحاب لم يكن تاما؛ لأنه كان من جنس الاستقلال المشوه و الناقص الذي كان يخدم مصالح فئوية خاصة؛ لا تخدم طبعا مصالح الأوطان.
   لذلك تمكنت فرنسا من الجمع؛ ما بين الانسحاب الشكلي و الإبقاء على مصالحها الإستراتيجية في المنطقة؛ و ذلك بالاعتماد على خدامها الأوفياء من المستعمرين (بفتح الميم)  الذين سيحملون راية الفرانكفونية عاليا. و يتشكل هؤلاء –في الأغلب- من النخبة السياسية الحاكمة؛ و كذلك من النخبة الثقافية التي دافعت عن مصالح فرنسا في المنطقة؛ بادعاء الدفاع عن قيم الحداثة؛ التي لا يمكنها أن تتجسد إلا عبر اللغة الفرنسية !!!
    إن الحفاظ على مصالح فرنسا؛ يمر عبر ترسيخ استعمار بديل؛ يعوض الانسحاب العسكري؛ و هو أخطر من سابقه. هكذا كان قادة الاستعمار يفكرون منذ البداية؛ لذلك توجهوا إلى إخضاع النفوس و العقول ثقافيا؛ للتمكن من إخضاع الأجساد؛ و حتى إذا توهمت الأجساد التحرر؛ تبقى العقول و النفوس مقيدة و تابعة. 
   هذا بالضبط هو ما وعاه مدير التعليم في المغرب خلال الفترة الاستعمارية (جورج هاردي) الذي يقول: ” إن انتصار السلاح لا يعني النصر الكامل؛ إن القوة تبني الإمبراطوريات؛ و لكنها ليست هي التي تضمن لها الاستمرار و الدوام.  إن الرؤوس تنحني أمام المدافع؛ في حين تظل القلوب تغذي نار الحقد و الرغبة في الانتقام. يجب إخضاع النفوس بعد أن تم إخضاع الأبدان. و إذا كانت هذه المهمة أقل صخبا من الأولى؛ فإنها صعبة مثلها؛ و هي تتطلب في الغالب وقتا أطول. ” (1)
    و إذا كان إخضاع النفوس و العقول خلال المرحلة الاستعمارية مرتبطا بإخضاع الأجساد عبر السلاح؛ فإن اضطرار فرنسا إلى الانسحاب على وقع ضربات المقاومة؛ سيفتح المجال أمام تضخم الآلية التي تعتمد الثقافة و اللغة كأداة للسيطرة.  و لذلك فإنه ليس من الغرابة أن تتأسس الفرانكفونية؛ كآلية استعمارية مباشرة بعد انسحاب فرنسا عسكريا من مستعمراتها؛ و التواريخ التي ترتبط بهذا التأسيس توضح هذا الأمر بجلاء :
  ـ  1960 انعقاد المؤتمر الأول لوزراء التربية والتعليم في فرنسا وإفريقيا؛ حيث تبلور مفهوم الفرانكفونية نظرية ومنهجاً.
ـ 1961 تأسس اتحاد الجامعات الناطقة كلياً أو جزئياً باللغة الفرنسية.
ـ  1962نشرت مجلة (ESPRIT) الفرنسية عدداًً خاصاً حول محور (اللغة الفرنسية لغة حية) واعتبر محتوى العدد بمثابة البيان الأول للفرانكفونية.
ـ  1964تأسست فدرالية الجمعيات للانتشار الفرنسي.
ـ  1966 تشكلت اللجنة العليا للدفاع عن اللغة الفرنسية، وأُقِرت بمرسوم جمهوري. ويرأسها رئيس الوزراء الفرنسي، وتتألف من عشرين شخصية تنتمي لعالم السياسية والأدب والفن والعلوم والإعلام والصناعة. وتحددت مهمتها في تطوير العلاقات الثقافية بين الدول الفرانكفونية من المستعمرات وغيرها، ودراسة الوسائل الكفيلة بتحقيق ذلك.
ـ  1966في الفترة نفسها تأسس المجلس العالمي  للغة الفرنسية، وهو عبارة عن أكاديمية فرنسية دولية للبت في النزاعات اللغوية المتوقعة بين مستعملي اللغة الفرنسية من الدول الفرانكفونية، وسائر المشتغلين بها من أهل الفكر.
ـ  1966 أيضاً تأسست المنظمة الدولية للبرلمانيين الناطقين بالفرنسية، بمطالبة من الرئيس السنغالي السابق (ليوبولد سنغور)؛ حيث جعلت مقر إقامتها في بروكسيل، ومقر أمانة سرها في باريس. ثم انبثقت عنها مؤسسة (كوكبة المشاهير) التي بدأت تمنح جوائز أدبية لأفضل الكتاب والشعراء الفرانكفونيين.
ـ  1969 تأسست في باريس الفدرالية الدولية لأساتذة اللغة الفرنسية.
ـ  1970 تأسست الفرانكفونية بمفهومها الجديد، باسم (وكالة التعاون الثقافي والفني للتبادل الثقافي مع الحكومات)، واعتبر تاريخ تأسيسها الموافق ليوم: (20 مارس) بمثابة اليوم العالمي للفرانكفونية. وقد اجتمع لذلك رؤساء ثلاث دول تحت الرعاية الفرنسية، وهم: الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة، والرئيس السنغالي السابق ليوبولد سنغور، والرئيس النيجيري السابق حماني ديوري. فضمت الوكالة الفرانكفونية 12 دولة أصبحت بعد ذلك 50 دولة تمثل القارات الخمس.
ـ  1974  تأسست الجمعية الفرانكفونية للاستقبال والاتصال.
ـ  1986 انعقد المؤتمر الأول للفرانكفونية بباريس بعدما تم التحضير له سنة 1985 في دكار بالسنغال. وقد ضم بالإضافة إلى المستعمرات القديمة بلداناً أخرى مثل بلجيكا  و اللكسمبورغ ومقاطعة الكيبك الكندية. وقد تتابعت المؤتمرات كل سنتين، في كل من كيبك، ودكار، وجزر موريس، وكوتونو، وهانوي…
ـ 1997 انعقد مؤتمر الفرانكفونية في هانوي؛ حيث تم إحداث منصب الأمين العام للفرانكفونية الذي يكون بمثابة سكرتير عام لها، وناطق رسمي باسمها، وممثل لها في المحافل الدولية، والمؤتمرات، والهيئات، والمنظمات؛ وقد تم انتخاب السيد بطرس بطرس غالي لشغل ذلك المنصب.
ـ  1998 انعقدت المناظرة الوزارية للفرانكفونية في بوخارست؛ حيث تم إقرار مصطلح (المنظمة الدولية للفرنكوفونية)  Organisation internationale de la Francophonie  للدلالة على مجموع هيئات الفرانكفونية. (2)
   إن ما يبدو واضحا من خلال هذا الجرد الكرونولوجي؛ هو أن بداية الفرانكفونية؛ صارت بشكل متواز مع انسحاب فرنسا من مستعمراتها؛ و هذا ليس صدفة البتة؛ بل يجد تفسيره في الاستعمار الجديد؛ الذي أسست له فرنسا بعد دحرها على يد المقاومة المسلحة.
    و قد اعتمدت فرنسا؛ في استعمارها الجديد على النخبة السياسية و الثقافة؛ التي استفادت من الاستعمار ماديا و رمزيا؛ و كانت أول المتضررين من الانسحاب الاستعماري الفرنسي؛ لذلك كانت هذه النخبة أول حاضن لهذه الطموحات الاستعمارية؛ و أول مروج لها؛ و ذلك تحت يافطة الانفتاح اللغوي و التبادل الثقافي  و ترويج قيم الحداثة …
2-1-   منظومة التعليم و إعادة إنتاج النسق الاستعماري
     إن الاختراق الحقيقي الذي دشنته الفرانكفونية؛  في مستعمراتها الحاصلة للتو على استقلال شكلي؛  تم من داخل منظومة التعليم؛ حيث كانت اللغة الفرنسية بعد انسحاب فرنسا من مستعمراتها هي لغة التدريس؛ و لا تشاركها العربية إلا بنسبة قليلة جدا؛ و ذلك راجع بالأساس إلى طبيعة تكوين النخبة السياسية و الثقافة التي قادت منظومة التعليم؛ و هو تكوين فرانكفوني صرف؛ لم تنجح السياسات المتبعة فيما بعد؛ في التقليل من هيمنته ( مبدأ التعريب و مبدأ المغربة بخصوص التجربة المغربية مثلا) .

    و من داخل مؤسسات التعليم؛ حافظت اللغة الفرنسية على تواجدها القوي؛ داخل مستعمرات فرنسا السابقة؛ لأن ما يهم فرنسا أكثر هو تشكيل النخب السياسية و الثقافية على مقاسها ثقافيا و لغويا؛ و ذلك من منظور استراتيجي بعيد المدى؛ يقوم على اعتبار هذه النخب امتدادا لمصالح فرنسا في مستعمراتها السابقة . ” إن الفرانكفونية في العالم العربي هي بالأساس مدرسية وجامعية” تؤكد أستاذة  الأدب المعاصر بجامعة القديس يوسف (كاتيا حداد)  (3). و من خلال دراسة استقرائية لحضور اللغة الفرنسية ( أداة الفرانكفونية) في العالم العربي تخلص (كاتيا حداد) إلى خلاصات كبيرة الأهمية:

-           الخلاصة الأولى: ترتبط بتراجع حضور اللغة الفرنسية في مجموع هذه الدول؛ كلغة التواصل اليومي كما كان الأمر أثناء الاستعمار ” فقد مضى عهد كان فيه حضور اللغة الفرنسية أكثر تنوعا حيث كانت الفرنسية “تجوب الشوارع ” مما يعني أنها لم تكن محصورة في حيز المدرسة.”

-           الخلاصة الثانية: و في مقابل تراجع اللغة الفرنسية كلغة للتواصل اليومي؛ فإنها تعوض هذا التراجع عبر حضور كثيف في المدارس؛ كلغة أساسية في مناهج التعليم؛ و ذلك باعتبارها أصبحت تقترن (من منظور الاستلاب اللغوي) بمؤشر من مؤشرات التنمية المتمثل في المدرسة؛ و لذلك تؤكد (كاتيا حداد) أن تعلم الفرنسية في المدرسة قد يكون بمثابة استثمار على المدى البعيد. و تفسر ذلك باعتبار أن من يتعلم اللغة في المدرسة؛ خليق أن يحافظ عليها فيما بعد؛ بحيث تصاحبه مدى حياته..

    و من خلال هذه الدراسة الاستقرائية؛ تثبت الأستاذة (كاتيا حداد) بالأرقام؛  الهيمنة التي أصبحت تمارسها اللغة الفرنسية في مجموعة من الدول العربية؛ فهي تخترق مؤسسات التعليم؛ باعتبارها لغة العلم و المعرفة الحديثة؛ في زمن لجوء المؤسسات الأكاديمية الفرنسية نفسها إلى اللغة الإنجليزية !؟ و هذا الأمر –في الحقيقة- أكثر من محير؛ و يثبت بالملموس أن اللغة الفرنسية في هذه الدول ليست اختيارا بيداغوجيا؛ يرتبط بمناهج التعليم؛ لأن هذه اللغة تثبت الآن؛ أنها غير قادرة على مسايرة التطور العلمي الحاصل باللغة الإنجليزية ؛ بل حتى باللغة الصينية و اللغة الألمانية و بعض اللغات الحية الأخرى .

تقول الأستاذة كاتيا حداد :  ” وقد أتاحت لنا الدراسة الاستقرائية التي قمنا بها إبراز حقيقة أن الفرانكفونية المدرسية تقدمت خلال العقد الأخير ولم تتأخر. وكان من أسباب هذا التطور انحسار تيار التعريب من المناهج الدراسية. فقد شهد العقد الأخير إعادة إدراج اللغة الفرنسية أو تقويتها في البرامج الدراسية بدرجات متفاوتة، وذلك في البلدان الآتية: تونس والمغرب وسوريا ومصر. وفي لبنان، تم اعتماد مبدأ الازدواجية اللغوية المبكرة على مستوى الدولة، وهو مبدأ جاء ليزكي اختيارات السكان اللغوية ويضفي طابعاً رسمياً على مكانة اللغات الأجنبية، وبخاصة مكانة اللغة الفرنسية، وكان هذا الإجراء  أول سابقة من نوعها في هذا البلد” (4)

     إن ما يفسر هذا الحضور القوي للغة الفرنسية ضمن مناهج التدريس في مجموعة من الدول العربية؛ يرتبط في العمق بأبعاد إيديولوجية و مصلحيه؛  ترتبط بالهيمنة التي أصبحت تمارسها الفرانكفونية على مستعمرات فرنسا السابقة؛ من خلال الحضور القوي للوبي الفرانكفوني؛ الذي يتشكل من نخب ثقافية و سياسية و اقتصادية؛ لا يهمها سوى الحفاظ على مصالحها الخاصة؛ في علاقتها بالمستعمر السابق؛ الذي نسجت معه شبكة من المصالح؛ الأمر الذي يحول اللغة لديها إلى إيديولوجيا؛ تتجاوز كل حدود المنطق .

 2-2- النخبة الفرانكفونية و ترسيخ الاستلاب الثقافي و اللغوي

     انبرت النخبة الفرانكفونية – من منظور إيديولوجي فج-  للدفاع عن الاستعمار الجديد؛ و لو أدى الأمر بأحد رواد التيار الفرانكفوني في لبنان؛ إلى محاولة تبرير الحملة الاستعمارية الوحشية؛ التي قادها نابليون على مصر؛ و في هذا الصدد يقول (غسان تويني) سفير لبنان ووزيره السابق : ” وأتذكر هنا على الخصوص فصلا ربما كان من أحلك الفصول وأغناها أيضا في تاريخ  الحقبة التي تهمنا : وأقصد حملة نابليون على مصر.  فهذه الحملة التي قلما تدرس من زاوية الحوار قد اكتسبت زخما وجوديا استمر بعد طي صفحة العنف وما صاحبه من القتل والدمار والاضطهاد، ليصبح مصدرا رائعا للاكتشافات المتبادلة، وبالتالي مصدرا لحوار بين الثقافات بأوسع معانيه، أي ذلك الحوار التي يتعدى نطاق التفكير النظري المجرد ليساهم في تغيير العادات والأفكار” .  (5)

   إن الحملة العسكرية؛ التي قدها نابليون على المشرق العربي –في نظر تويني- لا تعد استعمارا و حشيا؛ بهدف السيطرة على الموارد الطبيعية؛ لدفع عجلة الرأسمالية؛ كما لا تعد أيضا –من نظر تويني دائما- استمرارا للحملة الصليبية؛ التي كانت تسعى إلى قلب التوازنات الثقافية و الدينية السائدة . بل على العكس من ذلك؛ تعتبر هذه الحملة الاستعمارية (مصدرا رائعا للاكتشافات المتبادلة )؛ كما تعتبر ( مصدرا لحوار بين الثقافات ) . لكن المسكوت عنه في كلام (تويني) هو ما يعلن عن نفسه آخر الكلام؛ و لو خرج من دون قصد .

    إن الهدف الحقيقي لهذه الحملة هو ( المساهمة في تغيير العادات و الأفكار). و هذا ما يناقض كل معاني الحوار و الاكتشافات المتبادلة؛ التي يعلن عنها (تويني) بداية المقتطف! إن الهدف الحقيقي – إذن- هو قلب التوازنات الثقافية و الدينية؛ المرتبطة بالامتداد الحضاري العربي الإسلامي – بالإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي-  و في المقابل زرع البذور الأولى لاستعمار ثقافي فرانكفوني؛ سيمتد ليعم كل منطقة الشام في المشرق العربي؛ كما سيعم منطقة المغرب العربي؛ عبر الحملة الاستعمارية على؛ المغرب و تونس و الجزائر؛ و التي اعتبرت في نظر الكثير من أشباه (تويني) حملة حضارية بامتياز؛ الهدف من ورائها تحقيق التواصل الحضاري؛ و الاكتشافات المتبادلة… و هلم جرا من مثل هذه الفرقعات الإيديولوجية؛ التي تنفضح عند أبسط قراءة فاحصة .

    لقد أجهضت الحركة الفرانكفونية – من خلال دعاتها-  كل النضالات التي خاضتها الشعوب العربية مشرقا و مغربا؛ بهدف التحرر من ربقة الاستعمار الفرنسي؛ الذي حول الجزائر إلى مقاطعة تابعة لفرنسا؛ و حول المغرب إلى مستوطنة كبرى و منجم لا ينضب من  المواد الأولية؛ و نفس المصير كان لتونس. أما في المشرق العربي فقد دشنت حملة نابليون لانتداب فرنسي؛ سيعم كل منطقة الشام؛ و سيحولها إلى امتداد اقتصادي و سياسي و ثقافي و لغوي تابع للمترو بول .

      و هذا ما يلخصه وزيرنا و سفيرنا السابق السيد (غسان تويني) في مداخلته السابقة:  ” (..)  كل ذلك (يعني النضال ضد المستعمر) لم يمنعنا من البقاء في حظيرة الفرانكفونية. فنحن كنا نحارب فرنسا؛ ولكن الحوار الثقافي مع الفرانكفونية متواصل في المدارس والجامعات؛ وعبر الصحافة؛ ومن خلال الآداب والفنون خاصة.” (6)

   و قد كانت فرنسا على وعي تام بالدور الخطير؛ الذي تقوم به اللغة و الثقافة في تعويض الاستعمار العسكري؛ الذي أجهض على يد المقاومة؛ سواء في المشرق العربي أو في المغرب. لذلك فقد كان التوجه واضحا إلى دعم النخبة الثقافية؛ عبر توفير جميع الوسائل اللوجستية الداعمة للحضور الفرانكفوني .

    و قد مر هذا الدعم من خلال ما كانت توفره –و ما تزال-  الوكالة الدولية للفرانكفونية؛  لمستعمرات فرنسا السابقة؛ سواء تعلق الأمر بإنتاج المناهج الدراسية؛ في علاقة بوزارات التربية و التعليم؛ أو تعلق الأمر بدعم الكتب الموجهة للشباب؛ و كذلك عبر الدعم الوفير في مجال النشر؛  وفي مجال المساعدة للنهوض بالصحافة والإنتاج السينمائي . و كلها أشكال متعددة لدعم الحضور الثقافي و اللغوي الفرانكفوني في الدول و المجتمعات العربية .

   و قد كان هذا الدعم يمر عبر مجموعة من المؤسسات؛ نذكر منها: صندوق الاستثمار في مجال الصناعات الثقافية” و”صندوق المساعدة للنشر” و”صندوق دعم الصحافة المكتوبة لبلدان الجنوب” و”الصندوق الفرانكفوني للإنتاج المرئي والمسموع” إضافة إلى “الصندوق الفرانكفوني للطرق السريعة للمعلومات … (7)

    و قد أدى هذا التأطير و هذا الدعم السخي –في الحقيقة- دورا خطيرا؛ و استطاعت فرنسا أن تحقق هدفها الرئيسي؛ و هو منح مستعمراتها استقلالا شكليا بلا روح ؛ مع استمرارية ارتباط  الشعوب المستعمرة (بفتح الميم) وجدانيا و ثقافيا و لغويا بالمتروبول.  و هذا ما كانت تعبر عنه النخبة المثقفة الحاملة لمشروع الفرانكفونية؛ حيث كان يصل بها الوجد وو من هذا المنظور هل يمكننا –كشعوب عربية- أن نستسلم للواقع؛ و نقنع من هذا الاستقلال بالفتات الذي يمنحه المستعمر؛ أم إن الجهاد الأصغر انتهى؛ و يجب أن نظل في معركة الجهاد الأكبر و هو جهاد أخطر من سابقه؛ لأن هدفه 

الاتحاد إلى درجات صوفية؛ و هي تعبر عن ارتباطها الوجداني العميق بالمستعمر الفرنسي؛ الذي تسوق صورته بوجه حضاري زائف . 

   و قد كـان من ألـمع هـؤلاء المثـقفين (شـكري غـانم) الذي كان ينشر مقالاته  في Le Journal des Débats  و كان كاتبا روائيا ومسرحيا وسياسيا في الوقت نفسه، واشتهر على الخصوص بمسرحيته الغنائية “عنتر” التي أدتها فرقة من الممثلين والمغنين الفرنسيين في مسرح Odéon منذ سنة 1910. وقد كتب غانم سنة 1918 في صحيفة Correspondance d’Orient التي كان أحد مديريها إلى جانب جورج سامني يقول : ” ألم يحن الوقت ونحن نعيش لحظة من أمجد اللحظات، لنعانق الروح الفرنسية وتتوحد فيها جميع أجناسنا، ألم يحن الوقت لنرتقي إلى مستواها، ونعلن شوقنا وإعجابنا وتقديرنا وإخلاصنا الذي لا يتزعزع للأمة التي بذل أبناؤها بسخاء دماءهم فدية للعالم ؟ ” (8)

     إنها صورة وجدانية رائقة من احد أبناء العروبة؛ تعبر عن قمة الوجد الذي وصلت إليه النخبة الفرانكفونية؛ في علاقتها بالمستعمر؛ و هذا الوجد –في الحقيقة- لا يمكن استيعابه؛ إلا من خلال شبكة المصالح التي نسجتها هذه النخبة مع المستعمر؛ و لذلك فهي غير قادرة على التضحية بهذه المصالح ؛ في سبيل تحقيق استقلال تاريخي شامل لأوطانها.

   و بهدف المحافظة على هذه الشبكة من المصالح؛ بذلت هذه النخبة المؤدلجة؛ مجهودات جبارة في سبيل التسويق للنموذج الاستعماري؛ من منظور استشراقي فج؛ يعتبر أن الحضارة الأوربية (الفرنسية من المنظور الفرانكفوني) هي منتهى ما وصل إليه الإنسان؛ لذلك فلا بديل عن هذه الحضارة؛ لأن البديل هو حضارة (الشرق الرخيص)؛  كما روج المستشرقون و أتباعهم من الفرانكفونيين العرب .

    لذلك فإن النخبة الفرانكفونية تحلم باستعمار جديد يعوض الاستعمار المدحور؛ و هذا الاستعمار هو من جنس الاستعمار الأوربي للقرن التاسع عشر؛ و الذي حول منطقة البحر الأبيض المتوسط إلى امتداد أوربي (فرانكفوني بشكل خاص)؛ بل إن بعضهم يحلم باستعمار أكثر عمقا و تجذرا؛ و يفوق في قوته الحركة الاستعمارية الرأسمالية الحديثة . إن مستقبل العالم العربي المتوسطي – حسب السفير و الوزير اللبناني الأسبق-  يكمن في اكتشاف “روح هيلينية” جديدة؛ والوصول إلى مثل أعلى كوني الأفق، وهو مطمح لا يمكن أن يتحقق؛ في ظل هذه النزعة العالمية التي تريد أن تبتلعنا، إلا من خلال الفرانكفونية. (9)

    و هذه الروح  الهيلينية أو (الهيلينيستية) التي يحلم (تويني) بعودتها إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط؛ ترتبط  بالحقبة الهلينيستية (وهي مستمدة من كلمة هيلين وهي الاسم العرقي الذي يطلقه اليونانيون على أنفسهم) و هي فترة متأخرة من الحضارة الإغريقية، وتمتد منذ أوائل القرن الرابع قبل الميلاد؛ وحتى القرن الخامس الميلادي.

   و خلال هذه الحقبة هيمنت الثقافة الإغريقية على جميع بلدان البحر المتوسط ؛ حيث كانت اليونانية هي لغة المهيمن و المسيطر الإغريقي؛ التي فرضها على الشعوب المستعمرة؛ كلغة للحضارة و العلم . و خلال هذه المرحلة سيطر اليونان على كل منطقة البحر الأبيض المتوسط ؛ حيث تشكلت إمبراطورية الاسكندر؛ و التي شملت بلاد اليونان والممالك الشرقية؛ بعد غزو الاسكندر لها.

ماذا بعد هذا الاستلاب الإيديولوجي؛ الذي يعبر عن نفسه بشكل فج يصل إلى مستوى أخطر مما نظر له المستشرقون و منظرو الحركة الاستعمارية أنفسهم ؟!

ألا يمكن الجزم بأن الفرانكفونية في العالم العربي؛  مشرقا و مغربا؛ هي  أخطر ما تواجهه الشعوب العربية؛ لتحقيق استقلالها التاريخي المنشود ؟  

هل حققت الشعوب العربية استقلالها –حقا- من خلال التضحية بملايين الشهداء؛ أم إن الخطر الاستعماري ما يزال جاثما؛ مستعدا للانقضاض في كل لحظة ؟

يتجاوز إنهاء الاستعمار العسكري؛ إلى إنهاء الاستعمار الحضاري؛ الممارس علينا؛ اقتصاديا و سياسيا و ثقافيا و لغويا … ؟
    إن مسؤوليتنا؛ كجيل جديد؛ هي في الحقيقة أخطر من تلك المسؤولية التي تحملها الجيل السابق؛ الذي ناضل بجميع الوسائل لطرد الاستعمار العسكري؛ و مسؤوليتنا الآن تتجلى في تحقيق استقلال تاريخي شامل؛ عبر  تحقيق حلم وحدة الأمة العربية مشرقا و مغربا؛ كأمة موحدة تمتلك خصوصيتها الحضارية؛ و منفتحة في الآن نفسه على كل العالم؛  من منظور تحرري لا مجال فيه للخضوع لأية قوة كانت؛ فرانكفونية أو أنكلوساكسونية …
3- الفرانكفونية في المغرب العربي
بين المقاومة و خدمة المستعمر
    غزت الفرانكفونية جميع أقطار المغرب العربي –باستثناء ليبيا- و قد كان توجه فرنسا في البداية؛ يصب في اتجاه ربط المنطقة المغاربية بالمتروبول بشكل دائم؛ باعتبارها جزءا لا يتجزأ من فرنسا الأم. و حتى يتحقق هذا الهدف؛ فقد كان التركيز منذ البداية على طمس كل معالم الحضارة العربية الإسلامية في المنطقة المغاربية؛ لغة و دينا و ثقافة… و قد كان الانطلاق؛ من نظرة استشراقية استعلائية؛ تعتبر أن فرنسا هي منطلق الأنوار و التقدم و التحضر؛ و أن المستعمرات – و منها دول المغرب العربي- لم تصل بعد إلى هذه الدرجة من الرقي الفرنسي !
    لذلك يجب فرض الاستعمار لإخراج المنطقة المغاربية من الظلمات إلى النور؛ و هذا الاستعمار يأخذ أشكالا متعددة؛ منها السياسي و الاقتصادي؛ الذي يتم عبر الإخضاع العسكري؛ و منها كذلك الاستعمار الثقافي؛ الذي يساعد على ترسيخ الأشكال الاستعمارية السابقة؛ و الذي يعتمد قفازا حريريا مخالفا تماما للقبضة العسكرية.
    و قد كان منطلق الاستعمار الثقافي مرتبطا –منذ البداية- باللغة الفرنسية؛ باعتبار أن اللغة هي صانعة الهوية؛ و بالتالي هي صانعة الشخصية الإنسانية. و في هذا الإطار تم خوض معركة شرسة ضد كل معالم التواجد الغوي –و من ثمة الثقافي- العربي؛ لأنه يشكل عائقا أساسيا أمام الهيمنة الثقافية واللغوية الاستعمارية؛ خصوصا و أن اللغة العربية في المغرب العربي؛ هي أكثر من لغة تواصل؛ إنها تحمل إرثا حضاريا عظيما؛ لا يمكن اختراقه ببساطة من طرف الاستعمار.
   لذلك نجد السياسة الاستعمارية الفرنسية موحدة؛ في تعاملها مع مجموع دول المغرب العربي؛ و بهدف واحد هو استئصال كل معالم الحضارة العربية الإسلامية؛ و تعويضها بمعطيات حضارية جديدة ترتبط بالاستعمار. و قد خلف منظرو الحركة الاستعمارية في المغرب العربي مجموعة من التنظيرات؛ التي تصب كلها في هذا الاتجاه.
    في المغرب يؤكد (بول مارتي) في كتابه: (مغرب الغد): “.. إن كل تعليم للعربية، وكل تدخل من الفقيه، وكل وجود إسلامي، سوف يتم إبعاده بكل قوة؛ وبذلك نجذب إلينا الأطفال الشلوح (البربر)عن طريق مدرستنا وحدها، ونبعد، متعمدين، كل مرحلة من مراحل نشر الإسلام” (10)
و نفس السياسة الاستعمارية كانت متبعة في الجزائر؛ يقول (دي روفيكو): ” إني أنظر إلى نشر تعليمنا ولغتنا كأنجع وسيلة لجعل سيطرتنا في هذا القطر (الجزائر) تتقدم في إحلال الفرنسية تدريجياً محل العربية؛ فالفرنسية تقدر على الانتشار بين السكان خصوصاً إذا أقبل الجيل الجديد على مدارسنا أفواجاً أفواجا ” (11)
3-1-   الفرانكفونية في تونس
الزعامة الوطنية في خدمة المستعمر
 جسدت تونس (بورقيبة) بامتياز النموذج الفرانكفوني؛ حيث تم احتضان الفرانكفونية من طرف رئيس الدولة؛ الخارجة للتو من الاستعمار (الحبيب بورقيبة). فليس خفيا ما قدمه هذا الزعيم التونسي/الفرانكفوني من دعم للفرانكفونية في تونس و في كل المغرب العربي؛ و ذلك تحت غطاء و توجيه من  وزارة الخارجية الفرنسية؛ التي قدمت دعما سخيا للزعيم التونسي؛ باعتباره الزعيم الفرانكفوني؛ القادر على حماية المصالح الفرنسية؛ في منطقة المغرب العربي .
     و قد كان الحبيب بورقيبة متحمساً لمفهوم اللغة المشتركة الجامعة للشعوب الناطقة بها، فكان اقتراحه عام 1965 بإنشاء “كومنولث فرنسي  يضم كل الشعوب التي تتكلم الفرنسية؛ و هي في الأغلب مستعمرات فرنسا. 
    و قد كان بورقيبة يصرح بكل هذا في حواراته؛ و يفتخر أنه الأب الروحي للفرانكفونية في المغرب العربي؛ لا يقل قيمة عن الرئيس السنغالي (سنغور).  يقول في حوار له : ” إن مستقبلنا مرتبط بمستقبل الغرب عموماً ومتضامن مع مستقبل فرنسا خاصة… ونحن نتجه اليوم من جديد إلى فرنسا. إنني أنا الذي تزعمت الحركة المنادية بالفرانكفونية؛ فالرابطة اللغوية التي تجمع بين مختلف الأقطار الإفريقية أمتن من روابط المناخ أو الجغرافيا “. وصرح في مقابلة صحفية : ” إننا لا نستطيع الإعراض عن الغرب، إننا متضامنون مع الغرب بأكمله، متضامنون بصورة أخص مع فرنسا. وتدعيم الروابط مع فرنسا وبصورة أخص في ميدان الثقافة، وفكرة بعث رابطة للشعوب الفرانكفونية تولدت هنا “. (12)
    لقد كان الزعيم التونسي –إذن- من أذيال الفرانكفونية في منطقة المغرب العربي؛ و هذا ما تؤكده مواقفه السياسية و الفكرية و الإيديولوجية؛ في علاقة تونس بامتدادها العربي الإسلامي؛ فقد كان بورقيبة و من خلال الارتباط بالإيديولوجية الفرانكفونية؛ يسعى إلى ربط تونس و من خلالها منطقة المغرب العربي بالنموذج الفرنسي سياسيا و فكريا و دينيا (تأبيد الاستعمار) بهدف المحافظة –طبعا- على المصالح الاستعمارية في المنطقة.
    لذلك فإذا كان بورقيبة يشترك في نزعته الفرانكفونية مع الرئيس السنغالي سنغور؛ فإنه في الوقت ذاته يشترك في نزعته العلمانوية laïcisme المتطرفة (13) مع الزعيم التركي كمال أتاتورك . فقد حضرت الفرانكفونية عند بورقيبة باعتبارها تصفية للإرث الحضاري (ثقافة و لغة و دينا) العربي الإسلامي من تونس؛ من خلال انتزاعها من امتدادها الحضاري؛ و ربطها بامتداد حضاري مزيف؛ بادعاء الحداثة و الديمقراطية؛ و كأن هذه القيم؛ قيم فرانكفونية خالصة؛ لا وجود لها خارج الإرث الاستعماري الفرنسي!
     و إذا كانت تونس بورقيبة تعتبر (منارة) شامخة للفرانكفونية في منطقة المغرب العربي؛ فإن الاختراق الفرانكفوني لم يتوقف عند الحدود التونسية؛ بل عم كل دول المغرب العربي –باستثناء ليبيا- و ذلك رغم بعض الفوارق بين هذه الأقطار؛ بحيث ساهمت الحركة الوطنية في المغرب؛ كما ساهمت حركة التحرير الوطني في الجزائر؛ و هما حركتان تختلفان عن النموذج التونسي البورقيبي؛ من حيث امتدادهما العربي و الإسلامي. ساهمت الحركتان معا في الحد نسبيا من التجذر الفرانكفوني؛ على الأقل بعيد الاستقلال .
الفرانكفونية في المغرب
خطط استعمارية لاجتثاث المغرب من امتداده الحضاري
    في المغرب اتحدت كل القوى الوطنية في صف واحد؛ وواجهت كل المخططات الفرانكفونية؛ التي كانت تستهدف الامتداد العربي الإسلامي للمغرب؛ و قد تجسد الوعي الوطني المقاوم خلال صدور الظهير البربري؛ الذي يقسم المغرب إلى مناطق عربية و مناطق بربرية؛ و ذلك بهدف الاستفراد بالبربر؛ و إلحاقهم ثقافيا؛ و من ثم سياسيا و اقتصاديا بفرنسا .   و قد كان المدخل ثقافيا و لغويا؛ من منظور القضاء على الثقافة و اللغة العربية في هذه المناطق؛ و فصلها في الأخير عن الوحدة المغربية؛ تطبيقا لخطة (فرق تسد).
    و إذا كانت فرنسا قد فشلت في المواجهة الشعبية؛ التي كانت تقودها الحركة الوطنية المغربية؛ فإن توجهها كان نحو التعليم؛ باعتباره مجالا خصبا لزرع بذور الفرانكفونية؛ و كان التركيز هذه المرة على اللغة؛ باعتبارها مسكن الكائن –كما يقول هيدجر-  و ذلك من خلال محاربة اللغة العربية في المدارس؛ و تعويضها باللغة الفرنسية .
     يؤكد (جورج هاردي) مدير التعليم في المغرب؛ خلال المرحلة الاستعمارية؛ على فرض اللغة الفرنسية كلغة أساسية  في المدارس: ” أما عن المواد العامة التي ستتخلل هذا التعليم التطبيقي؛ فهي بطبيعة الحال؛ اللغة الفرنسية؛ التي بواسطتها سنتمكن من ربط تلامذتنا بفرنسا؛ و التاريخ الذي يجب أن يعطيهم فكرة عن عظمة فرنسا” (14) 
   إن اللغة الفرنسية في اعتبار (هاردي) هي أكثر من لغة للتدريس – بالمعنى الديداكتيكي- البيداغوجي- إنها إيديولوجية؛ تعمل على ربط المغاربة بفرنسا و بتاريخها العظيم/المجيد ( ومن هذه الأمجاد و العظمة؛ الاستعمار الألماني لفرنسا؛ و دخول هتلر إلى قصر الإليزيه و إلقاء خطابه التاريخي) !!!  إن اللغة الفرنسية هي سلاح المعركة –إذن- و لربح الرهان؛ لابد من حسن استعمال هذا السلاح؛ حتى و لو تطلب الأمر اقتلاع الشعوب و الأمم من امتدادها الحضاري؛  و الرمي بها في مزابل التاريخ؛ إن الغاية تبرر الوسيلة –حسب جورج هاردي- .
     وفي السياق نفسه؛ عمل المقيم العام الفرنسي بالمغرب (الجنرال ليوطي) على ترسيخ هذا التوجه، من خلال دوريته الشهيرة التي أصدرها بتاريخ 16/6/1921 حول لغة التعليم بالمغرب؛ إذ يقول: ” من الناحية اللغوية علينا أن نعمل مباشرة؛ على الانتقال من البربرية إلى الفرنسية … فليس علينا أن نعلم العربية للسكان؛ الذين امتنعوا دائماً عن تعلمها، إن العربية عامل من عوامل نشر الإسلام؛ لأن هذه اللغة يتم تعلمها بواسطة القرآن؛ بينما تقتضي مصلحتنا أن نطور البربر خارج نطاق الإسلام ” (15).  إن نفس الطرح السابق؛ هو الذي يحضر مع ممثل السياسة الفرنسية في المغرب؛ الذي أقام دعائمها؛ و قد كان طرحه طرحا فرانكفونيا خالصا؛ ينطلق من اللغة و الثقافة كعامل أساسي لترسيخ السياسة الاستعمارية .
    و قد كان لمذكرة (ليوطي) هذه صدى واسعا عند منظري الحركة الاستعمارية؛ الذين ساندوا هذا الطرح؛ باعتبار اللغة الفرنسية سلاح المعركة الاستعمارية. و في هذا السياق نشر (موريس لوجلي) مقالة يدافع فيها عن طرح ليوطي و جورج هاردي. يقول الكاتب:  ” والمشروع يفرض أن يتم تطوير سكان الجبال باللغة الفرنسية المعبرة عن فكرنا، سوف يتعلم السكان البرابرة اللغة الفرنسية؛ وسوف يحكمون بالفرنسية… علينا أن نُقلع في كل مكان عن الحديث باللغة العربية، وإعطاء الأوامر بالعربية إلى قوم هم مجبرون على فهمنا وإجابتنا.. ولذلك ينبغي العمل قبل كل شيء على تحويل مصالح الشعب المغربي في اتجاه مصالحنا نحن، وأيضاً تحويل مصيره إن أمكن، وليس هذا بدافع عاطفي محض، ولكنه بدافع فهم واضح للهدف المبتغى، والنتائج المتوخاة لصالح قضيتنا” (16).
    إن الهدف المرسوم؛ من خلال مجموع هذه المواقف بمختلف اهتماماتها؛ يسير في اتجاه فرض اللغة الفرنسية؛ كامتداد للحركة الاستعمارية؛ حيث يتم من خلالها استعباد الشعب المغربي؛ عبر انتزاعه من جذوره التاريخية و الحضارية؛ المرتبطة بالامتداد العربي الإسلامي. و هذا ما عبر عنه صراحة و من دون مواربة؛ المستشرق الفرنسي ( 1862 – 1957) Gaudefroy-Demombynes.R: ( وهو أحد المُنظِّرين لاستعمار المغرب العربي) ” يجب أن تُسَخَّر كل الوسائل التي تحت سلطاننا لمقاومة زحف العربية والإسلام” (17). 
    لقد وضع الاستعمار الفرنسي –إذن- خطة محكمة للسيطرة على المغرب؛ و انتزاع الشعب المغربي من جذوره الحضارية؛ استعدادا لربطه بالمصالح الاستعمارية. و قد لعب الطرح الفرانكفوني؛ الذي يقوم على الاستعمار الثقافي و اللغوي؛ لعب دورا خطيرا في تمكين قادة الاستعمار من تنفيذ  الكثير من خططهم؛ و قد لاحظ الدكتور (عبد العالي الود غيري) في بحثه القيم حول (الفرانكفونية و السياسة اللغوية والتعليمية بالمغرب)؛ لاحظ أن التغلغل الفرانكفوني تجاوز التعليم إلى مجالات أخرى؛ ضمن خطة محكمة؛ للهيمنة على المغرب. فمن المدرسة الفرنسية و جهازها التعليمي؛ إلى الكنيسة المسيحية؛ و إدارة الشؤون الأهلية؛ و ضباط الاستعلامات؛ و ضباط الجيش؛ و مؤسسات البحث الجامعي؛ ووسائل الإعلام. و كان الهدف هو إضعاف المغرب و التشكيك في كيانه و حضارته و هويته؛ و استغلال عناصر التعدد الثقافي؛ من لغة و عادات و أعراف؛ لضرب وحدته و تلاحمه ” (18) .
و من هذا المنظور يخلص (محمد الفاسي) إلى خلاصة أساسية: ” عندما استولت سلطة الحماية على مقاليد الحكم في بلادنا؛ كان كل ما أحدث بالمغرب؛ من ألفه إلى يائه على النمط الفرنسي؛ و باللغة الفرنسية ؛ و بالأساليب الفرنسية” (19)
   و هذا – بالطبع – لا ينطبق فقط؛ على المرحلة الاستعمارية؛ بل يتجاوز ذلك إلى مرحلة الاستقلال؛ حيث تم تحقيق استمرارية المشروع الاستعماري بنسبة كبيرة؛ سواء في المغرب أو في الجزائر و تونس؛ إذ تحققت الهيمنة الفرانكفونية على جميع القطاعات الحيوية؛ في التعليم و في الإدارة و الجيش … و هذا ما مكن فرنسا من تحقيق استمرارية مشروعها الاستعماري؛ الذي تحطم على يد الحركات الوطنية المقاومة؛ في جميع أقطار المغرب العربي؛ و تم إحياؤه من جديد على يد أذناب الفرانكفونية؛ الذين يشكلون الساحة الخلفية لفرنسا في مستعمراتها السابقة.
على سبيل الختم
 حينما نثير موضوع الفرانكفونية في العالم العربي؛ فإننا نسعى إلى رسم صورة عن الخطر الداهم الذي تمثله السياسة الخارجية الفرنسية؛ على المحور الفرانكفوني في العالم العربي؛ حيث ما زالت فرنسا تتعامل مع هذا المحور؛  كمستعمرات فاقدة للسيادة على قرارها الاقتصادي و السياسي و الثقافي.  و لعل هذا هو ما تؤكده أحداث الربيع العربي بشكل واضح؛ حيث يبدو أن الموقف الفرنسي من هذه الأحداث أخذ يتبلور في اتجاه الدفاع عن مصالح فرنسا؛ حتى و لو تطلب الأمر عرقلة الحراك الشعبي المطالب بالديمقراطية؛ و الذي يبدو أنه يخدم الخيار الإسلامي و القومي بشكل واضح؛  و هذا ما ترى فيه فرنسا تهديدا لمصالحها في مستعمراتها؛ التي ظلت لعقود تحمي مصالحها ضدا على مصالح الوطن في غالب الأحيان .
و يمكن أن نستشعر هذا الخطر من خلال الحديث المتكرر للخارجية الفرنسية؛ عن الخطوط الحمراء التي لا يجب على الإسلاميين تخطيها إذا أرادوا إنجاح مهمتهم؛ وإلا فإن النموذج الجزائري ينتظرهم في أقرب حين  (الانقلاب على الديمقراطية) و لعل هذا هو ما كان قريب التحقق في تونس لولا المد الشعبي الكاسح الذي أطاح ببنعلي و أطاح في نفس الوقت بوزيرة الخارجية الفرنسية –سيئة السمعة- (ميشال أليو ماري)  التي عرضت مساعدة فرنسا على بنعلي لإخماد الشغب و  القضاء على لمشاغبين !!!
يجب أن نعلم أن فرنسا مستعدة للقيام بكل شيء؛ للمحافظة على تألق نموذجها الفرانكفوني في دول المغرب العربي -بشكل خاص- و أي تهديد لهذا النموذج  ستواجهه بقوة. و لعل  هذا هو ما يجب أن نأخذه على محمل الجد؛ عبر الاستعداد لفرض الخيارات الوطنية التي تقبلها الشعوب المغاربية و تبوؤها مكان الصدارة؛  في الانتخابات الديمقراطية التي لم ترق لفرنسا -طبعا-و لكن هو إنجاز ديمقراطي أنجزته الشعوب؛  التي ثارت في وجه الطغاة و خدام الاستعمار الفرنسي في أوطانهم .
إن ترسيخ الخيار الديمقراطي يمر بالضرورة عبر ترسيخ استقلالية القرار الاقتصادي و السياسي و الثقافي الوطني؛ و ذلك عبر مواجهة كل قوة تريد أن تمارس رقابة غير مبررة؛ خدمة لمصالحها الإستراتيجية؛ و ذلك لأن هذه الرقابة تتعارض مع إرادة الشعوب؛ التي لن تقبل؛ بعد اليوم؛ أي تحكم في قراراتها من طرف  قوى خارجية؛ و خصوصا تلك التي مازالت تحن إلى المرحلة الاستعمارية .
الهوامش:
1-         M.g.hardy : le problème scolaire au Maroc – Casablanca – imp. rapide-1920.
2-         Site : organisation internationale de la francophonie (www.francophonie.org)
3-         كاتيا حداد  - حصيلة دراسة واقع الفرانكفونية في العالم العربي –
أعمال الندوة التي نظمتها جامعة الدول العربية والمنظمة الدولية للفرانكفونية ومعهد العالم العربي بباريس، 31-30 مايو / أيار   2000 -  إصدار الإيسيسكو .
4-         كاتيا حداد – المرجع السابق
5-         غسان تويني-  أعمال ندوة الفرانكفونية و العالم العربي – المرجع السابق
6-         غسان تويني – المرجع السابق
7-         مداخلة السيد ستيليو فرنجيس الأمين العام للمجلس الأعلى للفرانكفونية “العربفونية”، واقع ومشروع – أعمال ندوة:  الفرانكفونية و العالم العربي – المرجع السابق
8-         شكري غانم – أنظر: غسان تويني – المرجع السابق .
9-         غسان تويني – المرجع السابق
10-       P. MARTY – Le Maroc de demain, Comité de
l’Afrique française, Paris, 1925- P :38
11-       دي روفيكو – نقلا عن إدريس الكتاني- ثمانون عاما من الحرب الفرانكفونية ضد الإسلام و اللغة العربية- منشورات نادي الفكر الإسلامي- الرباط – ط – 2000
12-       أنظر: محمد الهادي الزمزمي – تونس : الإسلام الجريح
13-       يميز الأستاذ محمد أركون بين العلمانية و العلمانوية؛ فإذا كان المفهوم الأول يحيل على الفصل العلمي بين السلطتين المادية و الروحية؛ مع المحافظة على خصوصية كل سلطة؛ فإن المفهوم الثاني يحيل على العلمانية المحاربة للدين و التي جسدها النموذجان الفرنسي و الأتاتوركي .
14-       محمد عابد الجابري – أضواء على مشكل التعليم في المغرب
دار النشر المغربية – البيضاء – ط : 1 – 1973 – ص: 31
15-       الحسن مادي – السياسة التعليمية بالمغرب و رهانات المستقبل- منشورات مجلة علوم التربية- ص: 22
16-       نفسه – ص: 23
17-       عبد العالي الودغيري- الفرانكفونية و السياسة اللغوية و التعليمية الفرنسية بالمغرب – كتاب العلم – السلسلة الجديدة- الرباط- ط- 1993
18-       نفسه ص: 8
19-       محمد الفاسي – التعريب ووسائل تحقيقه- ضمن مجلة الأصالة- ع: 17-18 – نونبر/دجنبر – 1973 – ص: 76-77

About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل خروج   / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d bloggers like this: