عزيزتي الزائرة وعزيزي الزائر أنت في الموقع السابق لمجلة إتحاد كتاب الإنترنت المغاربة للعودة للموقع الحالي أنقر على زر الرجوع

إنّ الكلام محرمُ

إنّ الكلام محرمُ

د. حاتم الصكَر


 قصائد كان لها صدى ودوي في الذاكرة الشعرية المعاصرة، إما لموضوعاتها الجديدة، أو لبنائها الفني الحديث، واستحقت هذه الوقفات النقدية والقراءات الاستعادية التي تذكّر بها وتستجلي أصداءها.
يهيمن الموضوع على قصائد معروف الرصافي (1875 ـ 1945) كباقي شعراء الإحياء والنهضة العرب، فتأتي الصياغة بسيطة والأشكال مألوفة والمعاني قريبة من الفهم؛ لذا تشيع أشعاره، وتظل تتردد أجزاء منها كحكم ووصايا تنتزع من سياقاتها الظرفية زمن نظمها، وهو غالبا عهد الخلافة العثمانية أو الانتداب البريطاني، وتعسّف الحكومات التابعة للمستعمر، فيستشهد بها القراء وعامة الناس حتى بعد عقود من قولها، معللين ذلك بأن التاريخ يعيد نفسه، ويتحدثون عن الليلة التي تشبه البارحة، والواقع أن حركة التاريخ لا تعرف التوقف أو التكرار، والزمن لا تشبه

أجزاؤه بعضها بعضا، لكن ذلك إسقاط جمعي للخيبة والخذلان والجمود الذي تعيشه الجماعة؛ فترى الزمن والتاريخ متوقفين، ويصبح الحال اليوم كما وصفه الرصافي في تشابه نمط الاستعباد والتبعية والعسف وفي فقدان الحريات والخطاب الزائف المتحايل على المسميات.فالحكام الذين قاومتهم قصائد الرصافي ووصفتهم بأنهم عتاة يقتلون شعوبهم وأذلاء خانعين للأجنبي، نرى في حكام أيامنا هذه شبهاً بهم؛ فهم يوجهون الجيوش لسحق شعوبهم بقوة بينما يسترضون المحتلين بالسكوت عن احتلال بلدانهم واستغلال ثرواتها، ما يسبّب غياب التقدم والحرية:
عبيد للأجانب هم ولكن
على أبناء جلدتهم أسودُ
ويتهكم حين يحصي مؤسسات الدولة كالعلَم والدستور ومجلس الأمة التي يرى أنها محرّفة عن المعاني الصحيحة؛ لذا فهي:
أسماء ليس لنا سوى ألفاظِها
أمّا معانيها فليست تُعرفُ
ويسخر الرصافي من المستوزرين الذين يكتفون بالتنفيذ وتسلم الأجور دون إخلاص أو خدمة لوطنهم، وتستجيب السخرية للطابع اليومي والحياتي وتقترب من معاناة الناس الذين يجدون في تلك الأشعار الساخرة المنتقدة تعبيرا عن تلك المعاناة ما يمنح شعره جماهيرية وانتشاراً وتأثيراً.
فنياً ساهم ذلك الاهتمام بالقضايا الوطنية والهموم اليومية والمطالَبة بالحرية في استقرار الرصافي على منهج أسلوبي لا يبتعد كثيرا عن المباشرة والنظم، ليؤازر قربه من الأَفهام، ويعزز الشعبية التي نالتها قصائده وصارت حياته ذاتها مطابقة لتلك الشعبية المقصودة؛ فعاش الرصافي على هامش الوظيفة والغنى والحظوة، مكتفياً بانتمائه للوطن الذي افتخر بمعرفة أهله (أنا ابن دجلة معروف بها أدبي) مستفيداً من التورية في اسمه وذيوع شعره مندمجاً بمطالب الوطنيين المتركزة في حق السيادة والاستقلال الفعلي والمساواة، وحق التعليم وحرية المرأة والحقوق المدنية الأساسية التي يضعها الثوار والوطنيون عادة في برامجهم.
مفهوم المستعمر للحرية
شأن أغلب معاصريه لا يعتني الرصافي بعناوين قصائده. فموضوعها كفيل بتقديمها لقارئها وإنجاز مهمة التعارف والدخول في عالمها. لذا تطول العناوين أحيانا وتكون مباشرة أو نثرية بالمعنى الخبري، وتتوخى إبراز موضوعها قبل أي شيء. وهي تعد اليوم عناوين استباقية تلخص خطة النص وبرنامجه؛ لذا تكون صياغتها تقليدية وتلخيصية تعلن عن مضمون النصوص، هكذا كان عنوان نص الرصافي (الحرية في سياسة المستعمرين) يساعد على فهم الموضع الذي اتخذه وهو يعرض أفكاره وينتقد مفهوم المستعمرين للحرية، وما يريدونه للشعوب التي يستعمرونها، فينوب عنهم مستبطناً نياتهم لتقديم النصح للشعب في مفارقة ساخرة؛ فيخاطب الشعب (يا قوم) ليقرب منهم كونه أحدهم، ويسرد لهم مقصد المستعمرين من شعار الحرية، بما يشبه السارد المفارق لمرويّه والمخالف لما ينقل، فتبدو الحرية شيئاً مختلفاً تماماً عن محتواها، بل هي عبودية أكيدة، وتجهيل وحجْر على القول والفهم والعلم، ومسخ لدلالات العدل والسعادة والحرية. لكن بيان أو توصيل مفهوم المستعمرين للحرية وموقعها في سياساتهم وبرامجهم يتطلب أن يتخذ الشاعر السارد هنا والمبين لزيف المفهوم الاستعماري للحرية من أسلوب الطلب (النهي والأمر خاصة) ركيزة أو مولداً لسانياً ينتج الدلالات المتسعة عن البؤرة الأسلوبية؛ فيبدأ النص بالنهي بعد نداء الشعب بـ(يا قوم) فيكون الاستهلال طلباً بصيغة النهي تعبيراً عن التسلط (لا تتكلموا) ثم تأتي القطعة المعنوية الثالثة في النص (بعد النداء والطلب) لتؤكد المغزى (إن الكلام محرم) في عرف المستعمر وقانونه المفروض على الشعوب المستعبدة. ولعل هذه المعاينة الأسلوبية للاستهلال وللنص كاملاً تعين في فهم المواءمة التي أرادها الرصافي بين مضمون الحرية في منظور المستعمرين وشكل مخاطبتهم للناس المعبر عن استضعافهم واستعبادهم بدعوى تحريرهم.
في البيت الثاني سيكون الطلب بصيغة الأمر (ناموا) لتعزيز فكرة كراهية المستعمر ليقظة الشعوب، فالنوم هو ما ينصحهم أو يأمرهم به في خطاب النص بعد أن تولى الشاعر كشفه. كما ينصحهم في الأبيات الثلاثة التالية بالتأخر وتجنب الفهم وبالجهل؛ لأن المعرفة شر ومن الخير ألا يفهموا شيئا كي لا يعارضوا ما يسوسهم به، والسياسة لغز يصعب عليهم فهمها ومطلوب منهم تركها؛ فهي حكر له وأعوانه، وعاقبة خوضهم في السياسة هو الندم.
حواس مقموعة
يمتلك الشعب من الحواس ما يجعله يثور ويرفض الاستعمار، لكن مفهوم المستعمر للحرية يفضحه القول إن الكرامة تقتضي ألا يرى الشعب، ولا يسمع ولا يتكلم، فيفقد حواسه ويصبح كما تصوره التماثيل الخشبية القديمة مغمض العينين ومقفل الأذنين والفم، فتحسب الناس ذلك حكمة للحفاظ على كرامتهم، كي لا يعترضوا على ظلم أو عسف.
بذا يعلو صوت الشاعر ويعود لموقعه منحازا لكشف الحرية المزعومة كما يريدها المستعمرون؛ فلا يظل معبراً عن صوتهم في النص، بل يقع سرديا في ما يقع فيه كثير من الكتاب حين يجعلون أبطال أعمالهم يتحدثون باسمهم أو ينوبون عنهم، حتى إذا لم تسمح بذلك أبعاد شخصياتهم ووعيها المفترض بناء على ما أعطاهم الكاتب من صفات ومؤهلات.
لقد اختلطت وصايا المستعمرين وأوامرهم التي يريد الشاعر فضحها بما يريد من الشعب أن يتنبه له من نياتهم وما يخفون وراء الشعارات الزائفة التي سرعان ما تكشفها ممارساتهم في البلدان التي يستعمرونها؛ فيحجبون الحريات والحقوق كلها. وبذا تقابلت في القصيدة خطتان أو برنامجان يسيران صوب هدف النص الذي أعلنه العنوان (الحرية في سياسة المستعمرين)، الأولى: خطة النص الذي ينطوي على إثارة الشعب ضد ما يريد المستعمرون أن يفعلوه من تحريم الكلام حتى تقسيم البلاد. والثانية خطة المستعمر في تفسير الحرية كما يراها شكلا بلا دلالة واسما بلا مسمى حقيقي. وتتناوب الخطتان الهيمنة على خطاب النص حتى آخر أبيات القصيدة، حين ينبه الشاعر إلى خطر داهم يكمن في تفتيت الوطن وتقطيع أوصاله لإضعافه وموته.. ولينجز الرصافي الخطتين لجأ إلى معهود أسلوبه الواضح والقريب من الفهم، معتمدا لتحقيق موسيقية السخرية مجزوء بحر الكامل بتفعيلتين في كل شطر؛ فغدت القصيدة ذات إيقاع مناسب لروح السخرية فيها، ويسيرة على التذكر والترنم والاستشهاد بها في سياق مشابه.
لقد كان لنص الرصافي أثره الواضح في الذاكرة الشعبية، فظل العراقيون والعرب أيضا من دارسي وقراء الرصافي يذكرون دوما سخريته من الحرية المستوردة مع المستعمر، ويمددون الدلالة لتعبّر عن طغيان حكامهم وحجْبهم للحقوق والحريات، وتفريطهم بوحدة أوطانهم وكرامتها. ووصل أثر النص شعريا إلى نصوص جاءت بعده، كقصيدة الجواهري الشهيرة “تنويمة الجياع” وصيحتها: (نامي جياع الشعب نامي) والتي تبدو آثار قصيدة الرصافي واضحة فيها عبر البحر نفسه وتفعيلاته المجتزأة (اثنتين في كل شطر) مع التهكم من وصايا الطغاة لجياع الشعوب بان يناموا ويحلموا ويدعوا السياسة والثورة وطلب الحرية.
ولربما ستظل أصداء قصيدة الرصافي ماثلة بيننا طويلاً ما دامت الحال كما هي عليه: تخويفا وتجهيلا وعسفا.
الحرية في سياسة المستعمرين
يا قومُ لا تتكلموا
إنّ الكلامَ محَرّمُ!
ناموا ولا تستيقظوا
ما فاز إلا النوّمُ
وتأخروا عن كل ما
يقضي بأن تتقدموا
ودعوا التفهم جانبًا
فالخيرُ أن لا تفهموا
وتثّبتوا في جهلكم
فالشر أن تتعلموا
أمّا السياسة فاتركوا
أبدًا وإلا تندموا
إنّ السياسة سرُّها
لو تعلمون مُطَلسمُ
وإذا أفضتم في المباح
من الحديث فجَمْجموا
والعدلَ لا تتوسموا
والظلمَ لا تتجهموا
مَن شاء منكم أن يعيش
اليوم وهو مكرّمُ
فليُمْسِ لا سمعٌ ولا
بصـرٌ لديه ولا فمُ
لا يستحـق كرامةً
إلا الأصمُّ الأبكمُ
ودعوا السعادة إنما
هي في الحياة توهّمُ
فالعيش وهو منعّمٌ
كالعيش وهو مذممُ
فارضَوا بحكم الدهر
مهما كان فيـه تحكّم
وإذا ظُلمتم فاضحكوا
طربًـا ولا تتظلمـوا
وإذا أُهنتم فاشكروا
وإذا لُطمتـم فابسمـوا
إنْ قيل هذا شهدُكـم
مـرٌّ فقولـوا: علقـم
أو قيـل إنَّ نهاركـم
ليـلٌ فقولـوا: مظلـم
أو قيل إنَّ ثِمادَكـم
سيـلٌ فقولـوا: مُفعَـم
أو قيل: إنَّ بلادكم
يا قـوم سـوف تُقسَّـم
فتحمّـدوا وتشكّـروا
وترنّحـوا وترنّمـوا

 
About these ads

أكتب تعليقا على النص

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. تسجيل الخروج / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. تسجيل الخروج / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. تسجيل الخروج / تغيير )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. تسجيل الخروج / تغيير )

Connecting to %s

أرشيف

%d bloggers like this: